المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقويم التطبيقات المعاصرة للزكاة إيجابيات – سلبيات



محاسب متخصص
01-20-2015, 08:54 AM
الزكاة فريضة شرعية ، وركن من أركان الإسلام ، وحققت نتائجها الباهرة عند تطبيقها في التاريخ ، ثم ضمرت بعد ذلك ، وكادت أن تصبح غائبـة أو منسية ، ثم عـادت إليها الصحوة من جديد نظرياً وعملياً .
واحتاجت التطبيقات المعاصرة للزكاة للتقويم لبيان الإيجابيات والسلبيات في المجال النظري والعملي ، وهو موضوع البحث .
وتتسم التطبيقات المعاصرة للزكاة لإيجابيات نظرية في الكتابة عنها بكتب ورسائل جامعية ، وبحوث ودراسات ، وفي المجلات والصحف والنشرات ، وإقامة مؤسسات رسمية ، وصدور قوانيـن وأنظمة ، وعقـد مؤتمرات وندوات خاصة بالزكاة ، وبحث الزكـاة في المؤتمرات والندوات الاقتصادية والمجامع الفقهية ، وصدرت فيها فتاوى كثيرة في موارد الزكاة المفتوحة وفي مشتملات مصارفها .
وظهرت سلبيات نظرية كتعدد الآراء ، وتكرار البحث الواحد ، وعدم التعاون بين الأجهـزة الحكومية ، وعدم التنسـيق بين النـدوات ، والمؤتمرات ، وتناثر البحوث ، وعدم التشريع للزكاة في معظم البلاد، والاقتصار على البحث النظري فحسب، والتعصب المذهبي.
وتجلت إيجابيـات متواضعة عملية لقضايـا الزكاة المعاصرة كالتطبيق الحكومي ، والمؤسسي ، والفردي الاختياري ، وقيام هيئات شرعية للزكاة ، وتحقيق بعض أهداف الزكاة عملياً مع الاستفادة الجزئية من التقنيات الحديثة .
وتكثر السلبيات العملية للزكاة المعاصرة كتخلي معظم الدول عنها ، والتطبيق الجزئي للزكاة ، والتشـويه في التطبيق ، والتخلف في المؤسسات الزكـوية والهيئات ، وتعطيل الاجتهادات الجديدة ، والخطأ في صرف الزكاة ، والتقصير في التنفيذ ، وعدم التنسيق مع سائر الوزارات .
وتشـترك بعض السلبيات النظرية والعملية كفقـدان التعاون والتنسيق بين المهتمين بالزكاة ، وعدم المعالجة الكافية لمستجدات الزكاة .
وأخيراً يقدم البحث بعض المقترحات والتوصيات مع الدعاء بالتوفيق والسداد في القول والعمل لتشييد هذا الصرح العظيم لأحد أركان الإسلام ، وتحقيق الأهداف المرجوة منه، والحمد لله رب العالمين .
المقـدمـة
الحمد لله رب العالمين الذي أنزل لنا الشرع القويم لتحقيق مصالح الناس، وجعله صالحاً لكل زمان ومكان ، ليؤمّن لهم سعادة الدنيا في مجتمع فاضل ومتكافـل ومتعاون ، ويضمن لهم الفوز في الآخرة ، والمقام في جنات النعيم .

والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمة للعالمين ، والمبيِّن عن ربه أحكام الدِّين ، ليكون قدوة وأسوة للناس أجمعين ، وعلى آله وصحبه ومن سلك نهجه إلى يوم الدّين .
وبعـد :
يقول الله تعالى :  وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  البقرة /43 ، واقترنت الزكاة بالصلاة التي هي عماد الدِّين في ثمانية وعشرين آية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خَمْس : شهادة ألا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً " ( ).
فالزكاة فريضة شرعية ، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة التي تُكوِّن دعائم الدين ، والمجتمع الإسلامي ، ودخلت حيز التطبيق منذ العهد النبوي ، وطوال التاريخ الإسلامي ، وحتى يومنا الحاضر ، وإن تفاوت التطبيق بنسبة كبيرة ، ولكنه فاق التصور والتوقعات في بعض الأزمنة والأماكن .
وأدت الزكـاة وظيفتهـا في المجتمع الإسلامي ، وحققـت الأهداف السامية لها في الجوانب الإيمانية والنفسية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية. ولا تزال كذلك إلى حد كبير في عصرنا ، مع ضعف تطبيقها في العصور المتأخرة ، وكادت أن تصبح في بعض الأحيان، وبعض البلدان ، الفريضة المنسية أو الغائبة ، ثم عادت الحياة إلى بعض جوانبها ، وارتفعت الدعوة لها ، والتذكير بها ، والتوعية إلى أهميتها ودورها ، حتى فرضت نفسها من جديد على الساحة ، وصدرت فيها الأنظمة واللوائح والقوانين في بعض البلاد الإسلامية ، وأقيمت لها المؤسسات والأجهزة ، مع تنامي الفكر الاقتصادي الإسلامي والفكر العام .
ذلك أن المال شقيق الروح ، وهو أحد المصالح الضرورية الخمس التي تمثل مقاصد الشريعة الغراء ، وأصبح الاقتصاد عصب الحياة ، وقـامت على أساسـه الدول اليوم ، وظهرت التكتلات ، والهيئات ، والحكومات ، والأنظمة على ميزانه ، وتدور حوله معظم اللقاءات العالمية والدولية ، والندوات والمؤتمرات .
والاقتصاد هو محور سياسة الدول ، فتحرص بكل إمكانياتهـا لزيـادة مواردهـا واستثماراتها ، وتسعى لترشيد الاستهلاك ، وحسن التوزيع ، وهي مسؤولة بشكل مباشر أو غير مباشر على الحالة الاجتماعية في البلاد ، وعن العمالة والبطالة ، والفقر وتأمين المعيشة ، والجمود والكساد ، والانتعاش الاقتصادي ، والحركة التجارية وغيرها .
وهذه أهم واجبات الدولة قديماً وحديثاً ، وشاركت فيها الدولة الإسلامية خلال عدة قرون ، وكانت الزكاة أحد الدعامات الأساسية لاقتصاد الدولة الإسلامية ، وتأمين القوت والرفاهية والأمن الغذائي للناس ؛ لأن الزكاة فريضة ابتداء ، وقضية دعويـة واجتماعية انتهاء ، وهي مسألة أمنية وسياسية وسيلةً ، وهي مؤسسة رائدة في النظام الاقتصادي الإسلامي .
وتمتاز الزكاة بين أركان الإسلام الخمسة بأنها الركن الوحيد القابل للتطور والتوسع ، ويرحب بالاجتهـادات ، وهذا ما حصل بين العلماء والفقهـاء وأئمة المذاهب ، وأخذ شأوه الكبير في الوقت الراهن بعد تنوع الأموال ، وتوسع الثروات ، واضطراب شؤون المسلمين ، وتعطل أو توقف تطبيق الزكاة كلياً أو جزئياً في بعض البلدان ، مما فتح الأبواب الواسعة أمام علماء الأمة ومجتهديها لتتبّع المستجدات الفقهية المعاصرة في الزكاة ، وأدلى الكثيرون بدلوهم في ذلك ، وعقدت الندوات والمؤتمرات واللقاءات والحوارات عن الزكاة في مختلف الأصقاع ، وظهر الدور الفعـال للزكاة في حياة المسلمين ، واعتبرت مجدداً أحد دعامات الاقتصادي الإسلامي حتى في البلاد والدول التي تخلت عن القيام بوظيفة الزكاة ، وقلما يخلو مؤتمـر أو نـدوة عن الاقتصاد الإسلامي دون أن يتعرض مباشرة إلى موضوع الزكاة ، بالإضافة إلى الندوات والمؤتمرات الخاصة بالزكاة ، أو بقضايا الزكاة المعاصرة ، والأمور المستجدة فيها نظرياً وعملياً .
ومن هنا تضمن المحور الأول من المؤتمـر العـالمي الثالث للاقتصـاد الإسلامي المخصص لتقويـم المسيرة النظريـة والتطبيقيـة للاقتصـاد الإسلامي عامة ، وتقويم المؤسسات التطبيقية للاقتصاد الإسلامي خاصة ، تضمن عرضاً للتطبيقات المعاصرة للزكاة، من أجل تقويم الجهود المبذولة فيها ، وهذا ما أردت عرضه في هذا البحث من خلال مقدمة سريعة عن الزكاة ، ثم التقويم النظري والعملي لقضايـا الزكاة والتطبيقـات المعاصرة لها .
خطة البحث :
جاء البحث في مقدمة ، ومبحثين ، وخاتمة