المنهج الإسلامــى
لتشخيص ومعالجة الأزمات فى سوق الأوراق المالية
إعداد
دكتور حسين حسين شحاته


المحتويات:
* تمهيـــد .
* طبيعة المعاملات فى سوق الأوراق المالية .
* تشخيص أسباب الأزمات فى سوق الأوراق المالية من منظور إسلامى .
* المنهج الإسلامى لمعالجة الأزمات فى سوق الأوراق المالية .
* حاجة المسلمين إلى سوق أوراق مالية إسلامية .
* خلاصـة الدراســـة .
* قائمة المراجــع المختارة .




























المنهج الإسلامـــــى
لتشخيص ومعالجة الأزمات فى سوق الأوراق المالية
* تمهيــد :
يقول الله تبارك وتعالى " فإما يأتينكم منى هدى ، فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكرى وفإن له معيشة ضنكـا " ( طه : 123 ــ 124 ) ، ويقول رسول الله r :" تركت فيكم ما إن تمستكم به لن تضلوا بعدى أبدا ، كتاب الله وسنتى " ( متفق عليه ) ، ويعنى ذلك أن من ينحرف عن شرع الله عز وجل سيكون حاله عاجلاً أو آجلاً الضلال والشقاء والبؤس والهلاك ، وهذا من سنن الله عز وجل وآياته البينات .
ونموذج إنهيار النظام الاقتصادى الاشتراكى ليس منا بعيد والذى كان يتحدى شرع الله ومنهاجه ، حيث كان يقوم على قتل الحافز على التملك والربح كما كان يعتمد على التسلط على أرزاق الناس وسبلهم الحرية والعدالة فضلا عن ذلك كان يتعامل بالربا وعدم إتقان العمل .
كما تنبأ معظم كتاب وعلماء النظام الإقتصادى الرأسمالى بانهيار إن لم يصوب ما به من أخطاء ومن أخطرها : التعامل بالربا والإحتكار والتكتلات والمكوس والغش والتدليس والمقامرة وكافة صور أكل أموال الناس بالباطل ومنها تسلط القوى على الضعيف .
والأزمة الأقتصادية فى دول شرق أسيا ، ولاسيما فى سوق الأوراق المالية ، أحد صور أزمات النظام الإقتصادى الرأسمالى ، حيث أن معظم المعاملات فى تلك الأسواق تتم على أسس مخالفة لمفاهيم أسس الإقتصاد الإسلامى مثل : المعاملات الوهمية الورقية ، والمقامرات والمراهنات ، وبيع مالا يملك ، ( بيع المبيع قبل تملكه وقبضه ) وكذلك عمليات الإختيارات والمستقبليات التى تقوم على بيع الدين بالدين والمقامرة وطغيان كبار المتعاملين وسيطرتهم على المعاملات ، وكذلك تدخل المنظمات الصيهونية واليهودية لابتزاز أموال الناس بالباطل والتدخل فى شئونهم السياسية .
ولقد ظهرت الحاجة إلى انقاذ دول العالم الاسلامى من مثل هذه المخططات وانشاء سوق أوراق مالية اسلامية .
وتتناول هذه الدراسة بايجاز طبيعة المعاملات فى سوق الأوراق المالية ، ثم بيان وتشخيص الأسباب الرئيسية التى تسبب الأزمات فيها ، يلى ذلك عرض المنهج الإسلامى لمعالجة تلك الأزمات ، ويختص الجزء الأخير منها ببيان موجبات إنشاء سوق أوراق مالية إسلامية لحماية أموال المسلمين لتكون لخير المسلمين .
* طبيعة المعاملات فى سوق الأوراق المالية :
تقسم الأسواق المالية بصفة عامة إلى أنواع عدة منها على سبيل المثال : الأسواق العقارية ، والأسواق الزراعية ، والأسواق الصناعية ، وأسواق التمويل ، وأسواق الصرف ، وأسواق النقد وأسواق الأوراق المالية 000 وغير ذلك ، وتسمى السوق باسم موضوع التعامل فيها .
وسوق الأوراق المالية ويطلق عليها البورصة تختص باصدار وتداول الأوراق المالية مثل : الأسهم بأنواعها ، والسندات بأنواعها ، والصكوك بأنواعها ، وشهادات الايداع والاستثمار بأنواعها ، ولكن أغلب الأوراق المتعامل فيها عالميا هى : الأسهم والسندات ، ولقد أجاز الفقهاء التعامل فى الأسهم إذا كانت الشركة المصدرة لها تعمل فى مجال الحلال ، أما السندات فهى تقوم على القرض بفائدة والفائدة ربا محرم .
ومن أهم مقاصد سوق الأوراق المالية هى تهيئة عرض وطلب الأوراق المالية لإنجاز عمليات الإصدار والشراء والبيع والوساطة وفق ضوابط معينة لتجنب الإحتكار والغرر والتدليس والمقامرة ولتحقيق إنسياب الأموال لتمويل المشروعات لتحقيق التنمية الإقتصادية وهذا مشروع إذا كان يتم وفق الضوابط الشرعية للمعاملات فى الأسواق على النحو الذى سوف نوضحه بعد قليل .
ومن أهم المعاملات التى تتم فى سوق الأوراق المالية مايلــى :
أولاً : العمليات الناجزة أو العاجلة على الأوراق المالية التى تصدرها الشركات والمنشآت والهيئات والحكومات ( البيع والشراء النقدى ) وهذه جائزة بشرط أن يكون نشاط تلك الجهات المصدرة لها حلالا وأن لا يكون العائد على الورقة فى صورة فائدة ثابتة كما هو الحال فى السندات .
ثانيـاً : العمليات الآجلة على الأوراق المالية ومنها على سبيل المثال :
(1) ــ الشراء الجزئى : ومؤداه أن يدفع المشترى جزءاً من الثمن ، ويعقد عقد قرض ببقية الثمن من السمسار ، فهما عقدين فى آن واحد عقد شراء وعقد قرض ، وهذا غير جائز شرعـاً لأن رسول الله r نهى عن إشتراط بيع وسلف .






(2) ــ البيع على الكشوف : ومؤداه أن يتم على الورقة المالية عدة بيوعات وهى فى ذمة صاحبها الأول دون أن يجوزها المشترين ـ فهذه بيوع وهمية ورقية بهدف الإستفادة من فروق الأسعار ، وهذا من المقامرة التى نهى الشرع عنها حيث أن رسول الله r نهى عن بيع ما ليس عندك .
(3) ــ عقود الإختيارات : ومؤداها أن تتم عمليات شراء أو بيع على ورقة مالية معينة فى تاريخ لاحق بسعر معين يحدد وقت التعاقد ، وهى غير جائزة لأنها تقوم على المقامرة ، حيث ينتظر البائع أو المشترى حظة من تقلبات الأسعار ، ولقد نهى رسول الله r عن بيع العربون ، وبيع الكالئ بالكالئ ( بيع الدين بالدين ) .
(4) ــ عقود المستقبليات : ومؤداها أن يتم التعاقد على بيع وشراء ورقة معينة على أن يتم التنفيذ فى تاريخ لاحق ، بدون دفع ثمن أو تسليم البيع ، وهذه البيوع غير جائزة لانها تقوم على بيع ما ليس عندك وبيع الكالئ بالكالئ .
وتتأثر المعاملات فى سوق الأوراق المالية بالعديد من العوامل من أخطرها مايلى:ــ
- طبيعة الأوراق المالية موضوع التعامل فى السوق .
- الوسطاء فى سوق الأوراق المالية مثل : شركات السمسرة ، وصناديق الأستثمار .
- فئات المتعاملين فى سوق الأوراق المالية ( كبار المتعاملين وصغار المتعاملين ) .
- العوامل النفسية للمتعاملين من حيث التشاؤم والتفاؤل .
- الإشاعات المغرضة لتحقيق مآرب شخصية أو سياسية خاصته على حساب إضرار الغير.
- تدخل المؤسسات المالية والنقدية العالمية لتحقيق مآرب سياسية ضارة .
والآلية السابقة للمعاملات فى سوق الأوراق المالية تسبب أزمات كما حدث سنة 1929 وسنة 1987 ، وسنة 1997 وهذا يحتاج إلى تشخيص لأسباب تلك الأزمات التى تحدث فى سوق الأوراق المالية من منظور إسلامى ، مع التركيز على الأزمة التى حدثت فى أسواق الأوراق المالية فى دول شرق أسيا أخيرا ، وعرض المنهج الإسلامى للعلاج وتجنب تكرار تلك الأزمات فى المستقبل ، وهذا ما سوف نتعرض له فى الصفحات القادمة




* تشخيص أسباب الأزمات فى سوق الأوراق المالية من منظور إسلامى :
من المعالم الأساسية التى تسبب إنهياراً فى سوق الأوراق المالية المقامرات والمضاربات والتعامل بالربا والاحتكار والتدخلات السياسية ويحتاج ذلك الإجمال إلى تفصيل وتفسير من المنظور الأسلامى لعل الناس يتعظون أو يهتدون ويرجعون إلى الإلتزام بشرع الله عز وجل .
من أهم أسباب تلك الأزمات وينطبق على أزمة سوق الأوراق المالية فى دول شرق أسيا ( ماليزيا وأندونسيا وتايلاند وهونج كونج ) ما يلــى :
( 1 ) - سيطرة أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة فى الأسواق المالية وهذا يمكنهم من التأثير المخطط لإحداث ضرر جثيم بصغار المتعاملين ولاسيما إذا كان يدعم هؤلاء الطغاه مؤسسات مالية يهودية صهيونية حاقدة ، وتؤكد كل الدراسات التى تمت أن جورج سورس اليهودى كان من بين أسباب الأزمة فى دول شرق أسيا .
وتعتبر هذه السيطرة نوع من أنواع الاحتكار التى نهى الشرع عنها ودليل ذلك قول رسول الله r : " المحتكر ملعون " ( رواه بن ماجه ) وقال r : " لايحتكر إلا خاطئ " ( رواه مسلم ) .
( 2 ) - المعاملات الربوية ومن صورها فى سوق الأوراق المالية التعامل بالسندات بفائدة ثابتة ، وبدل التأجيل فى العمليات الآجلة وشرط الفسخ ، فعندما يعجز المدين مثلا عن سداد الفائدة أو رد قيمة السند فى ميعاد استحقاقه تروج الشائعات حول تلك الأوراق فينخفض سعرها وتنهار وينهار معها المؤسسة أو الشركة أو الحكومة الصادرة لتلك السندات ، ويترتب على ذلك ضياع أو تبديد وأكل أموال الناس بالباطل .
والإسلام يحرم التعامل بالربا ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالـى " وأحل الله البيع وحرم الربا " ( البقرة ـ275 ) ، ويقول الرسول r : " لعن الله آكل الربى وموكله وشاهديه وكاتبه : وقال : هم سواء " ( رواه الخمسة ) ، ولقد صدر عن مجمع الفقة الأسلامى بجدة فى مؤتمره السادس : " تحريم التعامل فى السندات مهما كان نوعها أو شكلها .


وفى حالة الشراء الجزئى أو البيع على المكشوف ، ويعجز المشترى عن سداد ما عليه من دين بفائدة وينخفض سعر الورقة ، فلا يجد بداً من التخلص منها بأى ثمن وهذا بدوره يقود إلى سلسلة من المضاعفات تقود إلى الانخفاض الشديد فى الأسعار بدون مبرر اقتصادى أو استثمارى وهذا بسبب المعاملات الآجلة بقروض ربوية .
( 3 ) - الشائعات المغرضة التى لا أساس لها من الحقيقة والتى غايتها إحداث أضرار جثيمة بالمتعاملين ، وبالسوق ، وبالاقتصاد القومى ، والتى يقوم بها عصابة من كبار المتعاملين فى الأسواق بتخطيط وتنظيم دقيق مدعم من قبل المنظمات المالية الصهيونية ومافى حكمها وقد يكون لبعضها مآرب سياسية خبيثة ، فعلى سبيل المثال : تصدر شائعة بوجود خسارة فى شركة ما 000 فينهار سعر أسهمها ، أو يقال أنه يتوقع وجود عجز فى ميزانية دوله كذا 000 فينهار سعر صكوكها أو سنداتها ، أو يشاع أن هناك إحتمال أن تقوم الدولة بتخفيض عملتها ، وهكذا 000 والاسلام يرفض هذه الشائعات بل هى أشد من الفتنة وصدق الله إذ يقول : " ولا تطع كل حلاف مهين ، هماز مشاء بنميم " ( القلم 10ـ11 ) ويقول الله عز وجل فى وصف اليهـــــــــــــود " سماعون للكذب أكالون للسحـــــــــــت " ( المائدة : 42 ) .ويقول الرسول r : " ثلاثة لاينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : المسبل ، والمنان ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " ( رواه مسلم ) ويقول الرسول صلىالله عليه وسلم : " كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق ، وأنت له به كاذب "( رواه أحمد وأبو داود) .
( 4 ) - المقامرات القائمة على الغرر والتدليس والكذب والغش ، والأوهام والتخيلات والتوقعات 000 فكل متعامل سواء كان مشترياً أو بائعاً يربط حظه بتقلبات الأسعار المتوقعة ، فهذا من أنواع القمار الذى نهى الشرع عنه ، كما أن معظم المعاملات فى سوق الأوراق المالية لا تقوم على القبض الفعلى حسب ضوابط الفقه الأسلامى حيث يتم بيع بعض الأوراق المالية وهى فى ذمة البائع الأول وقبل أن يحوزها المشترى الأول عدة بيوعات ، وليس الغرض من ذلك إلا قبض أو دفع فروق الأسعار بين البائعين والمشترين غير الفعليين فهذة مقامرة محرمة ، ولقد حرمت الشريعة الاسلامية التدليس بإخفاء معلومات ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى : " ولا تلبسوا الحق بالباطل ، وتكتموا الحق وأنتم تعلمون " ( البقرة : 42 ) ، ويقول عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " ( النساء : 29 ) وهناك أحاديث كثيرة لرسول الله صلىالله عليه وسلم فى هذا الخصوص نذكر منها على سبيل المثال :
" أياكم وكثرة الحلف فى البيع ، فإنه ينفق ثم يمحق " ( رواه مسلم ) .
" المسلم أخو المسلم ، ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعـاً فيه عيب إلا بينـــــــــــه" ( رواه أحمد) .
" من حمل علينا السلاح فليس منـاً ، ومن غشنا فليس منـاً " ( رواه أحمد ) .
" لاتتلقوا الركبان ، ومن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقوم الســــــــــوق " ( متفق عليه ) .
" غبن المسترسل حرام " ( أخرجه الطبرانى ) .
( 5 ) - التدخلات من قبل المنظمات المالية والنقدية العالمية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى للإنشاء والتعمير والتى يسيطر عليهما اليهود والصهاينة والأمريكان وغيرهم والذين يحاولون السيطرة على أسواق المال فى دول العالم الثالث من خلال عملائهم ، وهذا لايحتاج إلى دليل أو برهان ، ولعل تصريحات بعض المسئولين فى هذه المنظمات خير دليل على ذلك .
ولقد تبين من التحليلات السياسية والاقتصادية العالمية ، أنه كان هناك خوف وذعر من النمو الأقتصادى فى دول النمور السبع ، ووجود خلافات بينهم وبين المؤسسات المالية العالمية حول تخفيض قيمة العملة وعلاج العجز فى ميزان المدفوعات وتحجيم التصدير إلى بعض الدول 000 ولقد أدت هذه الخلافات إلى وجوب توجيه ضربه مالية أقتصادية إلى تلك الدول وقد حدث .
( 6 ) - اقتراض الشركات والمؤسسات وغيرهم من البنوك والمؤسسات المالية بفوائد ربوية ، وعندما يحين ميعاد سداد تلك القروض وفوائدها ، ولا توجد سيولة ، تضطر تلك الشركات والمؤسسات إلى التخلص مما قد يكون لديها من أسهم أو سندات صكوك ، فى سوق الأوراق المالية بأى سعر ، ويترتب على ذلك زيادة العرض يعقبه انخفاض فى السعر وينجم عن ذلك خسارة وفوضى واشاعات وحالة تشاؤم فى السوق وهذه الانخفاضات غير حقيقيه وليس لها مبرر اقتصادى وسببها القروض بفائدة .


ولقد حرمت الشريعة الاسلامية القروض بفائدة لأن تلك الفائدة هى عين الربا ومن الأسباب الرئيسية للأزمات وخراب الدمار ، ولقد سبق أن ذكرنا الأدلة الشريعة على ذلك منها قول الله تبارك وتعالى : " يمحق الله الربا ويربى الصدقات ، والله لايحب كل كفار أثيم " ( البقرة : 276 ) ، ويقول الرسول r : " لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه :" ( رواه الامام أحمد ) .
( 7 ) - أحيانا تلجأ بعض الشركات والمؤسسات والحكومات إلى الاقتراض بفوائد من البنوك والمؤسسات المالية العالمية الخارجية ، وهذا يسبب - كما سبق الايضاح فى البند السابق ، أزمات مالية وخسائر باهظة لدى المقترضين ، وتتدخل المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولى ، وتفرض على الدولة المدينة رفع سعر الفائدة ، وهذا بدوره يسبب سلسلة من المضاعفات تؤدى إلى إنهيار فى سوق الأوراق المالية وفى الاقتصاد القومى بصفه عامه .
( 8 ) - من أسباب الأزمات الاقتصادية التشغيل ( التوجيه ) غير الرشيد للأموال مثل الإنفاق على الكماليات والمظهريات والاسراف والتبذير سواء من قبل بعض الشركات والمؤسسات أو من قبل الحكومة وهذا يعتبر تبديدا للأموال من جهه ولايحقق التنمية الحقيقية من أخرى ، ويضاعف من مخاطر ذلك إذا كانت هذه الأموال مقترضة بفوائد ربوية
ولقد حرمت الشريعة الاسلامية الإسراف والتبذير وما فى حكم ذلك ، ودليل ذلك من القرآن قول الله تبارك وتعالى : " ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً " ( الاسراء : 27 ) ، وقوله عز وجل : " إن الله لايهدى من هو مسرف كذاب " ( غافر : 28 ) ، ويقول الرسول r:" كلوا وأشربوا وتصدقوا والبسوا ، مالم يخالطه إسراف أو مخيلـــــــــــة " ( رواه بن جاحه ) .
تعقيب : يتضح من التشخيص السابق لأسباب الأزمات التى تحدث فى سوق الأوراق المالية أن أى نظام إقتصادى وضعى يحمل فى طياته أسباب هدمه ، وهذه النتيجة تفرض مسألة تحتاج إلى دراسة وهى : ما دور الفكر الإسلامى فى معالجة مثل هذه الأزمات ، وهذا ما سوف نتناوله فى الصفحات التالية .






* المنهج الإسلامى لعلاج الأزمات فى سوق الأوراق المالية :
يقوم المنهج الإسلامى لمعالجة الأزمات فى سوق الأوراق المالية على مجموعة من الأسس ( المبادئ ) الستنبطة من فقه المعاملات بصفة عامة وفقه التعامل فى الأسواق بصفة خاصة وتمثل الدستور ( القانون ) المالى الإسلامى الذى يضبط المعاملات فى تلك الأسواق وفى حالة عدم الإلتزام بها تظهر تلك الأزمات .
ومن أهم سبل العلاج مايلــــى :
أولاً : الإلتزام بالقيم الإسلامية فى كل الأمور ومنها المعاملات فى الأسواق ، وكلما كان الإلتزام بالقيم ضعيفا ، كلما كانت هناك فرص لحدوث الأزمات فى المعاملات فى الأسواق ، وتمثل هذه القيم الوجاه أو الوقاء من حدوث الإحتكارات والتدليس والكذب والمقامرة والتعامل بالربا والإسراف والتبذير وليس هذا هو المقام لتناول تلك القيم تفصيلاً ولكن نلخصها فى المجموعات الآتيـــة :
ــ القيم الإيمانية : ومنها إستشعار الخوف من الله والمحاسبة الأخروية .
ــ القيم الأخلاقية : ومنها الصدق والأمانة والأخلاص والعفو والتسامـــح والوسطية والوفاء .
ــ القيم السلوكية : ومنها التعاون والتضامن والأخوة والإستقامة والحلـــم والأناة والرفق .
ولكن قليل من يلتزم بذلك ، وصدق رسول الله ( r ) إذا يقول : " إن التجار يبعثون يوم القيامة فجّاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق " ( رواه الطبرانى ) .
ثانيـاً : تجنب المعاملات الربوية ، سواء كانت فى مجال الديون ( ربا النسيئة ) أو فى مجال البيوع ( ربا البيوع ) ، وتعتبر فوائد الديون وفوائد القروض ، وفوائد السندات من الربا المحرم بأدلة من الكتاب والسنة وجمهور الفقهاء ، كما تعتبر هذه الفوائد كما سبق الإيضاح تفصيـلاً من أسباب حدوث الأزمات الإقتصادية بصفة عامة والأزمات فى سوق الأوراق المالية ، ومن المنظور الإسلامى ، تعتبر هذه الأزمات من أنواع المحق الذى أشار الله إليه فى القرآن الكريم :" يمحق الله الربا ويربى الصدقات " ( البقرة : 276 ) ، كما تعتبر كذلك من الحرب التى هدد الله بها المتعاملين بالربا مصداقا لقوله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا ، فأذنوا بحرب من الله ورسولـــــــــــــــــــه " ( البقرة : 287 ) .


ثالثـاً : تجنب البيوع غير المشروعة ، ومنها ما يتم فى سوق الأوراق المالية مثــــــــــل :
" بيع الغرر " .
" بيع العينـــة " .
" بيع الكالئ بالكالئ " .
" بيع ماليس عندك " .
" بيعتين فى بيعة واحدة "
" بيــع النجـــش " .
" بيع الحاضر للباد " .
" عدم تلقى الركبان " .
" بيــع الوفــاء " .
ولقد سبق أن أوضحنا أن من بين أسباب الأزمات فى أسواق الأوراق المالية أن معظم المعاملات الأجلة تتضمن بيوعا محرمه فى الإسلام وتدخل ضمن البيوع غير المشروعة السابقة .
رابعـاً : تطهير المعاملات من الإحتكار ، سواء كان إحتكار كبار المتعاملين أو إحتكار المؤسسات المالية والنقدية العاملة فى تلك الأسواق ، أو إحتكار الدولة ، ويجب أن تكون هناك منافسة حقيقية لا يشوبها غرر أو جهالة أو تدليس أو مقامرة أو مضاربة أو أى صورة من صور أكل أموال الناس بالباطـــل .
ومن مساوئ الإحتكار وأخطاره الجسيمة أنه يضيق المنافسة ويقضى على صغار المتعاملين ويؤدى إلى تركيز الثروة فى يد فئة قليلة من المتعاملين تكون قادرة على السيطرة على المعاملات فى الأسواق ، ولقد تضمنت الشريعة الإسلامية القواعد والأحكام التى تعالج الإحتكار ومنها تحريم البيوع السابق بيانهــــــــــــــــا فى البند ثالثـاً .
خامسـاً : ضبط وترشيد الإستثمارات نحو المشروعات الضرورية والتى يحتاج إليها الناس جميعاً وفيها منافع لحفظ الدين والعقل والنفس والعرض والمال ، وتجنب توجيه الأموال نحو الإسراف والتبذير ، وعدم إتفاق أى مال لا يقابله عائد مشروع .
ولقد سبق أن بينا أن من أسباب الأزمات فى أسواق الأوراق المالية هو الإتجاه نحو البذخ والسرف والسفه .




* حاجة المسلمين إلى أسواق أوراق مالية إسلامية :
المسلمون فى أنحاء العالم فى أشد الحاجة إلى إنشاء سوق أوراق مالية إسلامية تتوافر فيها الضوابط الشرعية السابقة وهذا من مقاصد الشريعة الإسلامية ليحافظوا على أموالهم التى سوف يسألون عنها يوم القيامــة .
ويتوافر فى الأمة الإسلامية كل مقومات إقامة الأسواق الأوراق الماليــــــة الإسلامية وهــى : ــ
ــ المــــــال : وهذا متوافر ولكن للأسف يستثمر فى غير بلاد المسلمين ويتعرض للمخاطر الجسيمة من قبل المنظمات اليهودية والصهونية .
ــ الأوراق المالية الإسلامية : لقد تمكن رجال الفقه والإقتصاد الإسلامى من صياغة أوراق مالية إسلامية كبديل للأوراق المالية المتداولة والتى لا تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية
ــ الشركات والمنشــآت : التى تصدر الأوراق المالية : عندما تكون فى حاجة إلى تمويل إسلامى وإلى حماية من تلاعب المضاربين والمقامرين .
ــ المؤسسات المالية الإسلامية وصناديق الإستثمار الإسلامية : والتى تستطيع أن تقوم بدور هام فى دعم المعاملات فى الأسواق المالية الإسلامية .
ــ علماء الفقة الإسلامى وخبراء المال والأسواق والإقتصاد الإسلامى : الذين يجمعون بين علوم الفقه والعلوم الفنية التجارية ، لأداء الأعمال الفنية وفق الضوابط الشرعية .
ويجب على أولى أمر المسلمين فى البلاد الإسلامية المبادرة بإنشاء سوق للأوراق المالية الإسلامية وحتى يتم ذلك عليهم أن يطهروا الأسواق القائمة من المعاملات التى تخالف قواعد الشريعة الإسلامية ، ويمكن أن يتم ذلك على النحو التالـــى :
( 1 ) ــ إعادة صياغة القوانين التى تحكم أسواق الأوراق المالية القائمة فى البلاد الإسلامية لتتفق مع قواعد ومبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية .
( 2 ) ــ إصدار أوراق مالية جديدة كبديل للأوراق المالية الحالية والتى تبين أنها مخالفة للشريعة الإسلامية ، وفى الفقه الإسلامى متسع لذلك .
( 3 ) ــ وضع ميثاق لقيم المتعاملين فى أسواق الأوراق المالية الإسلامية ، يتضمن الدوافع والذواجر ( الثواب والعقاب ) حتى يمكن ضمان عدم إنحرافهم عن شرع الله .


( 4 ) ــ وضع ميثاق بين كافة الدول الإسلامية للتعاون والتنسيق بينهم عند التعامل فى أسواق الأوراق المالية الموجودة عندهــم .
( 5 ) ــ التوسع فى إنشاء المؤسسات المالية الإسلامية ( مصارف إسلامية ــ شركات إستثمار إسلامية ــ صناديق إستثمار إسلامية ــ شركات سمسرة إسلامية ..... ) لدعم التعامل فى أسواق الأوراق المالية الإسلامية .


الخلاصــــــــة


لقد تناولنا فى هذه الدراسة التشخيص والتحليل لأسباب الأزمات التى تحدث دائما فى سوق الأوراق المالية مع الإشارة السريعة إلى ما حدث فى أسواق دول شرق آسيا ، ثم عرض المنهج الإسلامى للعلاج والخروج من تلك الأزمات وتجنب تكرارها ، وبيان الحاجة الشديدة إلى إقامة سوق أوراق مالية إسلامية تنضبط بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية .
ولقد خلصت الدراسة إلى بعض النتائج الهامة من أبرزها مايلــى :
أولاً : تقوم معظم المعاملات فى سوق الأوراق المالية ولا سيما العمليات الوهمية والآجلة على : المقامرات والمراهنات وإنتظار الحظ ، والفوائد الربوية وسيطرة فئه قليلة على المعاملات .... وهذا كله كفيل بحدوث الأزمات فيهـــا .
ثانيـاً : تحرم الشريعة الإسلامية : الإحتكار والتعامل بالربا والمقامرات والإشاعات الكاذبة والإقتراض بفوائد وتوجيه الأموال نحو المشروعات التى لا تحقق منفعة معتبرة شرعاً ، وهذا من موجبات تجنب وقوع الأزمات فى الأسواق المالية وغيرها .
ثالثـاً : هناك ضرورة معتبرة شرعـاً فى إقامة سوق أوراق مالية إسلامية لإنقاذ أموال المسلمين من الإبتـزار والضياع بسبب المخططات الصهيونية واليهودية ، كمــــــا يحدث الآن .
رابعـاً : وجوب التعاون والتكامل والتضامن بين أسواق الأوراق المالية القائمة فى الدول الإسلامية وترشيدها وفقـاً لمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية لحين إنشاء سوق الأوراق المالية الإسلامية على مستوى الأمة الإسلامية .
خامساً : يتوافر فى الأمة الإسلامية كل مقومات إنشاء سوق الأوراق المالية وهذه المقومات هى : المال والأوراق المالية الإسلامية والمؤسسات المالية الإسلامية وأهل الإختصاص من الفقهاء والعلماء والخبراء ، وهذه السوق من الموجبات ، فمن لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجــب .


نــــــــــــــــــداء
إلى المتعاملين فى أسواق الأوراق المالية


إلى الاسلام : يا من ترغبون حماية أنفسكم وأموالكم من المخططات الصهيونية واليهودية العالمية التى تسيطر على أسواق الأوراق المالية فى العالم .
إلى الإسلام : يا من ترغبون النجاة من الدخول فى حرب مع الله ورسوله ، وتتجنبوا التعامل بالربا والإحتكار والمقامرات والمراهنات .
أوجه إليكم نداء القرأن : " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم " ( الانفال : 24 ) ، واستجيبوا لتحذير الرسول r الذين يقول :
يا معشر المهاجرين ، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم ، أعـــــــــوذ بالله أن تدركوهن :
* لم تظهر الفاحشة فى قوم قط حتى يعلنوا بها ، إلا فشا فيهم الأوجاع التى لم تكـــــــــــــــن فى إسلافهم .
* ولم ينقصوا المكيال والميزان ، إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان .
* ولم يمنعوا زكاة أموالهم ، إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا .
* ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله ، إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيــــــــــــــأخذ ما بأيديهم .
* ومالم تحكم أ ئمتهم بكتاب الله ، إلا جعل بأسهم بينهم .
( رواه ماجه والبزار البيهى )
والله يقول الحق وهو يهدى السبيل
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات












قائمة المراجع المختارة
لمن يريد اً مزيد اً من المعرفة والمعلومات
عن أسواق الأوراق الماليةمن منظور إسلامى


- د . عطية فياض ؛ " سوق الأوراق المالية فى ، ميزان الفقه الاسلامى " دار النشر للجامعات - مصر ، 1418 1998 م .
- د . على محى الدين القره داغى ؛ " الأسواق المالية فى ميزان الفقه الاسلامى " بحث منشور فى مجلة الاقتصاد الاسلامى - دبى ، الأعداد 130 - 137 .
- مركز صالح عبد الله كامل ، " أزمة البورصات العالمية فى اكتوبر 1997 م الأسباب : النتائج تحليل اقتصاد شرعى " ، سلسلة المنتدى الاقتصادى - المنتدى ( 3 ) - نوفمبر 1997 م .
- د . عبد الستار أبو غدة ، " الاستثمار فى الأسهم والوحدات الاستثمارية " بحث منشور فى مجلة الاقتصاد الاسلامى ، الأعداد : 189 / 190 .