المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلاقة بين الزكاة والضريبة



أبو عبد العزيز
07-11-2014, 10:50 PM
يرى البعض أن الزكاة هي الضريبة، وأن الضريبة هي الزكاة. ومن ثم إذا قام الفرد بدفع الضريبة فإن الزكاة تسقط عنه وإذا قام بدفع الزكاة فإن هذا مبرر لعدم دفع الضريبة والتحايل على إسقاطها.
وتختص هذه الورقة بتجلية هذه الحقائق من خلال دراسة وتحليل أهم أوجه التشابه والإختلاف بين الضريبة والزكاة، مع الإشارة إلى شروط فرض ضريبة إلى جوار الزكاة، بالإضافة إلى العلاقة بين الزكاة والضريبة في حالة الجمع بينهما، مع حالات تطبيقية على ذلك.
أوجه التشابه والاختلاف بين الزكاة والضريبة
يُقصد بالضريبة اقتطاع نقدي جبري من دخول الأفراد إلى الدولة، دون أن يقابل ذلك نفع معين لكل ممول بعينه، وذلك بغرض تحقيق مقاصد إقتصادية وإجتماعية وسياسية.
وقد سبق أن تناولنا مفهوم الزكاة باعتبارها الحصة المقدرة من المال التى فرضها الله للمستحقين، كما تناولنا كذلك أهم خصائص الزكاة بالدراسة والتحليل فى الباب الأول.
وفي ضوء المفهومين السابقين، نستطيع أن نورد أهم أوجه التشابه والإختلاف بين الزكاة والضريبة فيما يلى :
أوجه التشابه بين الزكاة والضريبة
من أهم أوجه التشابه بين الزكاة والضريبة ما يلى :
(1) تُؤدي الزكاة جبراً وقسراً إن لم تدفع طواعيةً، كما تُؤدى الضريبة أيضاً جبراً و قسراً إن لم تدفع طواعيةً.
(2) تتولى الدولة بما لها من سيادة جباية كل من الزكاة والضريبة، وكذا الإشراف على إنفاق حصيلتهما.
(3) لكل من الزكاة والضريبة أغراض مالية وإجتماعية وإقتصادية.
وعلى ذلك، فإن الضريبة تتفق مع الزكاة فى أن كلاً منهما إلزامية، وتتولى الدولة جبايتهما، وصرفهما، ولهما مقاصد إجتماعية وإقتصادية.
أوجه الاختلاف بين الزكاة والضريبة
على الرغم من وجود بعض أوجه التشابه بين الزكاة والضريبة إلا أن هناك العديد من الإختلافات الجوهرية بين كل منهما، ويمكن حصر أهم أوجه هذه الإختلافات فيما يلى :
(1) من حيث مصدر التشريع: فإن مصدر التشريع فى الزكاة هو المولى سبحانه وتعالى، فهو الذي فرضها، وقد تولت السنة النبوية الشريفة تحديد الأموال التى تجب فيها وأوعيتها ومقاديرها وليس لأحد أن يغير في ذلك بالزيادة أو النقصان، بينما نجد أن مصدر التشريع في الضرائب هو البشر، ولذا فإن وعاءها وأنصبتها ومقاديرها تخضع لاجتهاد البشر، وشتان بين فريضة مصدرها رب البشر وأخرى مصدرها البشر.
(2) من حيث دلالة المُصطلح : فإن مُصطلح " الزكاة " يعنى الطهارة والنماء والصلاح والبركة، وكلها دلالات تجعل الفرد يخرج زكاة ماله وهو مُستشعر لهذه المعانى، فتخرج الزكاة منه عن طيب خاطر، فى حين يدل مصطلح " الضريبة " على العبء والإلزام والغرامة، وهى معانى تجعل الفرد ينظر إليها على أنها مغرم، ومن ثم فهو يعمل جاهداً على التفلت منها.
(3) من حيث طبيعة كل منهما: فإن الزكاة عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه كالصلاة والصيام والحج، ولذا كان لابد لها من النية، بإعتبارها شرطاً لقبول الأعمال عند المولى سبحانه وتعالى. أما الضريبة فهى إلتزام مدنى محض خال من كل معاني العبادة و التقرب إلى الله .
(4) من حيث كونها ركناً في الإسلام : فإن الزكاة تمثل الركن الثالث من أركان الإسلام الخمس التى لا يقوم إلا بها، فى حين تمثل الضريبة أحد الواجبات المالية التى يجوز لولى الأمر فرضها بضوابط معينة.
ويترتب على ذلك أنه يجب على الفرد إخراج الزكاة - طالما توافرت شروطها - حتى ولو تصورنا إنعدام الحاجة إليها، أما الضريبة فهى تزيد وتقل تبعاً للنفقات العامة للدولة، بل وقد تلغى.
(5) من حيث الخاضعين لها : حيث أن الزكاة عبادة فهى لا تجب إلا على المسلم الذى تتوافر فى ماله شروطاً معينةً بخلاف الضريبة التى تفرض على المسلم وغير المسلم .
(6) من حيث الثبات : طالما أن الزكاة مصدرها التشريع السماوي ، فإنها تتسم بالثبات والاستقرار من مكان لآخر ومن زمان لآخر، بينما نجد أن قواعد ومبادئ الضريبة تقبل التعديل والتغيير حسب الحاجة.
(7) من حيث الأهداف والمقاصد : للزكاة أهدافها ومقاصدها الروحية كتطهير نفس المُزكى من البخل والشح، وتطهير نفس الفقير من الحقد والحسد والغل. بينما نجد أن أهداف الضريبة بعيدة كل البعد عن هذه الأهداف والمقاصد.
(8) من حيث طبيعة الأموال التى تجب فيها : فالزكاة لا تجب إلا في الأموال الطيبة متى توافرت فيها الشروط الموجبة لها، بينما نجد أن الضريبة لا تفرق بين المال الطيب والخبيث، فكلاهما مادة للضريبة.
(9) من حيث السعر : فسعر الزكاة نسبى، أما سعر الضريبة فغالباً ما يكون تصاعدياً لمواجهة الإحتياجات المالية.
(10) من حيث وقت الأداء : فالزكاة تجب فى نهاية كل حول هجرى - أى فى نهاية كل سنة قمرية - بينما أن الأصل أن تستحق الضريبة فى نهاية كل سنة ميلادية.
(11) من حيث المصارف : فمصارف الزكاة محددة بنص الآية 60 من سورة التوبة " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.... " بينما نجد أن مصارف الضريبة توجه لتغطية النفقات العامة للدولة.
(12) من حيث مكان الصرف : فالأصل أن تصرف الزكاة فى الإقليم الذي جمعت منه ولا تنقل منه إلا عند وجود مسوغ شرعي يستدعي ذلك.
أما الضريبة فالأصل فيها أن تجمع من الأقاليم المختلفة وتُرسل إلى الخزانة العامة للدولة.
(13) من حيث التقادم : لا تسقط الزكاة بمضي المدة، وإنما تظل ديناً فى عنق المسلم ولا تبرأ ذمته منها. فى حين تسقط الضريبة بالتقادم.
(14) من حيث جزاء مانعها : جزاء مانع الزكاة دنيوى وأخروى، فى حين يقتصر جزاء مانع الضرائب على الجزاء الدنيوى.
ويتضح مما سبق أن الزكاة فريضة مالية ذات طابع خاص، فهى متميزة فى طبيعتها وقواعدها وأنصبتها ومقاديرها ومصارفها ومقاصدها.
شروط فرض الضريبة إلى جوار الزكاة
الأصل أن يكون تمويل النفقات العامة للدولة من إيرادات الأملاك العامة وغيرها من الموارد المالية المشروعة، فإذا لم تكف هذه الموارد جاز لولي الأمر أن يفرض إلتزامات مالية بصورة عادلة لمقابلة نفقات الدولة التى لا يجوز الصرف عليها من حصيلة الزكاة.
ويُطلق الفقهاء على الالتزامات المالية التى قد تفرضها الدولة إلى جانب الزكاة كالضرائب ونحوها إسم " التوظيف " .
وقد قيد الفقهاء فرض الواجبات المالية كالضرائب ونحوها إلى جانب الزكاة بالشروط التالية :
الشرط الأول :
أن تكون هناك حاجة حقيقية للدولة إلى المال، مع عدم وجود موارد أخرى، وقد تشدد البعض في هذا الشرط فأضاف إليه قوله: " وعلامة ذلك أن تكون خزائن الدولة والأمراء وذويهم خالية من المال " .
وعلى ذلك، فاذا لم توجد الحاجة، أو وجدت وكان عند الدولة ما يغنيها عن فرض الضرائب، فلا يجوز فرض الضرائب حينئذ.
الشرط الثاني :
أن يخضع فرض الضرائب وصرفها لجهة رقابية موثوقة ومتخصصة حتى يتم التحقق من أن الضريبة تصرف فى المصالح العامة للأمة لا فى الأغراض الشخصية للحكام والمسئولين وذويهم.
الشرط الثالث :
مراعاة العدالة بمعيارها الشرعى فى توزيع أعباء الضرائب وفى إستعمال حصيلتها.
الشرط الرابع :
أن يكون فرض الضريبة مؤقتاً ومقيداً بالحاجة، حتى لا تطغى الضريبة على الزكاة، وتصبح هى الأصل.
الشرط الخامس :
أن يوافق أهل الحل والعقد على فرض الضريبة، ضماناً لتنفيذ الشروط السابقة.
العلاقة بين الزكاة والضريبة فى حالة الجمع بينهما
سبق أن أوضحنا أن الضريبة لا تغني عن الزكاة لاختلافهما عن بعضهما البعض من حيث مصدر التشريع، والخاضعين، والأموال الخاضعة، والوعاء، والسعر، والمصارف، وغير ذلك مما سبقت الإشارة اإليه.
ولذا، فإن المبالغ المدفوعة كضرائب للدولة لا تحسم من مقدار الزكاة الواجبة وإنما تحسم من وعاء الزكاة، بمعنى أنها تعتبر من المطلوبات الزكوية.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الزكاة المؤداة يجب أن تحسم من مقدار الضرائب المستحقة على من يؤدون الزكاة.
وبالنسبة لمواطني الدول الإسلامية من غير المسلمين، فإن هناك حاجة إلى فرض ضريبة تكافل اجتماعى بمقدار الزكاة تحقيقاً للمساواة فى الأعباء المالية بين مواطنى البلد الواحد من المسلمين وغيرهم، وقد أوصت بذلك العديد من المؤتمرات والندوات.