المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم التمويل و مصادره في الاقتصاد الإسلامي



محاسب متخصص
09-07-2014, 08:01 AM
تمثل عملية التمويل دورا هاما في الحياة الإقتصادية , فهي الشريان الحيوي و القلب النابض الذي يمد القطاع الإقتصادي بمختلف وحداته و مؤسساته بالأموال الازمة للقيام بعملية الإستثمار و تحقيق التنمية و دفع عجلة الإقتصاد نحو الأمام .


فإذا كانت عملية التمويل بمفهومها العام تعني إنفاق المال , وكان الإستثمار بالمفهوم البسيط يعني استخدام المال في عمليات اقتصادية بغية الحصول على مردودية أو نتيجة , فإن كل إستثمار يعتبر تمويلا بالضرورة و لكن التمويل لا يعتبر في كل الحالات إستثمارا .


فالإقتصاد الإسلامي يعطي أهمية بالغة لعمليات التمويل و تحقيق الإستثمار و يتجلى ذلك من خلال فرض الزكاة على الأموال سواء كانت عينية أو نقدية و ذلك حتى يقل الاكتناز , و بالتالي عدم تعطيل الموارد و الوسائل الخاصة بدفع وتيرة الاستثمار . فالزكاة في الإقتصاد الإسلامي تعتبر أحسن و أبلغ أداة في الكون كله , و محفزا للإستثمار في نظرة الإسلام والمسلمين طبعا , فالمسلم يستثمر حتى و لو كانت نسبة العائد أقل من نسبة الزكاة أي أقل من 2.5 % لأنها بالمقابل تعد أحسن مقياس موزع للدخل القومي , و إذا لم يستثمر هذه الأموال فسوف تزول بسبب امتصاص الزكاة ، و عليه يتوفر الاقتصاد لإسلامي على الآليات و الميكانيزمات التي تدفعه إلى تحقيق التنمية و الإزدهار , و لهذا سوف نحاول أن نركز في دراستنا على مفهوم التمويل في الاقتصاد الإسلامي و الصيغ المختلفة التي يمكن تقديم بها هذا التمويل و الشروط والظوابط التي تحطم هذه الصيغ و كيفية تطبيقها من طرف البنوك الإسلامية .


و عليه نقول : ما مدى فعالية تمويل المشاريع الإقتصادية من المنظور الإسلامي ؟


على ضوء هذا الإشكال ندرج مجموعة من التساؤلات :


- مفهوم التمويل و أحكامه في الإقتصاد الإسلامي .


- أدوات و مصادر التمويل في الإقتصاد الإسلامي .


- صيغ التمويل و كيفية تطبيقها في البنوك الإسلامية .


و بناءا على هذه التساؤلات تتبلور الفرضية التالية :


- تعتبر صيغ التمويل الإسلامية متعددة ومتنوعة ويمكن تطبيقها في مختلف الآجال (قصيرة ,متوسطة وطويلة الأجل )وذلك بتكييفها مع متطلبات العصر الحديث وفق أطر الشريعة الإسلامية السمحاء .


1 – مفهوم التمويل و مصادره في الإقتصاد الإسلامي :


إن للمال في الإسلام وظيفة إجتماعية ذات أبعاد واسعة إلى جانب وظيفة اقتصادية ، فهو يعتبر وسيلة إلى الحياة الكريمة للإنسان , لذلك وضع الإسلام ضوابط لكسبه و إنفاقه . وإذا كان هذا الكسب و الإنفاق يدخل في إيطار عملية التمويل بالمفهوم الاقتصادي , فسوف نحاول معرفة من خلال هذا الفصل مفهوم المال وصولا إلى مفهوم التمويل و أهم مصادره و المبادىء التي تحكمه في الإقتصاد الإسلامي .





1-1 – ماهية التمويل :


قبل التطرق إلى مفهوم التمويل و صيغته و أهميته الاقتصادية في المنظور الإسلامي وجب معرفة مفهوم المال و شروط و أسباب تملكه في الإسلام .


1-1-1 – مفهوم المال , أنواعه وأسباب تملكه :


أ – تعريفه :


لغة : المال ما يمتلك من كل شىء و يجمع من أموال , وفي لسان العرب ما يتملكه المرء من الذهب و الفضة , ثم أطلق على كل ما يقتنى و يملك من الأعيان .


اصطلاحا : ( اصطلاح الفقراء و المعاصرين ) المال ما كان له قيمة مادية وجاز شرعا الإنتفاع به في حالة الإختيار , أي أن المال ما يمكن حيازته و الانتفاع به و التصرف فيه .


وبالجمع بين التعريفين يمكن القول أن : المال يتمثل في كل ما كانت له قيمة مادية و جاز للإنسان امتلاكه و الإنتفاع به في حالة الاختيار , على أن يكون هذا الانتفاع ممكنا لكافة الناس لا من بعضهم .





ب – أنواعه :


يمكن تقسيم المال إلى أصناف متعددة تبعا للحكمة من كل تصنيف , سواء للدراسات الشرعية أو الاقتصادية أو القانونية , و أهمها ما يلي :


- تقسيم المال إلى نقود ( رأس مال نقدي ) و عروض ( رأس مال عيني ) .


- تقسيم المال إلى عقار و منقول .


- مثلي و قيمي : المثلي هو الذي تكون وحداته غير متفاوتة , و القيمي هو الشيء النادر يعوض على مقدار القيمة و ليس على الشيء.


- المال المقوم و الغير المقوم : المقوم ما كان بحوزة المالك و يعوض على تلفه ، و الغير مقوم ( ما لا يثير مالا في الإسلام ) وهو ما لم يكن بحوزة المالك كالسمك في البحر بالنسبة للصياد.





ت – الطرق الشرعية لكسب المال :


وضح الدكتور يوسف القرضاوي قاعدة عامة في تملك المال , ويمكن حصر عدة طرق كمايلي :


1- العمل : سواء ينجز عنه أجر أو ربح 2-المعاوضات أو المبادلات .


2- الهبة 4- الصدقة 5- الزكاة


6- الميراث 7- الوقف 8-الوصية


9- الغنيمة 10- تطبيق القصاص .





-2-1-1مفهوم التمويل و أنواعه في الإسلام :


1-مفهوم التمويل :
لغة : أي أعطيه المال , فالتمويل هو إنفاقه أي أموله تمويلا , أي أزوده بالمال.


اصطلاحا : تتضمن كلفة و مصدر الأموال وكيفية استعمالها و طريقة إنفاقها و تسيير هذا الإنفاق .





2 – صيغ التمويل من حيث الأجل :


يمكن تقسيم التمويل إلى تقسيمات مختلفة من حيث الحجم , الطبيعة أو المصدر , ولكن هذا التقسيم عادة يكون حسب المدة أو الأجل , وذلك كالأتي :


أ – التمويل قصير الأجل : مدته سنة واحدة في الغالب , و يجب أن لا يتجاوز السنتين كحد أقصى , أما الحد الأدنى فيصل إلى يوم واحد.


ب- التمويل متوسط الأجل : تتراوح مدته من 2 إلى 5 سنوات وتصل إلى 7 سنوات .


ج- التمويل طويل الأجل : مدته تزيد عن5 أو 7 سنوات و ليس له حد أقصى , إذ يصل إلى20 سنة.





3- إرتباط عملية التمويل بالمشروع الاقتصادي في الإسلام:


إن الملاحظ في صيغ التمويل الإسلامية ( كما سندرسها لاحقا ) ترتبط ارتباطا وثيقا بالجانب المادي للإقتصاد أو بالإنتاج الحقيقي الذي يضيف شيئا جديدا إلى المجتمع , فإذا كان التمويل الربوي في أغلب الأحيان يعتمد على ذمة المستقيد و يقدم على أساس قدرته على السداد , فإن التمويل الإسلامي يقدم على أساس مشروع استثماري معين تمت دراسته و دراسة جدواه و نتائجه المتوقعة , بينما نجد أن التمويل الربوي لا يشترط أن يكون التمويل مرتبطا بعملية إنتاجية حقيقية .


3-1-1 – أنواع العوائد في التمويلات الإسلامية :


إن تحديد أنواع العائد يتطلب تحديد عناصر الإنتاج في الإقتصاد الإسلامي و الذين يمثلان عنصرين أساسيين هما : العمل و رأس المال , فالعائد لا يمكن أن يكون إلا ربحا أو أجرا , و يمكن إضافة نوع ثالث وهو الجعالة و إن كان تطبيقا صعبا في عملية التمويل .


الربح :


يعرف الربح في الفقه الإسلامي بأنه نوع نمو المال الناتج عن استخدام هذا المال في نشاط استثماري , و أن هذا النشاط الإستثماري يحتوي على عنصر المخاطرة لتقلبات رأس المال , بزيادة الربح أو وجود خسارة.


و يعتبر الربح الهدف النهائي للمنتجين , و بما أنه يمثل الفرق بين ثمن بيع السلعة و تكلفتها فقد سعى الفكر الإسلامي إلى وضع ضوابط في تحديد هذه الفروق :


1-أن يكون هامش الربح معقولا حتى لا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار و يقلل من سرعة دوران رأس المال .


2- أن يتلاءم هامش الربح مع درجة الخطورة .


4- أن لا يتضمن هامش الربح فوائد ربوية .


-الأجر :


هو تعويض مالي مقابل منفعة مشروعة , و يشترط في الأجر ما لا يشترط في الثمن أي أن يكون مالا مباحا منتفعا به شرعا, معلوما و مملوكا للمستأجر. والمعلومات الواجب مراعاتها عند تحديد الأجر :


1- ظروف العمل و طبيعة و مستوى مسؤوليته .


2- مؤهلات العامل ومدى خبرته و مستوى كفاءته .


3- مستوى تكاليف المعيشة .


4- الشروط التي تتطلبها الوظيفة .


5- كمية الأموال لدفع الأجرة .


6- أوقات الراحة والعمل و العلاوات.


- الجعالة :


يقول ابن رشد : " أن يجعل الرجل للرجل جعلا على عمل عمله إن أكمل العمل , و إن لم يكمل العمل لم يكن له شيء و ذهب عناؤه باطلا ."


في الجعالة يتم الإتفاق بين صاحب المصلحة و العامل على بذل عمل يؤدي إلى تحقيق نتيجة محددة , أما في الإجارة فإن الإلتزام بالعمل لا يعني تحقيق الغاية كما في الجعالة .


فالمنفعة لا تحصل للجاعل إلا بتمام العمل , بخلاف الإجارة فإته يحصل على المنفعة بمقدار ما أنجزه من عمل .


إن العمل في الجعالة قد يكون معلوما أو عير معلوما كحفر بئر حتى يخرج منه الماء بخلاف الإجارة فلا بد أن يكون فيها العمل معلوما .


و يرى بعض المفكرين أن العمولة التي يتلقاها البنك الإسلامي نظير تقديم العديد من الخدمات لعملائه هي في الحقيقة جعالة , و نحن نرى أنها إجارة لأنها لقاء عمل أو خدمة محددة أو معلومة , و نفس الشيء بالنسبة للمضاربة إذ لا يمكن إشتراط نتيجة كما هو في الجعالة , غير أن هذا لا يمنع أن نجد بعض العمليات المصرفية التي تعتبر العمولة فيها نوعا من الجعالة , كتوسط البنك للعميل من أجل الحصول على قرض لدى جهة أخرى لقاء عمولة , أو إحضار بضاعة نادرة للعميل يطلبها في بيع المرابحة لقاء عمولة , وشروط الجعالة هي :


-إتمام العمل - الوصول إلى الغاية .





2-1 – مصادر التمويل في الإقتصاد الإسلامي :





1-2-1 – البنوك :


إن البنوك تلعب دورا هاما في حياتنا و حياة الأمم و الحياة الإقتصادية بصفة خاصة , ولا شك أن هذه البنوك تقدم خدمات إلى الجمهور سواء كانت صناعية أو تجارية , و عليه فهي تساهم في تحقيق التنمية الإقتصادية حسب إختصاص كل واحد منها , فهي تعمل على تسيير الإنتاج , و تسيير التبادل و تعزيز رؤوس الأموال ..


إلى غير ذلك من المعاملات الحيوية التي تساعد على الرفاهية و التقدم.


- وظائف البنوك الإسلامية :


أ-الإيداع :


إن عملية الإيداع تعني أن المودع يقوم بإيداع أمواله في إحدى البنوك للمحافظة عليها , في حين يدفع البنك كل فترة معينة فائدة على تلك الأموال وهذه الفائدة تعتبر ربا , ولذلك وضع البديل الإسلامي " عقد المضاربة " بمعنى أن يكون المودع هو " رب المال " ككل و البنك هو" المضارب".


و يكون له الحق في استثمار هؤلاء بنفسه أو عن طريق شركات أو وكلاء آخرين , و البنك في نهاية كل فترة مالية ( عادة سنة واحدة ) يقوم بحساب المشروعات التي حققت نجاحا سواء كان كبيرا أو متوسطا و المشروعات التي حققت خسائر, ثم يقوم بحساب أرباحه بعد خصم المصاريف العمومية و احتياطاته , ثم يوزع الباقي بينه وبين المودعين جميعا.


يوزع البنك بمعرفته الجزء المتفق عليه على المودعين , و بطبيعة الحال سوف يختلف من عام لأخر دون شك تبعا للأرباح التي يحققها البنك وعلى هذا تكون الأرباح حلالا , لأن المال في هذه الحالة يتعرض إلى المخاطرة وأن نسبة الربح متغيرة , و الجزء المتبقي بعد ذلك يوزعه البنك على المساهمين إن كان بنكا خاصا أو حسبما يحدده القانون , ولا شك أن النسبة التي سيوزعها البنك على المودعين سوف يراعي فيها مبالغ الودائع ونسبة الأجل التي مكثت فيها في حوزة البنك وساهمت بمقتضاها في هذا الإستثمار. وهذه العملية تسير وفق الشريعة الإسلامية لأنها :


- تعرض رأس المال للمخاطرة .


- تغير نسبة الربح من سنة لأخرى أو عدم تحقيق الربح على الإطلاق في حالة الخسارة .


- تحقيق دورة رأس المال بدلا من إكتنازها لفائدة أصحاب رؤوس الأموال أنفسهم.


- نفع المجتمع و الاقتصاد القومي و رفع مستوى المعيشة طبقا لهذا الإستثمار.


ب- الإقراض :


ب-1-البديل عن القروض الإستهلاكية:


تقدم البنوك قروض إستهلاكية للذين تعوزهم الحاجة إلى الإقتراض للإستعانة بها في قضاء حوائجهم المعيشية , و تتقاضى هذه المصارف فائدة ربوية على تلك القروض , وهذه الفائدة ربا النسيئة وهو بطبيعة الحال محرم .


البديل عن هذا هو أن تكف البنوك عن إعطاء مثل هذه القروض , ويقدم جهاز داخل هذه البنوك أي البنوك الإسلامية بجباية الزكاة وتقوم بتوجيه حصيلة ما يجبى إلى المصارف الشرعية المعروفة , أما غير المستحق للزكاة ممن تظطر الحاجة لذلك للحصول على قروض فإن جهاز الزكاة يستطيع أن يمدهم بغير فائدة اطلاقا ببعض القروض ذات الآجال القصيرة يستعينون بها على تفريج كربتهم على أن يبادروا بردها إلى رصيد الزكاة مع وجود ضمانات كافية للوفاء بهذه القروض , ولعل هذه الطريقة تحقق :


- سيادة روح الكفالة الإجتماعية في المجتمع الواحد.


- الإطمئنان و الأمان الذي يوفره هذا النظام لكافة أفراد المجتمع.


وذلك مصدقا لقوله صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى ." ( صحيح البخاري ).





ب-2 –البديل عن القروض الإنتاجية :


في هذه الحالة البنك هو " رب المال " و أصحاب المشروعات هم " المضاربون" , فصاحب أي مشروع يقوم بأخذ المال من البنك مع تقديم الضمانات اللازمة و المافية , مع وجود جهاز للتخطيط بالبنك نفسه لدراسة المشروعات للتأكد من صلاحيتها للتنفيذ على أن يقدم لأصحاب المشروعات ويتم توجيههم إلى الطريق الصحيح لإستثمار الأموال , فإذا حقق المشروع أرباحا خصمت منها مصاريف إحتياطاته ثم يقسم الربح بين أصحاب المشروع و البنك حسبما يتفق الطرفان مسبقا , أما إذا لم يحقق المشروع ربحا ردّ المال إلى البنك إذا سلم رأس المال و تعطى مهلة أخرى إذا كان هناك أمل في المستقبل , أما إذا أصاب رأس المال خسارة فإنها لاتلحق إلا برب المال أي البنك , هذا إذا لم يكن لصاحب المشروع يد في هذه الخسارة , أما إذا كانت له يد في هذه الخسارة فإن عليه الضمان .


بهذه الطريقة يعمل جهاز التخطيط بالبنك على وضع استثمار الأموال في مجالها الصحيح من أجل ضمان أمواله و تحقيق أرباح التي لا شك أنها ستعود على المجتمع بالرفاهية و ستشجع أصحاب الأموال على الإقدام للمشروعات الإنتاجية . كما أن ذلك سيساعد على قيام شركات الإستثمار مادام البنك سوف يشترك معها في التخطيط و تقديم النصح .





- النشاط المصرفي الخارجي :


إذا كانت معاملاتنا المصرفية بين بلاد العالم الإسلامي التي تسير حسب الشرع الحنيف , فهذا ينطبق عليه نفس المعاملة المصرفية الداخلية و إستبدال الفائدة بالمضاربة . أما إذا كانت هذه المعاملات مع بلاد غير إسلامية و التي نتعامل معها سواء بعض قروض التمويل لبعض النشاطات الإنتاجية أو إنتاج سلع لم نصل إلى إنتاجها فتكون :


- يشاركنا رأس المال الأجنبي في مشروعاتنا الإنتاجية و نتقاسم الربح معا أي حسب النسبة المتفق عليها بعد حساب المصروفات و خصم الإحتياطات .


- إذا لم يوافق رأس المال الأجنبي على ما سبق فهناك طريقة أخرى هي عدم أخذ فوائد ربوية على قروضهم الإنتاجية ( آلات ومعدات إنتاجية ) , و إنما الزيادة في ثمنها , زيادة تتناسب الأجل الذي بعده يسدد القرض و هذا حتى تصح معاملاتنا وتتم خالية من الشبهات الربوية .


2-2-1 – شركات التأمين :


لا شك أن الناس , المصانع و التجار ... يلجؤون إلى التأمين على أموالهم و أنفسهم ليتجنبوا كوارث الدهر نظير ما يدفعون لشركات التأمين , وإذا حلت الخسارة فإن هذا التأمين يعمل على :
- تحقيق واجب حيوي ألا وهو التكافل لدفع المأساة .


- توسيع مجالات الإستثمار و تقليل البطالة و رفع مستوى المعيشة , بصفته ضروري في الاقتصاد القومي


واكن رغم أن التأمين فيه من التعاون و التكافل من ناحية , و الإستثمار لصالح الإقتصاد القومي من ناحية أخرى فإننا إذا تعمقنا في عملية التأمين و دور شركات التأمين و عقود التأمين نجد أن هناك عدة ثوائب ، لذلك نحاول إعطاء البديل الإسلامي أو ما تسمح به الشريعة :


أ- بيوع الغرر :


نتكلم عن بيوع الغرر بإعتبار عقد التأمين هو نوع من أنوع تلك البيوع ، و الغرر معناه التغرير ، و الأصل هو الخطر الذي يمكن أن يقع أو لا يقع و بالتالي فهناك غرر.


بيع الغرر هو بيع المخاطرة وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته أو أجله , وذلك يبين أن بيع الغرر هو البيع الذي لا يتحقق من نتائجه و إنما تكون هذه النتائج متوقعة على أمر مستقبل أو مجهول قد يفع أو قد لايقع.


إن عقد التأمين عقد إحتمالي بمعنى أن كلا من المتعاقدين لا يعلم كم سيأخذ و كم سيدفع , فهو عقد متعلق بالمستقبل بالمجهول الذي لا يعلمه إلا الله و لقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر , ولكن الشريعة الإسلامية ترى بأن هناك بديل لهذا التأمين يواكب هذا العصر و هو : التأمين التبادلي و التكافل الإجتماعي في الإسلام .


1- التأمين التبادلي :


هو عبارة عن مشروعات تعاونية , كما يطلق على هذه المشروعات إسم " المشروعات العضوية " ويقصد بها تلك المشروعات التي تعارض عمليات التأمين بقصد تقديم الخدمة للأعضاء أصلا أي بدون السعي لتحقيق الربح كما هو الحلل في الشركات الممتلكة .


ومن المميزات الرئيسية للمشروعات التعاونية أن القائمين بإداراتها هم الأعضاء أنفسهم , وهؤلاء الأعضاء لا يقومون عادة بدفع أجزاء في رأس المال , إذ أن رأس المال غير موجود أصلا في هذا النوع من المشروعات ويترتب عللا ذلك اندماج شخصية المؤمن و المستأمن في شخص واحد. عضو الهيئة التي تندمج فيه بالتبعية مسؤولية المؤمن, و المستأمن تكون مسؤوليته عادة على وجه العموم غير محدودة إذا ما قورنت مسؤولية المؤمن والمستأمن في المشروعات الممتلكة .


و يطهر مما سبق أن العضو المستأمن في المشروع التعاوني يطلب الضمان من غيره من الأعضاء في نفس المشروع , وفي نفس الوقت يضمن الأعضاء الآخرين من الأخطار بصفته عضوا في المشروع ولذلك يطلق على عملية التأمين التعاوني عادة " التأمين التبادلي ".


* مشروعات التأمين التعاوني تعمل بدون رأس المال , كما أنها لا تعمل بقصد الربح وهي عبارة عن مشروعات يشترك فيها الأعضاء الذين يتعرضون لخطر واحد مثل خطر الحريق , خطر الكوارث , ...


وهم في حالة وقوع الخطر لأحد الأعضاء يقومون بالمساهمة في تغطية نتيجة الكارثة التي وقعت لهذا العضو سواء عن طريق حصص يدفعونها بعد تقدير الخسائر أو تغطية الخسائر التي وقعت بتقديم حصص , وإذا بقي في نهاية العام فائض فإنه يقسم بين الأعضاء على أن هذه الهيئات أو المشروعات لا تقوم بقصد الربح إطلاقا ,


و إنما تقوم في مواجهة إستغلال شركات التأمين ولتحقيق التعاون.


- فرضية عمل هذه الهيئات أو المشروعات :


اقتراح عمل هذه الهيئات في إطار الشريعة الإسلامية هو أن تقوم هيئات التأمين التبادلي بجمع أعضاء المهن المتشابهة أو الأعضاء الذين يتعرضون لخطر واحد , ويقوم كل عضو في بداية كل عام بدفع حصة معينة ثابتة و متساوية مع بقية الأعضاء لكي يكون هذه الحصص حاضرة لتغطية الخسائر إذا وقعت و لكي تعوض العضو المصاب فورا , وهذه الحصص مخصصة لتغطية الأخطار التي يتعرض لها الأعضاء , وإذا لم تكفي يلتزم الأعضاء بدفع حصص أخرى خلال السنة على أنه قد يصبح هناك فائض في نهاية العام يمكن إستثماره في المشروعات عن طريق المشاركة ( المضاربة ) لتحقيق منفعة الإقتصاد القومي و للأعضاء , على أن تودع الأرباح الناتجة عن هذه الإستثمارات في صندوق الهيءة للإنفاق منه و لمقابلة أي خسائر قد تقع .


وإذا زاد رصيد هذا الصندوق بحيث يكفي لتغطية كل الخسائر فقد يعفى الأعضاء من دفع حصص أخرى , وعليه نكون قد وصلنا إلى :


* تحقيق الأمن و الإطمئنان لأعضاء الهيئة و تغطية الخسائر التي يتعرضون إليها .


* عن طريق استثمار أموال الهيئة تتحقق الفائدة و النفع للإقتصاد القومي و لشركات الإستثمار و بالتالي:


1. تحقيق الفائدة للأعضاء في صور تخفيض لحصصهم في الهيئة أو عدم دفعها لعدة أعوام .


2. عدم سعي هذه الهيئات لتحقيق الربح أي أنها قائمة أساسا بقصد تقديم الخدمة لأعضائها و بالتالي يشجع أعضاء المجتمع كله على التسابق للإشتراك فيها , مما يؤهلها لتحقيق الأهداف السابقة بعيدا عن التأمين الذي تشوبه شبهات الربا و الغرر و الإستغلال التي تغير الوجه الإسلامي للمجتمع .


2 - التكافل الإجتماعي في الإسلام :


إن المجتمع الإسلامي الصحيح هو مجتمع التكافل و التعاون , والإسلام قد قرر حصة من الزكاة للفقراء و المساكين كما قرر حصة للغارمين وهم التجار المدينون في غير معصية و عجزوا على السداد , فيقوم بيت المال بسداد دينهم نيابة عنهم من حصة الزكاة .


فإذا كنا نبحث عن التأمين التبادلي و تجميع الأموال لإعادة استثمارها في المشروعات من أجل تحقيق التكافل الإجتماعي و دفع الخسائر , فأولى لنا أن نسلك الطريق القويم و هو الزكاة .


إن في الزكاة فائدة كبرى عند جمعها فبدل أن نستثمر أموال التأمين نستثمر أموال الزكاة , فتوزع الزكاة حسب مصاريفها الشرعية , يخصص جزء الغارمين في الإستثمار عن طريق المشاركة ( المضاربة ) بالإضافة إلى الجزء الذي يتبقى بعد توزيع الزكاة في الإستثمار في إقامة المشروعات الزراعية و الصناعية و التجارية ,وبالتالي:


- تحقيق التعاون و التكافل الإجتماعي بصورة أكثر إشراقا , بحيث يعود النفع على كل أعضاء المجتمع دون أن يشتركوا في شركات التأمين و لبأس أن ينشأ أعضاء المهن المتشابهة هيئات تأمين تبادلي فيما بينهم للمساعدة في تأمين الأفراد على حياتهم و أموالهم وممتلكاتهم .


- استثمار أموال الزكاة بالطريقة الإسلامية الصحيحة يحقق فوائد للمجتمع الإسلامي وهي الرفاهية وإرتفاع مستوى المعيشة و التقدم والإزدهار .





3-2-1 – الأسواق ( البورصات )


لقد إنتشر البيع لأجل في الأسواق الإسلامية لأنه من جهة يسهل البيع , ومن جهة أخرى إذا لم تكن الأموال حاضرة فإنه يسهل على المتعاملين التجارة دون توقف , كما أنه من ناحية ثالثة أداة لتعريف السلع و البضائع ويسهل التعامل ولا يجعل هناك تعقيدات في السوق .


وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم :" من أسلف في ثمر , وفي رواية أخرى في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ."


و يشترط في هذا العقد سبعة شروط :


1- أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته من المكيل و الموزون من الحبوب و غيرها .


2- أن يصفه بما يختلف به الثمن ظاهرا فيذكر جنسه و نوعه فيقول في التوشلا برني أو معلق .


3- أن يذكر عذره بالكيل في المكيل و الوزن في الموزون و الذراع في المذروع و العرفي المعدود .


4- أن يشترط أجلا معلوما وقع في الثحن عادة كالشهر .


5- أن يكون المسهم فيه عام الوجود في محله سواء كان موجودا حال الفقر أو معدوما .


6- أن يقبض رأس ماله في مجلس العقد أو ما في معنى القبض .


7- أن يسلم الذمة فإن أسلم في عين لم يصح لأنه ربما تلف قبل أوان تسليمه.


هذا هو عق البيع لأجل أو عقد السلم وهو جائز عند أغلب الفقهاء حتى لو كان الشيء معدوم في هذا العقد فقط .


البورصات سوق صالح للتعامل و المعاملات في الدول الإسلامية ولكن لابد من إدخال بعض التعديلات عليها حتى تكون متشابهة مع السوق الإسلامية .


شروط البورصة :


1- وجود مكان معلوم .


2- إتصال البائعين و المشترين بسهولة و يسر .


3- إتجاه أثمان السلع نحو التساوي أو اتخاذ وضعها السلم بسرعة و بسهولة .


4- الحرية التامة بين المتعاملين حسب أحاديث الرسول عليه الصلاة و السلام فإن للسوق الإسلامية نفس شروط البورصة .


1- وجود مكان معلوم :


حدثنا موسى بني اسماعيل قال , عن عبد الله رضي الله عنه قال :" كنا نتلقى الركبات فنشتري منهم الطعام , فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نبتاعه متى يبلغ السوق" وهذه الحقيقة تطهر أنه لابد من التعامل داخل مكان محدود وفي مكان معلوم.


2- الإتصال بالبائعين و المشترين بسهولة ويسر :


كذلك من الحديث السابق فالمكان المعلوم الذي يلتقي فيه البائعون و المشترون يسهل عملية الإلتقاء .


3- الحرية التامة بين المتعاملين :


قال الرسول صلى الله عليه وسلم : أنه من آداب التعامل في السوق الحرية التامة بين البائع و المشتري فهو يعوض الثمن أو السلعة فهذا يقبل أو لا يقبل فلكل حرية .


4- إتجاه أثمان السلع نحو التساوي و اتخاذ الوضع السلم بسرعة و سهولة , ففي الحديث موسى بن اسماعيل يتضح فيه أن النهي عن التعامل خارج السوق كان لغرض وهو أن يعرف الركبان الأسعار بالسوق , و يبيعون على هذا الأساس وهذه ميزة السوق هي أن تجعل أثمان السلع أو الصفقات موضع التعاقد معروفة و ظاهرة و واضحة.


مما سبق يتبين لنا أن الإسلام أول من شرع البورصة و إن كانت ليست بهذا التطور , ولكن هناك المضاربة التي تعكر صفو السوق , ولا نقصد المضاربة التي تبقى لصالح الإقتصاد القومي لأن المضاربة في حد ذاتها علامة جيدة على التنبؤ بالمستقبل , و لكنها أحيانا تخرج عن هذا المفهوم وتتحول إلى مقامرة , ولهذا قررا :


- أن تدخل الحكومة فتحدد في البورصة الأسعار الدنيا و العليا وهي التي تتأرجح بينها الأسعار , و هنا نطمئن إلى أن عمليات المضاربة على فروق الأسعار تجري حسب طبيعة السوق و دوافع العرض و الطلب و أن الصفقات الصورية و لا يقع منها إلا القليل النادر الذي لا يؤثر في السوق .


- في حالة انخفاض أو ارتفاع أسهم شركة فعلى هذه الأخيرة أن تقدم تقرير تبين فيه سبب الإرتفاع أو الإنخفاض خلال مدة زمنية معينة , و يظهر أن هناك تلاعب أولا عند تقديم حسب الأرباح و الخسائر و الميزانية في نهاية العام .


- يجب على الحكومات الإسلامية أن تخصص أجهزة رقابة على الشركات التي تتعامل في البورصة حتى لا يتلاعب رؤسائها أو مديروها في الميزانيات فيؤثر على الأسعار في البورصة و يستفيدوا هم و أتباعهم من تقلبات هذه الأسعار .





- أعمال البورصة :


1- العمليات العاجلة : هذه العمليات لا تشمل على أي أجل إلا بالنسبة لتسلم الأوراق المالية أو البائع موقع التعامل ولا بالنسبة لدفع الثمن فهي تنفذ في مهلة قصيرة جدا .


2- العمليات الآجلة : هذه العمليات تتضمن إشتراك ميعاد معين لتسليم البضائع أو الأوراق المالية بوقوع التعامل و دفع ثمنها, وهي تعتبر من أعمال المضاربة التي غالبا مالا تتوفر فيها نسبة التسلم , وهذه المعاملات الآجلة في البورصة ينطبق عليها العقد السلم من أنه يبيع شيء معلوم إلى أجل معلوم , ولكن ينقصها أهم أركان العقد وهو نسبة التسليم المبيع.