التكامل والتوفيق بين نظامى
الزكاة والضرائب فى مجتمع معاصر
مع التطبيق على مصر
إعـــــــــــــداد


دكتور / حسين حسين شحاتة


أستاذ المحاسبة


كلية التجارة ـ جامعة الأزهـر
التكامل والتوفيق بين نظامى الزكاة والضرائب
فى مجتمع معاصر مع التطبيق على مصر


تقــــــــديم عـــام: تطبق معظم الدول العربية والإسلامية نظم الضرائب المقتبسة من مجتمعات غير إسلامية ، وأحياناً قد يكون بجوار تلك النظم نظام الزكاة وهذا يوجب التنسيق والتكامل والتوفيق بحيث يحقق كل منهما مقاصده فى إطار العدالة بين المسلم وغير المسلم .
وفى هذا الخصوص تثار العديد من التساؤلات منها على سبيل المثال :
$ هل الضريبة زكاة ؟ وهل الزكاة ضريبة ؟
$ هل تغنى نظم الضرائب المعاصرة عن نظام زكاة المال ؟
$ هل يمكن أن يغنى نظام الزكاة والنظم المالية الإسلامية الأخرى عن نظام الضرائب بالنسبة للمسلمين ؟
$ متى يجوز فرض الضرائب بجوار الزكاة ؟
$ هل يمكن الجمع بين نظامى الضرائب والزكاة فى مجتمع واحد ؟
$ كيف يمكن التنسيق والتوفيق بين نظامى الزكاة والضرائب عند التحاسب ؟
حول التساؤلات السابقة يدور هذا البحث والذى خطط بحيث يقع فى مبحثين على النحو التالى :
المبحث الأول : التماثل والاختلاف بين الزكاة والضريبة ووجوب التكامل بينهما فى مجتمع معاصر .
المبحث الثانى : نطاق تطبيق نظام الزكاة ونظام الضرائب فى مجتمع معاصر
ولقد أوردنا فى نهاية هذا البحث أهم النتائج العامة والتوصيات وقائمة بأهم المراجع لمن يريد الحصول على مزيد من المعرفة حول الموضوع والله الموفق والمعين ، وهو يقول الحق وهو يهدى السبيل .




& تمهيـــد: هناك خلط فى المفاهيم بين الزكاة كعبادة مالية وفريضة وركن من أركان الإسلام ، وبين الضريبة كنظام مالى وضعى ، فقد يفهم البعض أن الضريبة زكاة ، وأن الزكاة ضريبة ،كما يعتقد البعض أن الزكاة تغنى عن الضريبة ، وعلى النقيض يعتقد البعض أن الضريبة تغنى عن الزكاة .
ولقد تناول الفقهاء والعلماء هذه المفاهيم السابقة بشىء من التفصيل فى ندواتهم وخلصوا إلى أنه فى مجتمع معاصر يعيش فيه المسلمون وغير المسلمين ، الزكاة شىء ، والضريبة شىء آخر ، ولكن يمكن أن يكون بينهما تنسيقاً وتكاملاً بما يحقق الأهداف المنشودة وهى التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ، وهذا ما سوف نتناوله بشىء من التفصيل فى هذا المبحث مع التركيز عل المسائل الآتية :
ـ الفروق الأساسية بين الزكاة والضريبة .
ـ هل تغنى الزكاة عن الضريبة ؟
ـ هل تغنى الضريبة عن الزكاة ؟
ـ وجوب التكامل والتنسيق بين الزكاة والضريبة فى مجتمع معاصر .
( 1 / 1 ) أ الفروق الأساسية بين الزكاة والضريبة .
يجمع فقهاء وعلماء الإسلام أن الزكاة ليست ضريبة على الإطلاق وذلك رغم وجود بعض أوجه التشابه بينهما وذلك للاختلاف الجوهرى بين كل منهما ، وقبل أن نناقش تلك الاختلافات يحسن أن نذكر بعض أوجه التشابه بينهما .
أولاً : أوجه التشابه بين الزكاة والضريبة : من أهمها ما يلى :
1 ـ كلاهما يمثل جباية مالية .
2 ـ كلاهما تتولى الدولة القيام به بمالها من سيادة ، كما تقوم بإجبار الناس على أدائها إذا ما امتنعوا عن أدائها .
3 ـ كلاهما له أغراض مالية واجتماعية واقتصادية ولكن تتباين طبيعة تلك الأغراض .
ثانياً : أوجه التباين بين الزكاة والضريبة :
1 ـ التباين من حيث المفهوم : يختلف مفهوم الزكاة عن مفهوم الضريبة من عدة نواحى نوجزها فى الآتى :
أ ـ تعتبر الزكاة ركناً من أركان الإسلام وهى خاصة بالمسلمين شكراً لله وتقرباً إليه الذى وهبهم هذا المال ، وتتسم مبادئها ومفاهيمها بالثبات والاستقرار ، لا تتبدل فيها أحكام الله بتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، هذا فى حين أن الضريبة اقتطاع إجبارى من أموال الأفراد ، سواءً كانوا مسلمين أو غير مسلمين وهذا خال تماماً من كل معنى للعبادة ، وتتغير القواعد التى تحكم تحديد وقياس الضريبة بتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية ويرجع ذلك إلى أنها من وضع البشر الذى يخطئ ويصيب ، والذى لا يستطيع أن يعرف مقدماً أين صالحه ، فقواعد اليوم الوضعية لا تصلح للغد .. وسبحان الله جلت قدرته وعظم شأنه الذى يعلم مصالح البشر مقدماً فى كل حين ، لأنه هو عز وجل الخلاق العليم ولقد ورد فى كتاب الله الكريم العديد من الآيات التى توضح ذلك منها قوله تبارك وتعالى :{ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ (14) } ( الملك ) ، وقوله أيضاً عز وجل:{ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (34) } ( لقمان ) .
ب ـ تقوم جميع أحكام وأسس الزكاة على القيم الإيمانية والامتثال لأمر الله ، لا اعتراض ولا تظلم لأن أساسها التكليف من الله ، بينما يختلف الأمر تماماً بالنسبة للضريبة والتى يمتثل فيها الناس لأمر الحاكم الذى قد يقبل ذلك قهراً وعن رهبة ، ولذلك تكثر الاعتراضات والتظلمات لشك الممولين فى عدالة التشريع الضريبى ، فالضريبة مهما ارتفع الوعى الضريبى لا تعدو أن تكون فى نظر دافعها أكثر من إتاوة يدفعها الفرد جبراً إلى الدولة صاحبة السلطان .
جـ ـ يؤمن المزكى أن ما فى حوزته من مال هو ملك لله ويجب أن ينفقه حسب أحكام وشريعة الله إرضاءً له ، بينما نجد أن بعض دافعى الضريبة يؤمن بأن الدولة ليس لها حق فى ماله وخصوصاً وأنه يشك تماماً فى مصارفها ولذلك نجده يحاول التهرب من أدائها إن استطاع إلى ذلك سبيلاً .
2 ـ التباين من حيث الخصائص : هناك اختلاف بين الزكاة والضرائب من حيث الخصائص من أهمها ما يلى :
أ ـ تتسم الزكاة بالمعلومية ، حيث أن أحكامها الكلية الأصولية قاطعة واضحة لا تقبل التأويل أو التفسير ، بينما تفتقر الضريبة لذلك نظراً لكثرة الغموض والتعديلات التى تتم بهدف سد النواقص وعلاج العيوب .
ب ـ للزكاة مصارف محددة حددها الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم ،فى حين لا توجد مصارف محددة لحصيلة الضرائب فهذا متروك لتقدير ولى الأمر حسب الظروف والأحوال وتدخل جميعها فى نطاق النفقات العامة .
جـ ـ لاثنى فى الزكاة أى لا تفرض زكاتين على نفس المال ، ولا تفرض زكاة على المال فى نفس الحول مرتين حيث يتجنب التشريع الزكوى حالات الازدواج فى الزكاة ، بينما أحياناً يحدث ازدواج فى أداء الضريبة والمثال على ذلك ضريبة المبيعات وضريبة التمغة وضريبة الدخل .
د ـ تؤخذ الزكاة بالحق من الغنى وتعطى بالحق للفقير ، بينما تؤخذ الضريبة أحياناً من الغنى والفقير معاً ، وقد يستفيد منها الغنى والفقير أيضاً ، مثال ذلك الضرائب غير المباشرة التى يدفعها الجميع بينما يكون واقعها أشد قسوة على الفقير ، وتنفق حصيلتها على بعض المرافق العامة ويستفيد بذلك الغنى والفقير ويستأثر الغنى باستفادة أكبر ، ومن أمثلة ذلك الضريبة العامة على المبيعات .
هـ ـ تقوم الزكاة على مبدأ أنها استخدام للمال وليست تكلفة عليه ، وعلى ذلك لا ينقل عبؤها على المستهلك فى صورة ارتفاع أسعار المنتجات والخدمات ، ويحكم المكلف فى ذلك شعوره وضميره ، بينما نجد أن بعض أنواع الضرائب يمكن نقل عبئها على المستهلك وتعجز الحكومة عن تجنب ذلك .
و ـ تتسم الزكاة بالمعلومية بمعناها الحقيقى وتطبيقها الصحيح ، بينما توجد استثناءات وإعفاءات واختلافات فى المعاملة فى النظم الضريبية المعاصرة .
3 ـ التباين من حيث الأغراض : بالرغم من أن هناك بعض التماثل فى التسميات بين أغراض كل من الزكاة والضريبة إلاّ أن هناك اختلافات جوهرية بينهما من حيث طبيعة تلك الأغراض ومستوى تحقيقها ، وفيما يلى أهم تلك الاختلافات :
أ ـ من أهم أغراض الزكاة الإشباع الروحى للفرد المزكى وتعوده على الأخلاق الكريمة والطيبة ، فهى علاقة فى الأصل بين المزكى والله عز وجل ، بينما يكاد ينعدم هذا الغرض فى حالة الضريبة ، فنادراً ما نجد ممولاً ضريبياً يقوم بأداء الضريبة لغرض تزكية النفس وتعوديها على الكرم والإيثار ، فمهما بلغ الوعى الضريبى نجد أن هناك حالات شتى من التهرب من أداء الضريبة .
ب ـ من أهم أغراض الزكاة تحقيق التكافل الاجتماعى ، بينما تعجز الضريبة عن تحقيق ذلك ، ودليل ذلك حالات التسيب والسرقات والانحرافات والحقد والكراهية المنتشرة بين أفراد المجتمع ، فلو قارنا بين مصارف الزكاة ومصارف الضريبة فى الفكر المعاصر نجد أن الزكاة تهتم بالعنصر البشرى وذاتيته وسلوكه بينما يتم التركيز عند إنفاق حصيلة الضرائب على الأغراض المالية والاقتصادية .
جـ ـ تعتبر الزكاة محفزاً على استثمار الأموال وعدم اكتنازها وذلك لتحقيق السيولة النقدية أمام المشروعات الاقتصادية فى نظام لا ربوى ، بينما تعتبر الضريبة سلاحاً حاداً يثبط من همم أرباب المال ويشجع على الاكتناز أو توجيه الأموال إلى مجالات أو أماكن لا توجد فيها ضرائب .
د ـ يؤكد فقهاء الإسلام أن الزكاة هى المقوم الأساسى للتنمية الاقتصادية فى حيث فشلت الضريبة فى تحقيق ذلك فعلى سبيل المثال ، فقد تمكن الدكتور يوسف القرضاوى من التوصل من بحث له عن أثر الزكاة فى معالجة المشكلات الاقتصادية إلى أن الزكاة تعتبر علاجاً اقتصادياً فريداً لمشاكل البطالة والفقر والكوارث والديون والتفاوت الاقتصادى الفاحش بين المشروعات الاقتصادية والاكتناز .. ، فى حين عجزت الضرائب عن ذلك .
4 ـ التباين من حيث النطاق ومن تجب عليهم : لقد اتضح لنا بصورة جلية أن الفقه الإسلامى يخضع جميع أنواع الأموال للزكاة متى توافرت فيها شروط معينة ، وَفَرَّقَ بينهما فى المقادير والأنصبة تحقيقاً للعدالة المالية والمقدرة التكليفية والتنمية الاقتصادية ، وهذا لا يتوفر فى أى نظام ضريبى معاصر ، وفيما يلى لمحات وأمثله تؤكد ذلك :
أ ـ تنوع أسعار وأسس تقدير وعاء الزكاة بما يحقق أقصى حصيلة ممكنة وأعلى معدل تنمية للاقتصاد القومى مع المحافظة على سلوك ومعنويات المكلفين بأداء تلك الزكاة ، فعلى سبيل المثال ، نجد أن سعر زكاة الثروة النقدية حوالى 2.5% من رأس المال ونمائه وهذه نسبة منخفضة وذلك للمحافظة على رأس المال حتى ينمو ويزيد ويحقق ذلك تنمية اقتصادية ورضا من جانب المكلف ، بينما نجد أن سعر الضريبة على إيرادات القيم المنقولة مثلاً 32% من الإيراد .. وهذا كما بينا من قبل يثبط أصحاب الأموال من استثمارها ، ويختلف الأمر بالنسبة لزكاة إيرادات الثروة الزراعية وهى الزروع والثمار فقد حدد المشرع نسبة 10% من تلك الإيرادات إذا كانت الأرض تروى بالراحة ، و 5% إذا كانت الأرض تروى بالساقية ونحوها ، وبشرط أن تصل هذه الإيرادات للنصاب فإن هذا يتمشى مع طبيعة الإيراد ، وترتبط الزكاة بالناتج بينما نجد أن الضريبة على إيرادات الأرض نسبة مئوية بصرف النظر عن قيمة وكمية الناتج من الأرض
ب ـ يلاحظ أن الزكاة تجب على المسلم أياً كان محل إقامته حتى ولو كان فى بلد غير إسلامى وعليه إرسال الزكاة إلى بلده إن لم يجد فقراء مسلمين فى مكان وجود المال ، وهذا لا يتحقق فى بعض أنواع الضرائب على الدخل التى اشترطت مبدأ الإقليمية مثل ضريبة المهن الحرة .
جـ ـ بالرغم من أن الزكاة والضريبة تأخذان فى الاعتبار الأعباء العائلية للمكلف أو الممول ، إلاّ أن هناك تبايناً كبيراً عند التطبيق ، فقد اشترط المشرع الإسلامى لخضوع المال للزكاة أن يكون فائضاً عن الحاجات الأصلية لمالكه ، ويقصد بها حاجته الشخصية وكذلك حاجات من يعولهم من زوجة وأولاد مهما بلغ عددهم ، وكذلك الأقارب الذين تلزمه نفقتهم ، وعلى ذلك فقد أعفى المشرع الإسلامى الحد الأدنى من المعيشة وترك المكلف نفسه تحت رقابة ذاتية من ضميره ، ورقابة أولى الأمر فى تحديد ذلك الحد الأدنى مع الأخذ فى الاعتبار الوضع الاجتماعى والعرف والتقاليد ، وعلى النقيض من ذلك ، نجد أن المشرع الوضعى فى جمهورية مصر العربية على سبيل المثال لم يراع ذلك فى حالة الضريبة على إيرادات رأس المال والثروة العقارية ، كما حدده بعدد معين من الأولاد فى حالة ضريبة المرتبات والأجور والمهن الحرة .
تعقيب
مما سبق تبين أهم الفروق بين الزكاة والضريبة فالزكاة شىء ، والضريبة شىء آخر ، ولا يجوز أن نطلق على الزكاة ضريبة ، ولا أن نطلق على الضريبة زكاة .
( 1 / 2 ) ـ هل تغنى الزكاة عن الضرائب ؟
تعتبر الزكاة والفرائض المالية الأخرى مثل الجزية والخراج والعشور نظاماً مالياً اقتصادياً إسلامياً متكاملاً لو طبق تطبيقاً سليماً لحقق للأفراد الحياة الآمنة الطيبة فى الدنيا والآخرة وكفل للمجتمع الإسلامى الاستقرار والرفاهية .
ولقد طبق النظام المالى الإسلامى فى صدر الدولة الإسلامية وقضى على مشاكل الفقر والتخلف إلى المستوى الذى تعذر فى بعض الأحيان وجود فقراء أو مساكين وعبيد غارمين لتوزيع حصيلة الزكاة عليهم .. وتحقق قول الله جل شأنه : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ( الأعراف : 96 ) .
من هذا المنطلق يمكن استنباط أن نظام الزكاة نظام متكامل له جوانب مختلفة غير موجودة فى أى نظام ضريبى وضعى ، وعليه تغنى الزكاة عن الضرائب وذلك فى ظل الظروف العادية فى مجتمع إسلامى ، ولقد شهد بكفاءة نظام الزكاة وغيره من النظم المالية الإسلامية علماء المالية والاقتصاد من غير المسلمين ، ويقوم غير المسلم فى المجتمع الإسلامى بدفع ضريبة التكافل الاجتماعى حتى يتساوى المسلم مع غير المسلم من حيث الأعباء طبقاً للقاعدة الشرعية : " لهم ما لنا وعليهم ما علينا ".
ويثار فى هذا الخصوص مسألة : هل يجوز فرض ضرائب مع الزكاة : يرى فقهاء الإسلام وأهل العلم بأنه يجوز فرض ضرائب إضافية مع الزكاة على الأغنياء وذلك إذا ما نزلت بديار المسلمين حاجة أو كانت حصيلة الزكاة لا تكفى لمقابلة نفقات الدولة المتعلقة بالدفاع وتحقيق الأمن ، ولقد بنى فقهاء الإسلام رأيهم هذا على قاعدة وجوب تحمل الضرر الأدنى لدفع ضرر أعلى وأشد ([1]).
ولقد وضع فقهاء الإسلام شروطاً لفرض ضريبة بجوار زكاة المال من أهمها ما يلى ([2]) :
1 ـ ضرورة وجود حاجة طارئة تستلزم نفقات إضافية ، ويلزم إسقاط الضريبة بمجرد زوال تلك الحاجة ، ولا يجب أن يكون لها سمة الاستمرارية حتى لا تطغى على الزكاة .
2 ـ أن يتم فرض الضرائب الإضافية فى نطاق الشورى فى الإسلام ، حتى يقتنع الممولون بها وحتى لا تكون مفروضة فرضاً لئلا تقابل برد فعل عكسى من الأفراد .
3 ـ أن تراعى الطاقة التكليفية لكل فرد .
4 ـ أن تستخدم حصيلة الضرائب الإضافية فيما فرضت من أجله بدون إسراف أو تبذير .
5 ـ لا يجب أن ينقلب الأمر وتكون الضريبة الإضافية هى الأصل والزكاة هى الفرع كما هو الحال فى معظم البلاد الإسلامية الآن .
( 1 / 3 ) ـ هل تغنى الضرائب عن الزكاة ؟
لقد ناقشنا فى صفحات سابقة من هذا البحث أن هناك فروقاً جوهرية أساسية بين الضريبة والزكاة تجعل المسلم يطمئن إلى رأى الفقهاء أو أهل العلم بأن الضرائب لا تغنى عن الزكاة على الإطلاق ، وبلغة أخرى ، لا يجب أن يتذرع المسلم بعدم دفع الزكاة لأنه دفع ضرائب للحكومة سواءً كانت أكثر أو أقل من مقدار الزكاة التى كان يجب عليه أداؤها .
ويثار فى هذا الخصوص مسألة : هل يجوز خصم مقدار الضرائب المدفوعة للحكومة من مقدار الزكاة المستحقة أصلاً على المكلف ؟
لتحليل وتقويم هذه المسألة يلزم أن نأخذ فى الاعتبار ونتذكر ولا ننسى أو نتجاهل أن الضرائب الإضافية فى مجتمع إسلامى أمر طارىء ثانوى وليس أساسياً ، فإذا أجزنا خصم ما دفع من ضرائب للحكومة من مقدار الزكاة المستحقة الواجبة لأدى ذلك بعد فترة قصيرة إلى سيادة الضريبة وانقراض الزكاة كما هو الحال فى معظم البلاد الإسلامية ، وهذا ما يرفضه جملةً وتفصيلاً أى مسلم غيور على دينه ، ولذلك نحبذ الرأى الذى ينادى بأنه لا تجوز على الإطلاق خصم الضرائب المدفوعة من مقدار الزكاة المستحقة ولكن تخصم من وعاء الزكاة ، أى من الأموال الخاضعة للزكاة ، وهناك فرق جوهرى بين وعاء الزكاة ومقدار الزكاة المستحقة .
ولقد حلل الدكتور يوسف القرضاوى هذه المسألة تحليلاً فقهياً حيث يقول : " صحيح أن المسلم يرهق من أمره عسراً ، ويتحمل ما لا يتحمله غيره من الأعباء المالية ، هذه ضريبة الإيمان ، ومقتضى الإسلام ، وخاصة فى أيام الفتن التى تجعل الحليم حيراناً والتى يصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر ، وواجب على المسلم أن يعمل ويجاهد لتصحيح الأوضاع المنحرفة وتقويم الأنظمة المعوجة ، يردها إلى منهج الإسلام ونظام الإسلام وحكم الإسلام .. " ويستطر قائلاً : " إذا أجزنا للأفراد احتساب ما يؤخذ منهم من الزكاة ( تحت اسم الضريبة ) لكان ذلك حكماً بالإعدام على هذه الفريضة الدينية ، فتذهب البقية الباقية منها من حياة الأفراد كما ذهب من قوانين الحكومات وهذا ما يوافق عليه عالم من علماء الإسلام فى أى زمان ومكان ، والله أعلم ([3]) .
ومن المنظور المحاسبى نجد أن ما يدفع من ضريبة خلال الحول يُنْقِصْ تلقائياً من الأموال الزكوية ( من وعاء الزكاة ) ، فعلى سبيل المثال فى زكاة المهن الحرة .
ـ لو بلغت الإيرادات المحصلة خلال الحول مبلغ 50000 جنيه .
ـ وبلغت النفقات المختلفة خلال الحول مبلغ 30000 جنيه .
ـ وبلغت الضرائب المسددة فعلاً مبلغ 5000 جنيه .
يكون صافى الوعاء الخاضع للزكاة هو مبلغ 15000 جنيه .
ـ أما إذا لم تُدفع أى ضرائب يكون الوعاء الخاضع للزكاة هو مبلغ 20000 جنيه .
ومن الناحية العكسية لا تعترف معظم التشريعات الضريبة المعاصرة بالزكاة المدفوعة خلال السنة الضريبية على أنها من التكاليف الواجبة الخصم قبل حساب وعاء الضريبة إلاّ إذا كانت فى صورة تبرعات لجهة خيرية مسجلة لدى وزارة الشئون الاجتماعية… وهذا يظهر التناقض بين نظام الزكاة العادل ونظام الضرائب الظالم .
( 1 / 4 ) ـ وجوب التكامل والتنسيق بين الزكاة والضريبة فى مجتمع معاصر .
يوجد فى الدول العربية والإسلامية نظم مالية معاصرة مختلفة من منظور الزكاة والضريبة على النحو التالى :
أولاً : دول تطبق نظام الزكاة بصفة أساسية على المسلمين وبجواره نظام ضرائب على غير المسلمين ، ومن أمثلة هذه الدول : السودان والمملكة العربية السعودية وليبيا وباكستان وإيران .
ثانياً : دول تطبق نظام الضرائب بصفة أساسية وإجبارية ، وبجواره نظام الزكاة بصورة غير إجبارية ولكن تحت رعاية الدولة ومن أمثله ذلك : الكويت والبحرين وقطر ، حيث توجد فى هذه البلاد صناديق زكاة تابعة لأحد وزارات الدولة وتحت سيادتها وإشرافها ورقابتها .
ثالثاً : دول تطبق نظام الضرائب بصفة أساسية وإجبارية ، ويقوم الأفراد طواعية بإتياء الزكاة دون أى إجبار من الدولة ، وهذا هو الأكثر شيوعاً فى معظم الدول العربية والإسلامية ، ويتواءم مع الفكر العلمانى والذى يقوم على فكرة الدين لله والوطن للجميع ، ومقولة دع ما لقيصر لقيصر ، وما لله لله ، ومن أمثلة ذلك : مصر وسوريا والعراق .
وتأسيساً على ما سبق يمكن أن يكون هناك تكاملاً بين نظامى الزكاة والضرائب فى مجتمع معاصر يعيش فيه المسلمون المكلفون بالزكاة كفريضة ، ويعيش فيه كذلك غير المسلمين والمكلفين بالضريبة مساهمة فى النفقات العامة للدولة ، وإذا لم تكف حصيلة الضرائب وحصيلة الزكاة معاً بجانب الموارد المالية الأخرى ، يجوز لولى الأمر أن يفرض ضريبة إضافية على جميع الأغنياء مسلمين وغير مسلمين بما يكف لسد العجز طبقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ، وبذلك تتحقق العدالة الاجتماعية بين مواطنى المجتمع الواحد .
وهذا الرأى يقوم على مفهوم أن الزكاة نظام ، والضريبة نظام آخر ، ولكن يمكن أن يتكاملا فى مجتمع معاصر بشرط أن لا تطغى الضريبة على الزكاة ، ولا تفرض الزكاة على غير المسلمين ، وتكون المعاملة بين المسلم وغير المسلم واحدة ولقد أعدت دراسات شتى حول هذا الرأى ، وطبق فى بعض الدول الإسلامية على النحو الموضح بعاليه .
وهذه الخلاصة تنقلنا إلى كيفية التوفيق بين نظامى الزكاة ونظام الضرائب فى مجتمع معاصر مع التطبيق على مصر ، وهذا ما سوف نتناوله فى المبحث التالى إن شاء الله .
& تمهيـــد
فى ظل التطورات المعاصرة فى المجتمعات الإسلامية ، حيث يعيش المسلمون مع غير المسلمين المعاهدين ، والذى يحكمهم القاعدة : " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " ، فقد رأى جمهور الفقهاء وأساتذة الاقتصاد الإسلامى أنه يمكن التوفيق بين نظامى الزكاة والضرائب فى مجال التطبيق فى إطار أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية .
وفى هذا الخصوص تثار مجموعة من القضايا تحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث من بينها :
1 ـ ما هى مجالات تطبيق نظام زكاة ؟
2 ـ ما هى مجالات تطبيق نظام الضرائب بجانب نظام الزكاة ؟
3 ـ كيفية التوفيق بين أسس التحاسب الزكوى والتحاسب الضريبى لتحقيق العدالة وعدم التمييز بين المسلم وغير المسلم المعاهد .
4 ـ مقومات تطبيق نظامى الزكاة والضرائب فى مجتمع معاصر .
ويختص هذا المبحث بمناقشة القضايا السابقة بشىء من الإيجاز فى ضوء ما يسمح به الوقت والمقام والمكان ، وإن شاء الله سوف نتناولها بشىء من التفصيل فى دراسات أخرى
( 2 / 1 ) ـ مجالات تطبيق زكاة المال فى مجتمع معاصر .
من أهم مجالات تطبيق نظام زكاة المال فى مجتمع معاصر ما يلى ([4]) :
< إيرادات رؤوس الأموال المنقولة : يطبق ما يلى :
ـ زكاة الثروة النقدية ( النقدين ) بالنسبة للمسلمين .
والضريبة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة لغير المسلمين .
< إيرادات النشاط التجارى والصناعى : يطبق ما يلى :
ـ زكاة عروض التجارة والصناعة بالنسبة للمسلمين .
والضريبة على إيرادات النشاط التجارى والصناعى لغير المسلمين .
< إيرادات كسب العمل : يطبق ما يلى :
ـ زكاة الأعطيات بالنسبة للمسلمين ( زكاة كسب العمل ) .
وضريبة كسب العمل بالنسبة لغير المسلمين .
< إيرادات الأراضى الزراعية : يطبق ما يلى :
ـ زكاة الزروع والثمار بالنسبة للأراضى المملوكة للمسلمين .
والضريبة على إيرادات الأراضى الزراعية بالنسبة لغير المسلمين .
< إيرادات العقارات المبنية : يطبق ما يلى :
ـ زكاة المستغلات : بالنسبة للمبانى ذات الإيراد المملوكة للمسلمين .
والضريبة على إيرادات المبانى : بالنسبة للمبانى ذات الإيراد المملوكة لغير المسلمين .
< التجارة الدولية : يطبق ما يلى :
ـ زكاة عروض التجارة للمسلمين .
والعشور على تجارة غير المسلمين .
< المعادن وما فى حكمها: يطبق ما يلى :
ـ زكاة الركاز على المسلمين .
والرسوم والضرائب على غير المسلمين .
( 2 / 2 ) ـ مجالات تطبيق نظام الضرائب بجوار الزكاة فى مجتمع معاصر .
تأسيساً على الرأى الفقهى الذى يقضى بأنه يجوز تطبيق نظام الضرائب بجوار الزكاة فى مجتمع معاصر يعيش فيه المسلمون وغير المسلمين ، فإن يمكن فرض ضرائب فى الحالات الآتية :
1 ـ حالة غير المسلمين المعاهدين الذين لا يدفعون الزكاة ويشاركون فى الجيش والبوليس والوزارات ونحو ذلك نظير انتفاعهم بالخدمات العامة مساهمة منهم فى ذلك ، تأسيساً على القاعدة : " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " ، فإذا كان المسلم يدفع الزكاة فعلى غير المسلم أن يدفع الضريبة ، وفى هذا الخصوص يخضع حساب الضريبة لأسس حساب الزكاة تجنباً لأى تفرقة .
2 ـ حالة وجود عجز فى حصيلة الزكاة وفى حصيلة الضرائب لظروف استثنائية غير عادية ، ففى هذه الحالة تفرض ضريبة على الأغنياء من المسلمين وعلى غير المسلمين لسد هذا العجز بضوابط شرعية سبق تناولها من قبل.
ولقد أخذت بهذا الرأى العديد من الدول الإسلامية المعاصرة منها على سبيل المثال ما يلى :
1 ـ المملكة العربية السعودية .
2 ـ ليبيا .
3 ـ السودان .
4 ـ إيران .
( 2 / 3 ) ـ الحاجة إلى التوفيق بين أسس التحاسب الزكوى والتحاسب الضريبى فى مجتمع معاصر .
هناك اختلافات جوهرية بين أسس التحاسب الزكوى وأسس التحاسب الضريبى يجب التوفيق بينهما والاستفادة من محاسبة الزكاة فى إثراء التحاسب الضريبى ، من أهم هذه الاختلافات ما يلى :
1 ـ يتمثل وعاء الضريبة على الدخل فى الأرباح أو الإيرادات ، حيث يبدأ المحاسب الضريبى بالربح أو الدخل المحاسبى ويجرى عليه تعديلات حتى يصل إلى الوعاء الضريبى وفقاً للتشريع الضريبى .
بينما تحسب الزكاة فى بعض الأنشطة على المال الزكوى ونمائه كما هو الحال لزكاة النقدين وزكاة عروض التجارة والصناعة ، وزكاة الأنعام ، كما تحسب على صافى النماء ( العائد أو الكسب ) كما هو الحال فى زكاة الزروع والثمار وزكاة المستغلات وزكاة كسب العمل .
وهذا الاختلاف يحتاج إلى التوفيق والاستفادة من أسس تحديد وقياس وعاء الزكاة فى علاج بعض مشكلات التحاسب الضريبى .
2 ـ تخضع الإيرادات الحرام والخبيثة للضريبة ومنها على سبيل المثال أرباح تجارة الخمور والمدمنات .. وما فى حكم ذلك ، وكذلك أرباح صالات الميسر وأرباح اليانصيب ، وعلة ذلك زيادة الحصيلة ، ويقود ذلك إلى تشجيع الأنشطة المحرمة شرعاً .
بينما تحسب الزكاة على الأموال الحلال الطيبة ، وإن وجدت أموالاً مكتسبة من مصادر غير مشروعة وخبيثة بسبب الخطأ أو عند التوبة الصادقة فيجب مصادرتها كلها والتخلص منها بهدف تطهير المعاملات والأعمال من الحرام الخبيث .
وهذا الاختلاف يحتاج إلى تطبيق منهج التحاسب الزكوى لتطهير الأموال وحماية المجتمع من الفساد .
3 ـ هناك إعفاءات للأعباء العائلية بالنسبة لبعض أنواع الضرائب محسوبة على أساس أرقام نقدية مطلقة لا تتأثر بالتغير فى قيمة النقد .
بينما تحسب الزكاة على الوعاء بعد طرح نفقات الحاجات الأصلية وكذلك طرح الديون الحالة ، وأن يصل الوعاء بعد ذلك النصاب والمحسوب على أساس أوزان / كميات / معايير / حسب نوع الزكاة ، وتتغير قيمة هذا النصاب بتغير القوة الشرائية للنقد .
وهذا الاختلاف بدورة يحتاج إلى التوفيق بين الزكاة والضريبة ، كما يمكن الاستفادة من منهج الزكاة فى ربط الإعفاء الأعباء العائلية بالتغير فى القوة الشرائية .
4 ـ من أسس التحاسب الضريبى الإقليمية والنوعية حيث يمكن أن يوجد للممول الواجب أكثر من ملف ضريبى : ملف للضريبة على الأرباح ، وملف ثانى لضريبة التمغة ، وملف ثالث للضريبة العامة على المبيعات .. وهكذا وهذا يسبب العديد من المشكلات ويزيد من نفقات الجباية .
بينما تقوم محاسبة الزكاة على حصر أموال المزكى ذات النصاب والسعر والحول فى وعاء واحد حتى ولو كان بعضها مستثمر خارج الوطن ويحاسب المزكى أمام محاسب زكوى واحد وفى هذا تحقيقاً للتيسير وقلة نفقات الجباية .
وبذلك يمكن الاستفادة من أسس التحاسب الزكوى فى تطوير إجراءات التحاسب الضريبى .
5 ـ يعتبر سعر بعض الضرائب مرتفعاً إذ يصل إلى نسبة 40% من الدخل بخلاف ضريبة المبيعات ، وهذا يسبب مشاكل شتى من بينهما مشكلة التهرب الضريبى وزيادة العبء الضريبى ولاسيما على الفقراء .
وبذلك يمكن الاستفادة من أسعار الزكاة فى إعادة النظر فى تخفيض أسعار الضرائب .
6 ـ تخضع الأصول الرأسمالية للضريبة الجمركية ثم لضريبة المبيعات ، كما تخضع الأرباح الرأسمالية فى بعض الأحيان للضريبة ، وفى هذا مساس للقوة الإنتاجية للوحدة الاقتصادية كما يسبب ارتفاعاً فى التكاليف .
بينما تعفى الأصول الرأسمالية من الزكاة ويطلق عليها عروض القنية ، وفى هذا تشجيعاً على التطوير والتوسع الرأسمالى .
ويمكن الاستفادة من هذه المعالجة الزكوية فى علاج العديد من المشكلات الضريبية المتعلقة بالأصول الرأسمالية .
7 ـ يطبق التشريع الضريبى مبدأ التكلفة التاريخية أو التكلفة أو السوق أيهما أقل عند التحاسب الضريبى بالرغم من التغير فى قيمة النقد ، ويسبب ذلك مساساً بالقيمة الفعلية لرأس المال .
بينما يطبق التشريع الزكوى مبدأ التكلفة الاستبدالية أو السوقية وفى ذلك المحافظة على رأس المال ، فعلى سبيل المثال تقوم عروض التجارة والصناعة والأنعام والزروع والثمار عند قياس وعاء الزكاة على أساس القيمة السوقية وقت حلول الزكاة .
ويمكن أن تساهم أسس التقويم على أساس القيمة السوقية المطبقة فى زكاة المال فى علاج العديد من مشكلات الضرائب المعاصرة .
تعقيب .
يتضح من الأمثلة السابقة وجود اختلافات جوهرية بين أسس التحاسب الزكوى وأسس التحاسب الضريبى وعليه يوجب التوفيق بينهما لتحقيق المساواة بين المسلمين وغير المسلمين من ناحية ، كما تفتح الآفاق نحو الاستفادة من أسس الزكاة فى علاج العديد من المشاكل الضريبية المعاصرة من ناحية أخرى .
( 3 / 4 ) ـ منهج ومقومات تطبيق نظام الزكاة ونظام الضرائب فى مجتمع معاصر.
نرى أن المنهج الذى يجب أن نطبقه عند الانتقال من نظام الضرائب البحت إلى نظام زكاة المال ونظام الضرائب معافى مجتمع معاصر هو التدرج ، وأساس ذلك أن النظام الضريبى من النظم الاجتماعية التى اعتاد الناس عليه ردحاً طويلاً من الزمان ويصعب فجأة تطبيق نظام الزكاة معه بدون تهيئة وإعداد ، ولنا فى منهج القرآن وهدى الرسول r أسوة فلقد تم الانتقال من نظام الاستثمار الربوى إلى نظام الاستثمار الإسلامى على أربعة مراحل ، كما تم تحريم شرب الخمر على أربعة مراحل كذلك .
لذلك يلزم تطبيق منهج التدرج عند تطبيق نظام الزكاة ونظام الضرائب فى مجتمع معاصر .
كما يجب أن يتم من الآن العمل على تحقيق المقومات الثلاثة الآتية ([5]) :
1 ـ إعداد لائحة تنفيذية لتشريع زكاة المال بالتوفيق مع التشريع الضريبى .
2 ـ إعداد الأجهزة التنفيذية التى سوف تتولى عملية تطبيق نظام زكاة المال مع نظام الضرائب .
3 ـ تهيئة أفراد المجتمع بكل الأساليب المشروعة لتطبيق نظام زكاة المال مع نظام الضرائب .
ويضيق المقام لمناقشة هذه المقومات بشىء من التفصيل حيث تحتاج إلى دراسة مستقلة ولكن فى هذا المقام يتطلب الأمر الإشارة إلى :
1 ـ إيقاف إصدار أى تشريع ضريبى يتعارض مع فقه زكاة المال وأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية بصفة عامة .
2 ـ إعادة النظر فيما يدرس فى كليات ومعاهد ومدارس التجارة بحيث يتواءم مع التطبيق المعاصر لزكاة المال والنظم المالية الإسلامية الأخرى ونظام الضرائب .
3 ـ إنشاء مراكز متخصصة لتطبيق اللائحة التنفيذية لزكاة المال والنظم المالية الإسلامية الأخرى ونظم الضرائب .
4 ـ إعداد النظم والنماذج الزكوية .. وغير ذلك مما يلزم لعملية التطبيق .
5 ـ إعداد التنظيم الإدارى على مستوى القرية والمدينة والمحافظة والدولة اللازمة للتطبيق .
( 2 / 5 ) ـ مسائل عامة تحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث عند تطبيق نظام الزكاة ونظام الضرائب فى مجتمع معاصر .
هناك العديد من القضايا والمسائل العامة التى يلزم أن تدرس جيداً أو توضع لها الضوابط الشرعية والإدارية والمالية عند تطبيق نظام الزكاة ونظام الضرائب فى مجتمع معاصر من أهمها ما يلى :
1 ـ مسألة تقسيم الموازنة العامة للدولة إلى :
ـ موازنة زكاة المال ( إيرادات ومصارف الزكاة ) ( موازنة الضمان الاجتماعى ) .
ـ *الموازنة العامة ( الإيرادات والنفقات الأخرى العامة ) .
2 ـ مسألة المساواة فى المعاملة بين المسلمين غير المسلمين بشرط عدم التمييز بين مسلم وغير مسلم .
3 ـ مسألة وضع أسس لحساب الزكاة والفرائض المالية الإسلامية الأخرى على المسلمين وغير المسلمين .
4 ـ مسألة ضبط المعاملات المالية المختلفة مع العالم الخارجى ولاسيما فيما يتعلق بالضرائب والرسوم الحكومية .
5 ـ وضع أساليب تدبير العجز فى الموازنة العامة للدولة فى ظل تطبيق نظام زكاة المال ونظام الضرائب .
6 ـ وضع أسس وإجراءات معالجة المشكلات الضرائبية المتراكمة من سنوات سابقة بين الممولين ومصلحة الضرائب للتهيئة للإطار الجديد المقترح .
تعقيب
يتضح من التحليل السابق أنه يمكن تطبيق أحكام وأسس حساب زكاة المال على المسلمين ، قوانين وأسس حسب الضريبة مع غير المسلمين فى مجتمع معاصر دون أن يحدث أى ظلم على طرف على حساب الطرف الآخر ، وبدون أى تمييز بينهما بسبب العقيدة .
ولقد تمكنت العديد من الدول العربية والإسلامية المعاصرة فى تحقيق التنسيق والتكامل والتوفيق بين نظامى الزكاة والضرائب معاً ولم يحدث أى مشكلات ، بل ساهمت الزكاة فى علاج العديد من المشكلات الضريبية المعاصرة.
وتبذل جمهورية مصر العربية المتحدة فى هذه الآونة جهوداً لاستصدار قانون الزكاة ليعمل بجوار نظام الضرائب المعاصر ليساهم بدوره فى تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية ، وندعو الله أن ييسر الأمور ويصدر القانون حتى يتحقق الخير للجميع .
لقد ناقشنا فى هذا البحث منهجية وأسس التكامل والتوفيق بين نظامى الزكاة والضرائب فى مجتمع معاصر وبيان دور الزكاة فى معالجة عيوب وثغرات ومشكلات نظام الضرائب ولقد خلصنا إلى مجموعة من النتائج من أهمها ما يلى :
أولاً : أن الإسلام ليس مسئولاً عن معالجة مشكلات ناجمة عن تطبيق القوانين والنظم الضريبية الوضعية ولكن يمكن أن يساهم بدور فعال عندما يكون هناك توفيقاً بين نظامى الزكاة والضريبة فى إطار أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية .
ثانياً : هناك بعض أوجه التماثل بين نظامى زكاة المال والضريبة ، ولكن هناك فروقاً جوهرية تتركز حول الجوانب الإيمانية والأخلاقية والسلوكية والفقهية للزكاة ، والتى تؤكد أن الضريبة ليست زكاة ، وأن الزكاة ليست ضريبة ، ولكن يمكن التكامل والتوفيق بينهما فى مجتمع معاصر حيث يوجد به مواطنون مسلمون وغير مسلمين.
ثالثاً : انبثاقاً من القاعدة الشرعية المتعلقة بغير المسلمين وهى : " لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا " ، تفرض عليهم ضريبة وفقاً لأسس معينة تورد حصيلتها إلى الدولة لينفق منها على المصالح العامة ، ولا يوجد فى فقه ومحاسبة الزكاة ما يمنع من أنها تحسب كما تحسب زكاة المال .
رابعاً : يعتبر منهج التدرج فى رأى الباحث أفضل المناهج للانتقال من نظام الضرائب المعاصر البحت ، إلى نظام يجمع بين الزكاة والضرائب طبقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ، حيث تطبق الزكاة على المسلمين ، وتطبق الضريبة على غير المسلمين ، وإذا كان هناك عجز فى ميزانية الدولة يمكن فرض ضريبة على الأغنياء من المسلمين ومن غير المسلمين وفقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية .
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .


التوصيات


التوصية الأولى .
إعادة النظر فى التشريع الضريبى المصرى بصفة عامة ونظام الضرائب على الدخل بصفة خاصة بحيث يتمشى مع نظام زكاة المال ضمن إطار خطة وبرنامج زمنى للانتقال من نظام الضرائب إلى نظام يجمع بين الزكاة والضريبة ، مع عدم التمييز بين المسلم وغير المسلم من حيث الأعباء المفروضة عليهم طبقاً للقاعدة : لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
التوصية الثانية .
تدريس علم زكاة المال والنظم المالية الإسلامية فى الجامعات المصرية أسوة بما هو مطبق الآن فى جميع الجامعات العربية حتى تواكب جامعاتنا تلك الجامعات وحتى يمكن تخريج أجيالاً قادرة على تطبيق نظامى الزكاة والضرائب ، وهذا الأمر ليس غريباً حيث يدرس فى كليات الحقوق مادة الشريعة الإسلامية للمسلمين ولغير المسلمين .
التوصية الثالثة .
تشجيع البحوث والدراسات فى الجامعات والمعاهد وغيرها فى مجال الفكر المالى والمحاسبى الإسلامى .
لمزيد من التفصيل عن موضوع الزكاة والضرائب فى مجتمع معاصر يمكن الرجوع إلى المراجع الآتية :
أولاً : مراجعة على فقه الزكاة .
u بيت الزكاة الكويت : " فتاوى الزكاة " ، الطبعة الثالثة ، 14113هـ / 1985م .
u بيت الزكاة بالكويت : " فتاوى مؤتمرات الزكاة ، قضايا الزكاة المعاصرة .
u الهيئة الشرعية العالمية ومقرها الكويت : " فتاوى ندوات الزكاة " .
u مركز صالح عبد الله كامل : " مؤتمر التطبيق المعاصر للزكاة " ، جامعة الأزهر ، 1998م .
u د . عبد الستار أبو غدة ود. حسين حسين شحاتة : " فقه ومحاسبة الزكاة " ، من مطبوعات دلة البركة الطبعة الأولى 1415هـ / 1995م .
u د . عبد الستار أبو غدة ود. حسين حسين شحاتة : " حالات تطبيقية على فقه ومحاسبة الزكاة " ، بيت الزكاة الكويت ، الدورات التدريبية للشركات والهيئات والمؤسسات ، 1417هـ .
u د . يوسف القرضاوى : " فقه الزكاة " بيروت ، مؤسسة الرسالة ، طبعات مختلفة .
u د . يوسف قاسم : " خلاصة أحكام زكاة التجارة والصناعة فى الفقه الإسلامى " ، دار النهضة العربية ، 1400هـ / 1980م .
u يوسف كمال : " فقه الاقتصاد العام " ، بدون ناشر ، 1410هـ / 1990م .
ثانياً : مراجع على محاسبة الزكاة .
u د . حسين شحاتة : " محاسبة الزكاة فكراً وتنظيماً وتطبيقاً " دار التوزيع والنشر الإسلامية ، طبعة 1987م .
u د . حسين شحاتة : " التطبيق المعاصر للزكاة " ، دار النشر للجامعات ، مصر ، 1421هـ / 2000م .
u د . سامى رمضان : " محاسبة الزكاة فقهاً وتطبيقاً " ، من مطبوعات كلية التجارة ، جامعة الأزهر ، القاهرة ، 1414هـ / 1994م .
u د . سامى نجدى رفاعى : " المحاسبة عن الزكاة "، المكتبة العالمية ، القاهرة ، مصر ، 1991م .
u د . عثمان سلطان السلطان : " الزكاة تطبيق محاسبى معاصر " ، دار المريخ ، الرياض ، 1406هـ .
u د . شوقى إسماعيل شحاتة : " تنظيم محاسبة الزكاة فى التطبيق المعاصر " ، دار الزهراء للإعلام العربى ، القاهرة ، 1408هـ .
u د . عثمان حسن عبد الله : " الزكاة : الضمان الاجتماعى الإسلامى " ، دار الوفاء ، 1409 هـ .
u د. عصام الدين محمد متولى : " محاسبة الزكاة : أصولها العلمية والعملية " ، دار النهضة العربية ، القاهرة .
u د . عصام عبد الهادى أبو النصر : " الإطار الفقهى والمحاسبى للزكاة " ، 1999م ، بدون ناشر .
u د . محمد كمال عطية : " دليل الزكاة " ، الطبعة الأولى ، 1411هـ / 1991م من مطبوعات الاتحاد الدولى للبنوك الإسلامية .
u مركز صالح عبد الله كامل : " ندوة التطبيق المعاصر للزكاة " ، 1999م .
أولاً : الكتب : ( مرتبة حسب تواريخ نشرها ) .
u " محاسبة الزكاة : فكراً وتنظيماً وتطبيقاً " ، دار التوزيع والنشر الإسلامية ، القاهرة ، 1987م .
u " دليل المحاسبين للزكاة " ، مكتبة التقوى ، مدينة نصر ، القاهرة ، ت : 2872819 ، ( بالمشاركة مع أ . د عبد الستار أبو غدة ) .
u " فقه ومحاسبة الزكاة للأفراد والشركات " ، مجموعة دلة البركة ، جدة ، 1415هـ ( بالمشاركة مع أ . د عبد الستار أبو غدة ) .
u " التطبيق المعاصر للزكاة : كيف تحسب زكاة مالك " ، دار النشر للجامعات ، القاهرة ، 1421هـ .
u " فقه ومحاسبة زكاة الفطر " ، دار الكلمة بالمنصورة ، 1419هـ .
u " دليل حساب زكاة المهن الطبية " ، سلسلة التطبيق المعاصر للزكاة ، مكتبة التقوى ، مدينة نصر ، القاهرة ، ت : 2872819 .
u " دليل حساب زكاة المقاولات والاستثمارات العقارية " ، سلسلة التطبيق المعاصر للزكاة ، نفس الناشر السابق .
u " دليل حساب زكاة المؤسسات المالية ( البنوك ـ التأمين ـ صناديق الاستثمار ـ … ) ، سلسلة التطبيق المعاصر للزكاة ، نفس الناشر السابق .
ثانياً : الأبحاث والدراسات : ( مرتبة حسب تواريخ نشرها ) .
u " التطبيق المعاصر لزكاة المال " ، مجلة الاقتصاد الإسلامى ، 1403هـ ، 1984م .
u " أصول القواعد المحاسبية للتنظيم المحاسبى لزكاة المال بين الفكر والتطبيق " ، بحث مقدم إلى ندوة مالية الدولة فى صدر الإسلام ، جامعة اليرموك ـ الأردن ، إبريل 1987م .
u " المنهج الإسلامى لمعالجة المشكلات الضريبية فى ضوء زكاة المال " ، بحث مقدم إلى المؤتمر الضريبى الرابع ، كلية الحقوق جامعة الزقازيق ، فبراير 1990م .
u " منهج وسبل التحول من نظام الضرائب الوضعية إلى نظام زكاة المال " ، مجلة الاقتصاد الإسلامى ، 1411هـ ، 1990م .
u " حساب الزكاة للمصارف الإسلامية : التنظيم والتطبيق " ، دراسة معدة لحولية البركة عن الفكر المصرفى الإسلامى ، يونيو 1997م .
u الأصول المحاسبية المعاصرة لتقويم عروض التجارة " ، دراسة مقارنة إلى الهيئة الشريعة العالمية للزكاة ـ دولة الكويت ، الندوة السابعة ، 1997م .
u " زكاة الاستثمارات فى الأوراق المالية وصناديق الاستثمار " ، بحث مقدم إلى مركز صالح عبد الله كامل / جامعة الأزهر، القاهرة ، عن صناديق الاستثمار فى مصر : الواقع والمستقبل / مارس 1997م .
u " موجبات التطبيق الإلزامى للزكاة ، أهميته وآثاره " ، دراسة مقدمة إلى دورة الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة ، تنظيم المعهد الإسلامى للبحوث والتدريب ، البنك الإسلامى للتنمية ـ المنعقدة فى لبنان ، جمادى الآخر 1418هـ ، أكتوبر 1997م .
u " التخطيط المالى وإعداد الموازنات التقديرية لصناديق الزكاة " ، نفس المصدر السابق .
u " موجبات وضوابط إنشاء بيت الزكاة " ، مجلة الاقتصاد الإسلامى ، العدد 196 ، ربيع الأول 1417هـ / يوليو 1997م .
u " التطبيق المعاصر لمحاسبة الزكاة : كيف تحسب الزكاة على الأموال والأنشطة المعاصرة " ، المعهد الإسلامى للبحوث والتدريب ، دورة اليمن ، 1989م .
uuuuuuuuuuuuuuuuuuu
u تطلب الكتب والأبحاث السابقة من الدكتور حسين حسين شحاتة .
u العنوان : القاهرة ، مدينة نصر ، الحى الثامن ، 2 شارع هشام لبيب ، متفرع من نهاية شارع مكرم عبيد بعد تقاطع مصطفى النحاس .
u تليفونات : مكتب : 2872819 ـ منزل 4041171 ـ محمول 1504255/010
u فاكسات : ف 2872819 ـ 4041171
******************************************




([1]) ـ من مؤيدى هذا الرأى الإمام الغزالى والإمام الشاطبى ، لمزيد من التفصيل يرجع إلى الدكتور القرضاوى : " فقه الزكاة " ،جـ 2 ،صـ 1076


([2]) ـ يوسف محمد كمال : " فقه الاقتصاد العام " ، الناشر المؤلف ، الطبعة الأولى ، 1410هـ / 1990م ، صفحة 426 وما بعدها .
ـ صلاح سلطان : " سلطة ولى الأمر فى فرض وظائف مالية " ، دار هجر ، 1409هـ


([3]) ـ د . يوسف القرضاوى : " فقه الزكاة " ، مرجع سابق ، صـ 1118 ، 1119 .


([4]) ـ لمزيد من التفصيل يرجع إلى :
ـ د. حسين حسين شحاتة : " التطبيق المعاصر للزكاة " ، دار النشر للجامعات ، 1999م ، صفحة 56 وما بعدها .


([5]) ـ د . حسين حسين شحاتة : " محاسبة الزكاة : مفهوماً ونظاماً وتطبيقاً " ، مرجع سابق ، صفحة 283 .