الأرباح الرأسمالية


تختلف طبيعة الأرباح الرأسمالية ومفهومها عن الأرباح الإيرادية (العادية) ، إذ تتحقق الأرباح الإيرادية (العادية) نتيجة مزاولة المنشأة لنشاطها التجاري ، أو الصناعي أو غيره بالاعتماد على الأصول الرأسمالية التي تملكها المنشأة عن طريق مزاولتها للنشاط الذي يحقق لها الإيراد العادي بوصفه هدفا اساسيا تبتغيه من وراء هذا النشاط الاقتصادي أما تصرف المنشأة في الأصول الرأسمالية أو بعضها فلا تلجأ اليه إلا استثناء لأن اقتناء هذه الأصول أساساً ، ليس لغرض الاتجار بها وإنما لغرض المساهمة أو المساعدة في تحقيق الربح العادي( ) . وقد اختلف الفقه حول خضوع الأرباح الرأسمالية لضريبة الدخل من عدمه( ) . وتعد الأرباح الرأسمالية أحد أنواع الدخول ، ومن أهم صورها هي بيع الأصول الثابتة ، وإعادة تقييم الأصول الثابتة :




المطلب الأول
بيع الأصول الثابتة( )
من المعروف لدينا أن الأصول الثابتة تعتبر وسيلة لإنتاج الدخل ، وعليه فلا يتم التصرف بها بالبيع أو بغيره وإن حدث ذلك فيعد استثناء على الأصل العام . لذا فإذا قامت المنشأة ببيع بعض أصولها الثابتة كنتيجة للاستغناء عنها أو لاستبدالها بأخرى أكثر كفاية وإنتاجية أو بدافع التصفية ، فالزيادة في ثمن البيع عن القيمة الاسمية أو القيمة الدفترية للأصول الثابتة (أي عن سعر الشراء) بعد استبعاد الاندثار حتى تاريخ البيع تُعَدّ ربحاً رأسمالياً وفي الوقت نفسه يعتبر النقص في ثمن البيع عن القيمة الدفترية للأصل خسارة رأسمالية يتحملها وعاء الضريبة( ) . ويشترط لخضوع الربح الرأسمالي للضريبة تحققه فعلاً أما إذا كان احتمالياً أو صورياً أو مشكوكاً فيه فإنه لا يدخل ضمن وعاء الضريبة ، كما يشترط لخضوع هذه الأرباح للضريبة ان تكون الممتلكات أصلاً من أصول المنشأة أي جزءاً من رأسمالها ، وهذا الأمر لا يثير أية صعوبة فيما يتعلق بالشركات التي تتمتع بكيان قانوني بخلاف المنشآت الفردية التي لا تتمتع بشخصية مستقلة عن شخصية ملاكها ومن ثم فإن أموالها قد تختلط بأموال هؤلاء المالكين لذلك لابد من التمييز بين رأس المال المستثمر في العمل التجاري وبين ثروة المكلف الخاصة ، بحيث تخضع للضريبة الأرباح الناتجة عن بيع ممتلكات المنشأة التجارية دون الممتلكات الخاصة( ) .
والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو حكم هذه الأرباح في التشريع الضريبي العراقي ، أي أتخضع لضريبة الدخل أم لا ؟
للإجابة عن هذا التساؤل لابد من الرجوع الى قوانين ضريبة الدخل السابقة والملغية ثم بعد ذلك نعود ونوضح موقف القانون النافذ حالياً ، ففي ظل قانون ضريبة الدخل رقم (85) لسنة 1956 أخضعت هذه الارباح لضريبة الدخل وذلك من خلال النص صراحةً عليها في الفقرة (4) من المادة (2) من القانون ذاته إذ نص على اخضاع (الربح الناجم من التصرف في ذات الأموال المعدة لانتاج الدخل أو في منافعها كالمعامل والمصانع والمخازن ودور السينما والملاهي …الخ) لضريبة الدخل ، ونتيجة لذلك فإن الخسائر الرأسمالية تخصم من الدخل استناداً الى خضوع الأرباح الرأسمالية للضريبة .. ولكن عندما الغي هذا القانون وحل محله القانون رقم (95) لسنة 1959 فقد جاء خالياً من هذا النص ، الأمر الذي أدى بالسلطة المالية الى عدم إخضاع الأرباح الرأسمالية لضريبة الدخل ، مسوغة ذلك برغبة المشرع الضريبي العراقي التي عبر عنها بإلغاء الفقرة (4) من المادة (2) ولو كان قد قصد إخضاعها للضريبة لنص عليها صراحةً كما فعل القانون الذي سبقه أي أنه استبعد إخضاع الأرباح الرأسمالية للضريبة، وعليه فقد اتخذت السلطة من هذا الإلغاء قرينة على رغبة المشرع الضريبي العراقي في عدم إخضاع الأرباح الرأسمالية للضريبة وبذلك أصبحت الخسائر الرأسمالية غير قابلة للخصم( ).
وبعد صدور القانون رقم (113) لسنة 1982 المعدل لم ينص صراحة على إخضاع الأرباح الرأسمالية لضريبة الدخل ، أي سار على المنهج ذاته الذي سار عليه القانون رقم (95) لسنة 1959 الملغى . ولكن نص في الفقرة (6) من المادة (2) على إخضاع أي مصدر غير خاضع أو غير معفى بقانون لضريبة الدخل ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد نص في الفقرة (11) من المادة (8) من القانون ذاته على تنزيل الأصول الثابتة المعنوية اذ جاء فيه (ينزل من الدخل أقساط إطفاء الموجودات غير المادية…) يتضح من خلال النص بأن المشرع الضريبي العراقي قد سمح بتنزيل الأصول الثابتة المعنوية كشهرة المحل وحقوق براءة الاختراع والعلامات التجارية( ) من الدخل الإجمالي . كما نصت المادة (16) من القانون نفسه على اعتبار ما ينتج عن تصفية أصول المنشأة في حكم توزيع الأرباح احتياطياً تشمله ضريبة الدخل بوعائها ، من كل ما تقدم نرى ضرورة إخضاع الأرباح الرأسمالية لضريبة الدخل وسندنا في ذلك الفقرة (6) من المادة (2) التي جعلت من قانون الضريبة قانوناً عاماً فقد أخضع كل ربح للضريبة من المصادر التي لا تخضع ما دامت لم تعفَ ، كما وإن الفقرة (11) من المادة (8) نصت على تنزيل الأصول الثابتة المعنوية ، وعليه يصبح أمر خضوعها واجباً تطبيقاً لقاعدة الغرم بالغنم . وكذلك فإنه ليس من باب العدالة الضريبية أن تخضع الأرباح الاعتيادية والإيرادات الدورية الأخرى لضريبة الدخل وتبقى الأرباح الرأسمالية خارج نطاق الضريبة على الرغم من أن هذه الأرباح ليست نتاج جهد مبذول ولا تتعلق بالنشاط الاعتيادي للمشروع. فضلاً عن أن القانون الضريبي يعتبر قانوناً ذا صبغة مالية فهو دائماً يسعى الى تحقيق الوفرة المالية للخزانة العامة سواء أكانت الأرباح دورية (حسب نظرية المصدر) أما أرباحاً غير دورية أي رأسمالية (حسب نظرية الإثراء) وأن غالبية التشريعات الضريبية في الوقت الحاضر تميل الى الاخذ بنظرية الإثراء أي تخضع الأرباح الرأسمالية لضريبة الدخل.
المطلب الثاني
إعادة تقييم الأصول الثابتة
كما هو معلوم أن الأصل العام هو أن المكلف لا يقوم بإعادة تقييم الأصول التي يملكها لأنها تقدر في دفاتره بثمن تكلفتها بعد استبعاد الاندثار في نهاية سنته المالية ولكن قد يحدث أن يقوم المكلف بإعادة تقييم هذه الأصول لظروف معينة هي( ) :
أولاً : ارتفاع قيمة هذه الأصول ارتفاعاً كبيراً بصفة نهائية ويستخدم المكلف هذه الزيادة لتقوية مركزه المالي .
ثانياً : انخفاض قيمة هذه الأصول انخفاضاً كبيراً ، الأمر الذي قد يدفع بالمكلف الى إظهارها بالقيمة الحقيقية حتى تمثل حساباته مركزه المالي بدقة .
ثالثاً : تغير شكل الشركة القانوني بانفصال شريك وانضمام شريك واندماجها بشركة أخرى وذلك من أجل تحديد حصة الشريك المنفصل أو المنضم في صافي الأصول وتحديد حصة الشريك عند الاندماج تحديداً يتفق مع الواقع والحقيقة ففي الحالتين (اولاً وثانياً) تكون الأرباح أو الخسائر وهمية ومن ثم فلا مجال لإخضاعها للضريبة( ) ، أما في الحالة (ثالثاً) فتكون الأرباح أو الخسائر حقيقية وليست وهمية لان تغيير الشركاء واندماج الشركات يكونان مصحوبين بتصرفات قانونية يترتب عليها تصفية الشركة ، فإعادة تقييم الأصول هي في حقيقتها بيع لأصول الشركة القديمة للشركة الجديدة لذلك فإن الأرباح أو الخسائر الحقيقية يمكن التعامل معها ضريبياً باعتبارها أرباحاً رأسمالية وتأخذ الحكم نفسه في بيع الأصول الثابتة .
مما تقدم يمكن أن نخلص الى القول أن السلطة المالية في العراق اتجهت الى عدم إخضاع الأرباح الرأسمالية للضريبة على الرغم من توافر دليل الإخضاع ألا وهو نص الفقرة (6) من المادة (2) هذا ما دفع بعض الفقهاء الى وصف موقف المشرع العراقي بأنه تقهقر الى الوراء( )
أما عن موقف التشريعات الضريبية المقارنة فيلاحظ أنها قد تباينت في إخضاع الأرباح الرأسمالية لضريبة الدخل( ) ، وهي كما يأتي :-
أولاً : موقف التشريع الضريبي الأردني :-
لو تفحصنا القانون الأردني رقم (57) لسنة 1985 المعدل لوجدنا أنه لم ينص على إخضاع الأرباح الرأسمالية لضريبة الدخل وإنما إعفاها منها وذلك من خلال نصه في الفقرة (أ/11) من المادة (7) من ذات القانون على إعفاء (الأرباح الرأسمالية وتعتبر الأرباح الناجمة من شراء الأراضي والعقارات والأسهم والسندات وبيعها من هذه الأرباح …) وينطلق عدم سريان الضريبة على الأرباح الرأسمالية على أساس أن النص بعدم خصم الخسائر الرأسمالية من الدخل الذي تسري عليه الضريبة( ) ، يعد قرينة على رغبة المشرع الأردني في عدم سريان ضريبة الدخل على الأرباح الرأسمالية .
ثانياً : موقف التشريع الضريبي المصري :-
تعتبر الأرباح الرأسمالية أحد عناصر تكوين وعاء الضريبة الموحدة على الدخل في مصر إذ أخضعها المشرع لضريبة الدخل من خلال نصه على أن(تسري الضريبة على الأرباح الناتجة من بيع أي أصل من الأصول الرأسمالية للشركة وكذلك الأرباح المتحققة من التعويضات نتيجة الهلاك أو الاستيلاء على أصل من هذه الأصول سواء أثناء قيام الشركة أو عند انقضائها)( ) .
يتضح من خلال النص بأن المشرع الضريبي المصري قد أخضع الأرباح الرأسمالية المتحققة من المصادر الآتية لضريبة الدخل وهي :-
1. بيع أي أصل من الأصول الرأسمالية عندما يكون ذلك زيادةً عن القيمة الدفترية .
2. إعادة تقييم الأصول الرأسمالية عند تحويل المنشأة من كيان قانوني معين الى كيان قانوني آخر أو عند انفصال شريك أو دخول شريك جديد وكذلك عند اندماجها في شركة أخرى .
3. التعويضات التي تحصل عليها المنشأة من أية جهة بسبب هلاك أصولها الرأسمالية أو الاستيلاء عليها .
ثالثاً : موقف التشريع الضريبي السوري
لدى الرجوع الى قانون ضريبة الدخل السوري رقم (24) ، لسنة 2003 يلاحظ أنه نص في الفقرة ( أ ) من المادة ( 7 ) منه على ان ( يتألف الربح الصافي من مجموع الإيرادات الإجمالية لأعمال المكلف الخاضعة لهذه الضريبة على اختلاف أنواعها …) .
يتضح من خلال النص بأن الربح الصافي الخاضع للضريبة يشمل ما يأتي :-
1. أرباح الاستثمار الصافية .
2. الزيادة الرأسمالية الناجمة عن التخلي عن موجودات المنشأة أو جزء منها .
3. الأرباح العارضة التي تحققها المنشأة .
أي أن المشرع الضريبي السوري قد أخضع الأرباح الرأسمالية الناجمة عن التخلي عن موجودات المنشأة بأجمعها أو جزء منها والتي ليست معدة في الأصل للبيع ويدخل ضمن هذه الأرباح شهرة المحل وخلوه ، كما وأن الزيادة التي قد تطرأ على قيمة أصول المنشأة التي تظهر عند وضع ميزانيتها السنوية لا يمكن أن تعتبر إلا ربحاً وتخضع للضريبة متى تم البيع فعلاً وتحقق الربح( ) .
ومما تجدر الإشارة إليه أن المشرع السوري قد عد النفقات الرأسمالية التي تؤدي الى زيادة قيمة الموجودات الثابتة( ) من الأعباء التي لا يجوز تنزيلها .
مما تقدم يتضح أن غالبية التشريعات الضريبية قد أخضعت الأرباح الناجمة عن الأصول الرأسمالية لضريبة الدخل وهذا ما سار عليه المشرع الضريبي المصري والسوري اللذان تأثرا بالتشريع الفرنسي الذي أخضع هذه الأرباح لضريبة الدخل أيضاً . أما التشريع العراقي فلم يخضع هذه الأرباح لضريبة الدخل على الرغم من وجود نص الفقرة (6) من المادة الثانية تسمح له بإخضاعها لضريبة الدخل . أما المشرع الأردني فقد ذهب أبعد من المشرع العراقي وذلك بإعفائه الأرباح الرأسمالية من ضريبة الدخل بالرغم من أن كلا القانونين قد تأثر بالقانون الإنكليزي الذي بدوره أخضع هذه الأرباح لضريبة الدخل ونحن بدورنا نرى ضرورة إخضاع مثل هذه الأرباح لضريبة الدخل للأسباب التي ذكرت سابقاً .