* الإسلام يحض على الإقراض:


فعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخل رجل الجنة فرأى مكتوبا على بابها: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر». (أخرجه البيهقي في السنن والطبراني في الكبير، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة 3407).
فلم يكتف الإسلام بوضع قواعد لتوثيق المال المقرَض يأتمن بها صاحب المال ويطمئن في إقراضها، وإنما حض عليه وحرَّض المؤمنين على دفعه؛ حيث وعد الله لهم الإثابة عليه، وجعله قربة يتقرب به العبد إليه.
كما بيّن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم جزاء القائم به من الثواب وعون الله والتيسير له في الدارين.
هذا كله لما في القرض من الرفق بالمحتاجين والرحمة بهم وتفريج كربهم.
من ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على مسلم في الدنيا يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
وقد تتابعت آثار من الصحابة في الدلالة على أن الإقراض مرتين للمحتاج خير من التصدق عليه بالمال المقرَض مرة، أو كالصدقة بها عليه.
منها ما روي عن ابن عباس أنه قال: (لأن أُقرِض مرتين أحب إليّ من أن أعطيه مرة).
ومنها ما روي عن ابن مسعود أنه قال: (لأن أُقرض مرتين أحب إليّ من أن أتصدق).
ومنها قول أبي الدرداء: (لأن أقرض دينارين مرتين أحب إليّ من أن أتصدق بهما؛ لأني أقرضهما فيرجعان إليّ فأتصدق بهما فيكون لي أجرهما مرتين).
كما روي مثل ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين.
وكان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه، فلما خرج عطاؤه تقاضاها عنه واشتد عليه فقضاه.
وكأن علقمة غضب، فمكث أشهراً، فقال: أقرضني ألف درهم إلى عطائي.
فقال: نعم وكرامة ! يا أم علقمة ! هلمي تلك الخريطة المختومة التي عندك.
فجاءت بها، فقال: أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها درهماً واحداً.
قال: فلله أبوك ! ما حملك على ما فعلت بي؟ قال: ما سمعت منك: قال: ما سمعت مني؟ قال سمعتك تذكر عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتهما مرة» قال: (أي علقمة) كذلك أنبأني ابن مسعود.


* وجوب رد القرض:


دلت النصوص القرآنية على وجوب رد القرض؛ وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، والقرض أمانة عند المقترض يجب عليه ردها إلى صاحبها.
وفي قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245]؛ حيث ألزم سبحانه وتعالى على نفسه أن يأجر كل من أقرض بالإنفاق في سبيله.
هذا، والأجر كما سبق في مواضع ستة من القرآن ليس بالمثل فقط ولكن بأضعاف ما قدمه المقرض.
وقد دلت نصوص من الحديث أيضاً على هذا الوجوب، مع وجوب المبادرة إلى القضاء بعد الموت.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نفس المؤمن معلقة بديْنِهِ حتى يُقضى عنه».
وعن أبي بردة بن أبي موسى رضي الله عنهما عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم الذنوب عند الله يلقاه بها عبده بعد الكبائر التي نهى عنها، أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء».
عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأُتي بميت فقال: «أعليه دين؟» قالوا: نعم ! ديناران، قال: «صلوا على صاحبكم»، فقال أبو قتادة: هما عليّ يا رسول الله ! فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أوْلى بكل مؤمن من نفسه؛ فمن ترك دينًا فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته».
عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله ! أرأيت إن قُتلت في سبيل الله تُكفَّر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم ! إن قُتِلْتَ في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف قلتَ؟» قال: أرأيت إن قُتِلْتَ في سبيل الله أتكفَّر عنّي خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم ! وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدَّيْن؛ فإن جبريل قال لي ذلك».
* ما يلزم رده:
لا يجوز عند الحنفية أن يرد المقترض إلا مثل ما اقترض من المثليّات، وهو المكيل والموزون والمعدود.
فلا يجوز عندهم رد القيميّات وهي الحيوانات وعروض التجارة؛ لأنه لا يجوز عندهم إقراض القيميّات أصلاً، وحديث أبي رافع رد عليهم، وهو: عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً، فقدمت عليه إبل من الصدقة، فأمره أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: «أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء».
أما المالكية: فجاز عندهم أن يرد المقترض مثل ما اقترض أو عينه، ما دام على صفته.
وقال الحنابلة: إذا كان المال المقرض مقوماً يكون فيه وجهان:
أحدهما: يجب على المقترض رد قيمته يوم القبض؛ لأنه لا مثل له، فيضمن قيمته كحال الإتلاف والغصب.
والثاني: يجب عليه رد مثله كما تقدم في الحديث.
هذا كله إذا كان مثل المال المقرض الذي يقضي به ثابتاً على سعره يوم القضاء، لم يتغير بالغلاء أو الرخصة؛ فكيف إذا تغير سعره، أو كان نقوداً ترك التعامل بها؟
اختلف قول الحنفية في المال المقرَض الذي تغير سعره، فقال أبو حنيفة: يلزم المقترض رد مثله. ولا عبرة بغلائه أو رخصه.
وقال أبو يوسف: يلزمه رد قيمته يوم القبض، وعليه الفتوى.
وقال محمد: يلزمه رد القيمة في آخر يوم غلت فيه سعره.
وهو ما عليه الفتوى في الفلوس التي كسدت بعد الرواج.
أما الإمام مالك و الليث بن سعد و الشافعي فإنهم قالوا: إن المقترض لا يرد إلا مثل ما اقترض، غلا سعره أو رخص.
وكذلك قال أحمد: إذا كان المقرَض فلوساً تُرِك التعامل بها رد المقترض قيمتها يوم الأخذ، وأما رخص السعر أو غلاؤه فليس ذلك مما يمنع رد مثلها.
فخلاصة القول في ذلك أن المقترض يرد ما اقترض ولا عبرة بتغير السعر..
* حسن القضاء:


إلحاقاً بما تقدم نريد أن نبين هنا:
أن الزيادة من المقترض إذا لم تكن مشروطة فإنها تعتبر في الشرع من باب حسن القضاء.
وهو جائز عند الجمهور، بل هو مستحب؛ لحديث أبي رافع المتقدم، ولحديث أبي هريرة.
قال أبو هريرة: كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حق فأغلظ له، فهمّ به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لصاحب الحق مقالاً» فقال لهم: «اشتروا له سنا فأعطوه إياه» ،فقالوا: إنَّا لا نجد إلا سنا هو خير من سناه ،فقال: «اشتروا له فأعطوه إياه؛
فإن من خيركم - أو إن خيركم - أحسنكم قضاء».
قال مالك - رحمه الله -: إن كانت الزيادة في العدد لم تجز، وإن كانت في الصفة جازت.
ويرد عليه حديث جابر، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني).
حيث صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم زاده.
وثبت في رواية البخاري أن الزيادة كانت قيراطاً.




الربـــــــــــــــــــــ ــــــــــا:
* تعريف الربا:
الربا لغة هو النمو والزيادة والعلو والارتفاع.
يقال: ربا الشيء ربواً، أي زاد ونما وعلا.
وأربيته: نميته.
ومنه قوله تعالى: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276] أي ينميها ويزيدها.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فُلُوَّه حتى تكون مثل الجبل».
أما تعريفه في الشرع فقد اختلف الفقهاء فيه تبعاً لاختلافهم في تحديد مفهومه بينهم، وتعريف الإمام الآلوسي قال: وفي الشرع: عبارة عن
(فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال)
فهذا التعريف ينطبق على النوعين من الربا: ربا الفضل و ربا النسيئة؛ حيث إن في كل منهما معاوضة مال بمال ،مع وجود تلك الزيادة التي لا مقابل لها في نظر الشرع.


* تعريف القرض الربوي:


إذا كان القرض بمعنى دفع المال إرفاقاً لمن ينتفع به ويرد مثله أو قيمته، وكان الربا بمعنى تلك الزيادة المالية التي لا مقابل لها في معاوضة مال بمال تبيّن واضحاً أن القرض الربوي هو :
القرض الذي يشترط فيه المقرض شيئاً زيادة على ما أقرض.


* الربا المحرم في عصر النبوة كان في القرض:


إن الربا المتعامل به في عصر النبوة والذي سماه القرآن ربا هو تلك الزيادة المشروطة في القروض والديون؛ لأن هذه المعاملة هي ما يرجع إليه لفظ الربا في ذلك العصر.
وهي معاملة شائعة ومعروفة بينهم.
1. قال الجصاص: الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل، بزيادة على قدر ما استقرض، على ما يتراضون به ....... هذا كان المتعارف المشهور بينهم ،ثم قال: ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على هذا الوجه الذي ذكرنا، من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل، مع شرط الزيادة.
2. وقال الرازي: أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهوراً متعارَفاً في الجاهلية؛ وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حلّ الدين طالبوا المدين برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل؛ فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به.
3. وقال الآلوسي: روى غير واحد أنه كان الرجل يُرْبي إلى أجل، فإذا حل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل، فيفعل، فيستغرق بالشيء الضعيف ماله بالكلية.
4. وقال ابن جرير: عن قتادة قال: ربا أهل الجاهلية بيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخّر عنه.
نفهم مما تقدم أن الربا المتعامل به في عصر النزول، والذي جاءت آيات القرآن بتحريمه كان على القرض، وهو نوعان:
النوع الأول: هو تلك الزيادة التي تشترط في أول العقد في عقد القرض، فيكون العقد ربويا من الأصل وهو الإقراض باشتراط فائدة
النوع الثاني: هو الزيادة الثانية أو المكررة، في دين البيع.
وهو الذي قلنا: يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى؛ فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخّر عنه، وهو ما يسمى البيع الآجل.
وإن كان ذلك لا يعني أنهم لا يزيدون في ثمن البيع على قيمته نقداً.


* الفائدة في القرض عين الربا:


يتضح مما تقدم أن الربا المعهود في عصر النبوة هو تلك الزيادة التي يشترطها المقرِض على رأس مال القرض؛ فكذلك الفائدة التي عرّفوها بأنها: الزيادة على رأس المال النقدي المقرَض، بشرط ألا يزيد على الحد المقرر قانونياً، فإذا زادت عليه فهو الربا عندهم في قانون الاقتصاد الرأسمالي.
ولكي نزيد الأمر وضوحاً، ينبغي أن نبيّن أوصاف القرض الربوي التي إذا اكتملت في القرض صار ربوياً، على رغم ما سمي به من الأسماء، و هي:
1. الزيادة التي يزيدها المقرِض على أصل رأس مال القرض.
2. الأجل الذي من أجله تؤدى هذه الزيادة.
3. كون هذه الزيادة شرطا مضموناً في التعاقد.
ومعروف أن هذه الأوصاف الثلاثة قد اجتمعت في القروض ذات الفوائد التي نتكلم عنها (يعني فوائد البنوك)
ويزيد موقفنا هذا تأكيداً: أن المجامع الفقهية الإسلامية
قد أجمعت على أن هذه الفوائد محرمة وأنها عين الربا بأنواعها الثلاثة:
ربا الفضل، و ربا النسيئة، و ربا القرض.
وفيما ما يلي قرارات تلك المجامع:
* إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية بجدة فى 10/6/1406هـ، بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر، وبعد التأمل فيما قدم مناقشته مناقشة مركزة..
أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على الظلم الاقتصادي العالمي وخاصة في دول العالم الثالث، قرر -هذا المجلس-:
أن كل زيادة (فائدة) على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة (الفائدة) المشروطة على القرض منذ بداية العقد، هاتان الصورتان ربا محرم شرعاً.
* كما أصدر مجمع البحوث الإسلامي في القاهرة فتوى جماعية، بأن فوائد البنوك هي الربا المحرم.
* وأصدر كل من المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة، ومؤتمر الفقه الإسلامي في الرياض فتاوى في ذلك، كلها تؤكد..
أن الاقتراض من البنوك وإمضاء العقد معهم على اشتراط زيادة على المال المقترض بفائدة سنوية هو عين الربا المحرم.
* فهؤلاء الشرعيون والاقتصاديون والقانونيون أجمعوا على أن الفوائد هي الربا المحرم.
* وهناك فتاوى فردية من كبار علماء المسلمين، أمثالِ الشيخِ محمود بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبدِ الله بن محمد بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والشيخ أبي الأعلى المودودي، والشيخ عبد الله دراز، والشيخِ محمد أبي زهرة، والشيخ يوسف القرضاوي والشيخ علي السالوس وغيرهم.
كل هؤلاء وغيرهم من علماء المسلمين كتبوا ووضّحوا
أن هذه الفوائد البنكية محرمة وأنها عين الربا المحرم