ضــريبـــة القيمــــة المضــافـــة بيـن النظــريـــة والتطبيــق


الثقافة السلبية في مجتمعنا تجاه الضريبة، تجعل طريقة (التهرب) منها أول ما يتبادر إلى الذهن لدى ذكرها.
ولهذه الثقافة مبرراتها، فالضريبة توازي في عقولنا (العبء)، و(الظلم: لم أدفعها أنا، وغيري لا يفعل!) وغيرها الكثير.
ضريبة القيمة المضافة تخالف كل تلك المفاهيم، فهي الأكثر عدالة والأقل عبئاًً بين الضرائب، على الأقل بمفهومها النظري وتطبيقها الواقعي في الكثير من دول العالم الأول، وهي تساهم في إعادة توزيع الدخل بين الطبقات، تحديداً عندما تفرض بمعدلات عالية على السلع الكمالية ومتدنية على السلع الاستهلاكية، لكن الرعب الأول يعاودنا عند التفكير بطريقة تطبيقها المزمعة عام 2008 كماً ونوعاً في بلدنا.
مفهوم:
ضريبة القيمة المضافة، ضريبة استهلاك عامة واسعة القاعدة، تفرض على القيمة المضافة للبضائع والخدمات، وبالإمكان تطبيقها على كل البضائع والخدمات التي تُشرى وتباع سواء للاستخدام أم الاستهلاك في المجتمع، لكن البضائع المصدّرة أو الخدمات المقدمة للزبائن خارج البلاد لا تخضع عادةً لهذه الضريبة.
وهكذا فهي:
عامة: تُفرض في المبدأ على كل النشاطات التجارية المتضمنة إنتاج وتوزيع البضائع والخدمات.
ضريبة استهلاك: يدفعها المستهلك النهائي.
يتم تقاضيها كنسبة من السعر ما يعني أن العبء الضريبي واضح في كل مرحلة من مراحل الإنتاج والتوزيع.
تجبى بشكل جزئي عبر نظام من الدفعات الجزئية يقتطع المكلف بوساطته مبلغاً من الضريبة التي جمعها يساوي المبلغ الذي دفعه للمكلفين الآخرين لدى شرائه بضائعهم أو استخدامه خدماتهم، وهذه الآلية تضمن حيادية الضريبة بغض النظر عن عدد المبادلات المستخدمة.
غير مباشرة: فهي لا تجبى ممن دفعها، لتجنب الازدواج الضريبي على الاستهلاك النهائي.
تقرير خبراء صندوق النقد الدولي
الصادر 2006
ذكر التقرير ضريبة القيمة المضافة ستاً وعشرين مرة في صفحاته منها:
تتطلب المالية العامة إصلاحاً أساسياً أهم اعتمدته ضريبة القيمة المضافة.
إن نسبة العبء الضريبي تساوي 10.5% من إجمالي الناتج المحلي، وتعتبر زيادة الضرائب أمراً ضرورياً، كي يتسنى للحكومة مواصلة تقديم الخدمات الأساسية متى نضبت الواردات النفطية، ورغم أن تحسين الإدارة الضريبية سوف يساعد، غير أن مردوده لا يرقى للمطلوب حيث لابد من فرض ضريبة القيمة المضافة التي إن أحسن تصميمها يمكن أن تدر إيرادات إضافية تعادل 5% من مجموع الناتج المحلي، إذا كان معدل جبايتها 15%، ورغم التزام السلطات تطبيق هذه الضريبة أوائل 2008 فإن إصلاح الإدارة الضريبية اللازم لذلك يسير ببطء، كما لم يتم بعد الحسم في اختيارات جوهرية بشأن تصميم تلك الضريبة.
تعتبر ضريبة القيمة المضافة واحدة من أكفأ الضرائب حيث تتميز بقدرة كبيرة على رفع الإيرادات وبتأثير سلبي محدود على الإنتاج والاستثمار.
الفوترة
تتطلب هذه الضريبة من التجار ومقدمي الخدمات شفافية كاملة في تقديم فواتيرهم ونسب ربحهم للإدارة الضريبية، تقدر في ضوئها نسبة الضريبة، لكن ما مدى واقعية هذا الأمر في بلدنا؟
الدردري في تصريح لـ«الاقتصادية» قال: «قبل تطبيق ضريبة القيمة المضافة كانت الدول التي طبقتها مثلنا، فهل تاجرها أفضل من تاجرنا؟ لا. كلٌّ كان لديه دفتران وثلاثة والفواتير لا تظهر.
نحن الآن في عملية إصلاح ضريبي شامل، فعندما أطور الإصلاح الضريبي وأخفض معدلات الضريبة وأيسّر الإدارة الضريبية وأتجه أكثر نحو الشفافية في الإنفاق العام حيث يعرف المواطن أين تذهب نقوده، كل هذه الأمور تشجع المواطن على دفع هذه الضريبة».
الدكتور محمد الحلاق عضو مجلس الشعب -أستاذ مادة (التشريع الضريبي) في كلية الحقوق قال لنا:
«لا يزال الوعي الضريبي لدينا غير ناضج، وهو جزء مهم قبل فرض أي قانون، لذلك يجب على وزارة المالية القيام بالتوعية الضريبية عبر وسائل الإعلام، واعتبار القيمة المضافة واجباً وطنياً يؤديها ذوو الدخل المحدود والمرتفع على السواء، وعندما تصل هذه القناعة نستطيع تطبيقها بنجاح أكبر».
محمد خضر السيد أحمد معاون وزير المالية للشؤون الضريبية، في مقابلة مع صحيفة تشرين الأربعاء 7 حزيران 2006 اعتبر الفوترة نقطة مهمة لا يمكن تطبيق الضريبة دونها، وهي ليست مرتبطة بوزارة المالية.
أيضاً حسب صحيفة تشرين الأربعاء 20 كانون الأول 2006: وزارة الاقتصاد لم تبدأ حتى الآن نشر ثقافة التداول بالفواتير، فالقوانين لا تتضمن عقوبات تلزم التجار والصناعيين تنظيم الفواتير وتداولها، وما من تعديل للقوانين على المدى المنظور.
علاقتها بضريبة الدخل
يقول الدكتور محمد حلاق: «ليس لها علاقة، فضريبة القيمة المضافة تأتي من خلال تخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على السلع المستوردة أو المنتجات المحلية. ضريبة الدخل تأخذ منحى آخر يتعلق بما يقوم المكلف بدفعه من خلال الإنتاج أو الدخل فهناك اختلاف والقيمة المضافة تأخذ بالحسبان ضريبة الدخل فتخفض نسبها التصاعدية، لكن العلاقة بين الضريبتين غير متناسبة».
تشريع الضريبة
سألنا الدكتور محمد الحلاق عن تصوره لقانون ضريبة القيمة المضافة والوقت اللازم لإعداده والسلع المرجح إخضاعها لهذه الضريبة أولياً وملاءمة نظامنا الضريبي الحالي للانتقال للقيمة المضافة، فقال:
«حتى الآن لا شيء يشير إلى أن الحكومة تعدّ لمثل هذا القانون، رغم أن وزير المالية قال في جلسة مجلس الشعب عام 2005: سنبدأ العمل على وضع قانون القيمة المضافة بعد ثلاث سنوات.
وضع مثل هذا القانون يتطلب إجراءات عديدة أهمها تشكيل لجان ضريبية مختصة ليست مؤلفة فقط من اختصاصيي وزارة المالية بل من اختصاصيين من جامعة دمشق وتحديداً كلية الاقتصاد والحقوق.
وقد يمتد وقت دراسة هذا التشريع حتى ثلاث سنوات، إذ يجب الأخذ بالحسبان بيئة سورية الضريبية (الإدارة الضريبية + المكلفين) غير الناضجة، ويجب على وزارة المالية إعداد الكوادر المختصة في جباية هذه الضريبة، وتوعية التاجر بكيفية اقتطاع الضريبة من مبيعاته وتسديدها للحكومة.
وسآخذ مثلاً عن ذلك، عندما طبقت هذه الضريبة في لبنان هناك العديد من التجار كانوا يحسمون هذه الضريبة لمصلحتهم وحدث تهرب كبير، وأيضاً في مصر لكن هناك سلطة رادعة للمتهربين في مصر، حالياً قانون الاستعلام الضريبي 25 عام 2004 وضع مديرية الاستعلام الضريبي موضع الرقابة على تنفيذ القوانين الضريبية تحديداً ضريبة الدخل، وأيضاً ملاحقة المتهربين من ضريبة رسم الإنفاق الاستهلاكي الذي عندما طبق لم يأخذ العديد به وهو صورة أخرى لضريبة القيمة المضافة، فالوعي الضريبي يشكل حلقة مهمة في هذا القانون في حال تطبيقه، ويجب نشر هذا الوعي خلال المراحل التعليمية الابتدائية والإعدادية والثانوية، حتى يتشجع المواطن ويؤديها.
إن السلع التي فُرض عليها رسم الإنفاق الاستهلاكي قد تكون بداية الطريق لفرض القيمة المضافة عليها ثم التوسع تدريجياً.
كما أن السلع الضرورية (كزيت الزيتون) يجب أن تكون نسبة الضريبة عليها قليلة لأنها حاجة ضرورية للمواطن، فالمواد التموينية تؤخذ بالحسبان، ثم ترتفع الضريبة حسب حاجة المواطن (فالأواني المنزلية) سلع ضرورية لكنها أقل ضرورة من المواد الغذائية، فيما يتصل بالقوانين الضريبية الصادرة حتى الآن، فهي تكفي عدة سنوات، لكن يجب تطوير هذه القوانين.
فإذا استبدل قانون رسم الإنفاق الاستهلاكي (و ما فيه من مواد حالياً) بالقيمة المضافة، يتقبله المواطن ثم نوسّعه تدريجياً ليشمل سلعاً أخرى، ويمكن لوزارة المالية إعادة النظر في الرسم الاستهلاكي وصياغته بقانون الضريبة المضافة، ثم إدراج السلع المشمولة بالضريبة ريثما يتم استيعاب هذه الضريبة من قبل التجار، ولا يمكن القول إن كل السلع مشمولة، فقد توضع بعضها في قائمة الإعفاءات.
قانون ضريبة الدخل عام 2004 وبسبب وجود ثغرةٍ فيه عُدل بعد سنة بمرسوم تشريعي، ونتمنى لدى صدور أي قانون عدم الجمود، كما حصل مع نظامنا الضريبي ولمدة أربعين سنة دون أي إصلاح، وعلى الرغم من بدء إصلاحه لا تزال هناك بعض الثغرات، وقد تتضح بعض الثغرات في قانون القيمة المضافة بعد صدوره، ينبغي الإسراع في إصلاحها، لأن تطبيق القانون لفترة طويلة يصعّب تعديله.
عقبات
ذكر أبرزها الدكتور إبراهيم العدي (كلية الاقتصاد- جامعة دمشق)، صحيفة تشرين الأربعاء 20 كانون الأول2006:
1- انخفاض الوعي الضريبي في سورية سواء من قبل وزارة المالية أم من قبل المكلفين لأن تطبيق هذه الضريبة يحتاج إلى وعي ضريبي من قبل المكلفين ومن قبل الدوائر المالية الأمر الذي يسهل إجراءات فرضها وحسابها وتحصيلها وهذا الأمر غير متوافر بالشكل المطلوب في سورية في الوقت الراهن على الأقل. ‏
2- إن فرض هذه الضريبة قد يؤدي في بعض الحالات إلى ارتفاع الأسعار وشدة التضخم النقدي وركود السوق التجارية ما ينعكس سلباً على ذوي الدخل المحدود بشكل خاص وعلى الاقتصاد بشكل عام. ‏
3- ضرورة وجود نظام محاسبي خاص حيث إن هذه الضريبة تتطلب نظاماً محاسبياً مترافقاً بها يكون قابلاً للتطبيق على جميع المكلفين بأداء الضريبة حيث يتم وضع النظام المحاسبي موضع التنفيذ ويتبنى حماية نظام المراقبة الداخلية ويشرف على استخراج نتائج النشاط. ‏
4- عدم وجود قانون تجاري متطور يمكن الاعتماد عليه في تنظيم التجارة الداخلية والخارجية في ظل تلاشي وزارة التموين واضمحلال دور وزارة الاقتصاد في التدخل في السوق الداخلية وفرض نظام الفوترة وإعداد حسابات تكاليف متطورة. ‏
5- عدم توقيع اتفاقية الشراكة مع الأوروبيين سوف يؤدي إلى التأخير في تطبيق ضريبة القيمة المضافة وأعتقد أنه لو وقعت الاتفاقية لكان أصحاب القرار قد أسرعوا في العمل لتطبيق ضريبة القيمة المضافة ولأن هذه الضريبة سوف تحل محل الرسوم الجمركية. ‏
6- الضريبة على القيمة المضافة تلعب دوراً أساسياً في تسهيل الانفتاح الاقتصادي وزيادة القدرة التنافسية للسلع المنتجة محلياً سواء في الأسواق الوطنية أم الخارجية فهي تعامل المنتج المحلي كالمنتج الأجنبي من حيث إخضاعها معاً إلى الأعباء الضريبية وهذا غير متوافر في ظل الانفتاح الاقتصادي المقيد أو الخجول. ‏
7- إن فرض الضريبة على القيمة المضافة يتطلب الانتقال من الضرائب المباشرة إلى الضرائب غير المباشرة وما نراه في سورية الآن لا يعدّ إصلاحاً ضريبياً بل هو عملية تجسيد وتأكيد لنظام الضرائب النوعية الصادر عام 1949 ولا يزال بجوهره سارياً حتى الآن.
دراسة جدوى
لا شك أننا تأخرنا كثيراً حتى بدأنا التفكير بتطبيق هذه الضريبة، بل لعلنا لو لم تدفعنا الحاجة إليها ما فكرنا بها أصلاً.
فحقيقة انخفاض الصادرات النفطية، والإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية الذي تفرضه الالتزامات الدولية نتيجة مباشرة للانفتاح الاقتصادي والشراكة العربية والأوروبية، وأعباء المالية وغيرها الكثير... كانت الدافع الرئيس وراء تفكيرنا بهذه الضريبة.
ولعل الحكومة لو أدركت مبكراً الواردات الوفيرة التي تدرّها هذه الضريبة لخزينة الدولة، ما ترددت لحظة بتطبيقها عدا بساطة هذه الضريبة وعدالتها الواسعة.
وربما ينبغي علينا الانتظار طويلاً حتى نجني ثمارها، هذا إن لم تنقلب ألى مشكلة أخرى تضاف لقائمة طويلة يعانيها اقتصادنا وترتد كارثةً تصيب بسطائنا من ذوي الدخل المحدود.
مؤمن السوادي