يشهد عالم المال و الأعمال، منذ فترة، جملة من التحولات و التغيرات الناجمة في معظمها عن عديد الأزمات المالية و الاقتصادية، و التي هزت عديد الاقتصاديات خاصة المتقدمة منها. و قد نتج عنها تحقيق بعض الشركات العملاقة مثل: Enron, Woldcom, Parmalat, Lernout & Hauspie …، لخسائر مالية كبيرة، ليس بسبب نشاطات غير شرعية و إنما بسبب الكيفية التي أظهرت من خلالها وضعياتهم المالية. فباعتبار مثل هذه الشركات مسجلة و تتعامل في الأسواق المالية حاولت إظهار أوضاع مالية معاكسة للحقيقة مما أدى إلى فقدان الثقة فيها و كذا في الأسواق المالية مما أدى إلى انصراف المستثمرين عنها.
لقد صاحب مثل هذه النتائج فقدان الثقة في المعلومة أو المعلومات المحاسبية التي تتضمنها القوائم المالية. هذه الأخيرة التي أعدت بطريقة لم تظهر حقيقة الأوضاع المالية للمؤسسات الاقتصادية، و قـد ترتب عن هـذا فقدان المعلومات المحاسبية لأحد عوامل تميزها ألا و هو عامل الجودة.
فبفعل مهنة ما يعرف بمصطلح الهندسة المحاسبية l'ingénierie comptable، و التي تهدف في مضمونها لتحسين الصورة المحاسبية، و الصورة المالية للشركة، بهدف التسويق لتحقيق نتائج مالية جيدة، تعمد الشركات، التي تنشط في الأسواق المالية خاصة، إلى إعداد و تقديم قوائم مالية تظهر وضعيات مالية ايجابية، حتى و لو كان هذا لا يعكس الوضع الحقيقي للشركة. و هنا تجد مثل هذه الشركات نفسها أما قيدين. القيد الأول و يتمثل في ضرورة احترام القواعد القانونية في المعاملات التي تقوم بها. أما القيد الثاني فيتمثل في ضرورة إعطاء صورة ايجابية عن الوضعية المالية، و التي قد لا تعكس الوضع الحقيقي، حتى تستطيع المنافسة.
فهذه الممارسات هي التي تسببت في الفضائح المالية التي مست الشركات المذكورة أعلاه، و أخرى. و للحد من النتائج السلبية لمثل هذه الممارسات، و المتمثلة خاصة في إنتاج و تقديم معلومات محاسبية مضللة، ما جعلها تتميز بانعدام المصداقية و بالتالي ضعف مستوى جودتها، كان الاهتمام بحوكمة الشركات، بالتحديد الاهتمام بربط العلاقة بين الحوكمة، كأحد الأساليب التسييرية الهادفة للحد من الفساد الإداري و المحاسبي، عموما، و الفساد المالي على وجه الخصوص، و تحقيق جودة المعلومات المحاسبية. و هذا بالنظر لمبادئ ومقومات الحوكمة، و المتمثلة خاصة في الإفصاح و شفافية المعلومات المالية، بما يفعل الرقابة الداخلية و الخارجية لمحاربة الفساد و ضمان حقوق الأطراف ذات العلاقة بالشركة، خاصة المساهمين. و هذا ما يؤدي إلى إعادة ثقة المستثمرين بالقوائم و التقارير المحاسبية و المالية.
و عليه، و من خلال هذه الورقة سنحاول التطرق لموضوع الحوكمة أو حوكمة الشركات من الجانب الفلسفي و التنظيمي، و كذا التعرف على المعلومات المحاسبية من حيث المفهوم و الخصائص بما يحقق جودتها، إلى جانب توقيت الإفصاح عنها و توصيلها في الوقت المناسب إلى من يهمه الأمر لاتخاذ القرار المناسب. و هنا ستكون محاولة الربط بين الحوكمة و الدور الذي يمكن أن تقوم به لإنتاج معلومات محاسبية ذات جودة، مع الاستمرار في تحسينها.


I. الإطار الفلسفي و التنظيمي للحوكمة


يعد مصطلح الحوكمة الترجمة الحرفية لمصطلح Corporate Governance، أما الترجمة العلمية لهذا المصطلح، و التي اتفق عليها فهي " أسلوب ممارسة سلطات الإدارة الراشدة ". لقد أصبحت الحوكمة أو حوكمة الشراكات من المواضيع التي تحضى باهتمام الباحثين الأكاديميين و كذا الممارسين على حد سواء، خاصة بعد تعدد و توالي الأزمات و الفضائح المالية و التي مست كبريات الشركات عبر العالم، و التي من أحد أسبابها الفساد المحاسبي و المالي بسبب فشل فرض ضوابط صارمة على مهنة التدقيق كآلية لحوكمة الشركات.
حيث وجهت أصابع الاتهام في الفساد المحاسبي إلى دور مراقبي الحسابات أو المدققين و ذلك على خلفية تأكيدهم على صحة الحسابات و القوائم المالية و ما تحويه من بيانات و معلومات لا تعكس في جوانب عدة منها حقيقة الوضع، كما حدث مع شركة Arthur Anderson، و التي قامت بتقديم تقارير مراجعة مضللة، ما أدى لتعرضها لغرامات مالية و فقدان الثقة في المعلومات المحاسبية. يضاف إلى هذا، كما أشار بعض المتخصصين في الميدان(1) (Christophe GOOSSENS, 2004) اختلال هياكل التمويل و عدم القدرة على توفير التدفقات النقدية اللازمة لسداد الالتزامات المستحقة، و كذا نقص الشفافية و الإفصاح و عدم إظهار المعلومة المحاسبية لحقيقة الوضع المالي للشركة. و قد ترتب عن كل هذا فقدان الثقة في المعلومة المحاسبية التي أصبحت تتميز بعدم المصداقية و بذا فقدت أحد أهم عوامل تميزها ألا و هو جودتها.
و كنتيجة لكل هذه التطورات زاد الاهتمام بحوكمة الشركات، و قد تجلى هذا من خلال مطالبة العديد من المنظمات و الهيئات الدولية بضرورة تطبيقه لإدارة الشركات منها لجنة Cadbury و التي شكلت عام 1992 في بريطانيا، و كانت المهمة التي أسندت لها هي وضع إطار لحوكمة الشركات و ذلك تحت تسمية Cadbury Best Practice. و منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية و التي قامت في عام 1999 بوضع مبادئ حوكمة الشركات. كما قامت لجنة الشريط الأزرق Blue Ribbon Committee، في الولايات المتحدة الأمريكية، سنة 1999 بتقديم مقترحات بخصوص مبادئ و مقومات حوكمة الشركات و آليات التطبيق. و في البرازيل تم إنشاء المعهد البرازيلي لحوكمة الشركات، و كذلك الحال بالنسبة لتركيا و ذلك سنة 2002.
مما تقدم يبرز بشكل جلي الدافع للاهتمام بحوكمة الشركات للحد من الممارسات المحاسبية غير الشرعية و ذات الآثار السلبية على الأداء العام للشركة ككل. و سواء تم تناول الموضوع من حيث العلاقة بالإفصاح المحاسبي أو العلاقة بعملية التدقيق و المدققين، أو تم التعرض لانعكاسات الحوكمة على قرار المستثمرين و بالتالي على أسواق الأوراق المالية، فان كل هذه الأطروحات يجب أن تصل إلى ربط العلاقة بين تطبيق الحوكمة و درجة تأثيرها في مستوى جودة المعلومات المحاسبية. و قبل التطرق لعلاقة الربط بين الحوكمة و جودة المعلومات المحاسبية نحاول التطرق أولا للإطار النظري للحوكمة.


مفهوم حوكمة الشركات


لا يوجد هناك اتفاق عام على مفهوم أو تعريف واحد للحوكمة أو حوكمة الشركات، بل هناك مفاهيم متعددة تعدد توجهات و تخصص من تناولوا هذا الموضوع بالدراسة و البحث. و قد ركزت الدراسات السابقة، و لفترة طويلة، على مدخلين تقليديين لتناول هذا الموضوع، مدخل المساهمين و الذي يهتم بضمان حقوق المساهمين و العمل على تعظيمها و المتمثلة أساسا في الربحية. و مدخل الأطراف ذات العلاقة بالشركة (مديرين، عملاء، عمال، دائنين...) و الذي يهتم بضمان و تحقيق مصالح هؤلاء. غير أن التوجه في الوقت الحالي هو نحو مداخل حديثة لحوكمة الشركات ترتكز على المعارف و الكفاءات(2).
و عليه هناك من يرى الحوكمة بأنها " مجموع القوانين و القواعد التي تحدد العلاقة بين إدارة الشركة و الملاك و أصحاب المصالح "(3).وهو نفس التعريف الذي قدمته منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية، و التي تعتبر الحوكمة بأنها "مجموع من العلاقات فيما بين القائمين على إدارة الشركة و مجلس الإدارة و حملة الأسهم و غيرهم من المساهمين "(4) ، و هي نفس الفكرة التي يقدمها التعريف الموالي و لكن بنوع من التفصيل مقارنة بالتعريف السابق، مع الإشارة إلى آليات العمل لضمان فعالية تطبيق الحوكمة و تحقيق هدف تطوير الأداء، حيث تعتبر حوكمة الشركات بأنها " مجموعة من العلاقات التعاقدية التي تربط بين إدارة الشركة و المساهمين و أصحاب المصالح فيها و ذلك عن طريق الإجراءات و الأساليب التي تستخدم لإدارة شؤون الشركة و توجيه أعمالها من أجل ضمان تطوير الأداء و الإفصاح و الشفافية و المساءلة المالية و الإدارية داخل الشركات بما يحميها من أن تلقى ذات مصير الشركات المنهارة " (5).
من خلال التعاريف السابقة يظهر بأن حوكمة الشركات تهتم أساسا بالإدارة الرشيدة لشؤون الشركة من أجل ضمان الحفاظ على حقوق و مصالح المساهمين و المتمثل في حماية أموالهم و العمل على تنميتها من خلال زيادة العائد. كما تهتم أيضا بمصالح الأطراف الأخرى ذات العلاقة بالشركة من مديرين، عمال، عملاء، دائنين...الخ، و ذلك من خلال توفير المعلومات المحاسبية و المالية الدقيقة في الوقت المناسب و هذا لكل من بهمه الأمر قصد اتخاذ القرارات المناسبة و السليمة.
إلى جانب ما تقدم تضمن التعريفات السابقة للحوكمة تقديم إجابات عن جملة من التساؤلات و التي نورد منها ما يلي:


كيف يضمن المستثمرون أن لا تسيء الإدارة استغلال أموالهم؟
كيف يتأكد المستثمرون من أن الإدارة تسعى لتعظيم ربحية و قيمة أسهم الشركة في الأجل الطويل؟
كيف يتمكن المستثمرون من رقابة الإدارة بشكل فعال؟


و في قراءة معمقة للتعاريف المقدمة يمكن استنتاج بأن الحوكمة أو الحوكمة الشركات يبرز دورها في زيادة كفاءة استخدام الموارد، خاصة المالية منها، و تعظيم قيمة الشركة بما يضمن دعم قدراتها التنافسية في الأسواق، خاصة الأسواق المالية. و هذا سيمكن الشركة من التوسع و النمو. كما تساعد الحوكمة في تحقيق فعالية و كفاءة في الأداء و حماية للممتلكات. من هنا يتضح بأن للحوكمة مجالين، مجال الالتزام بالمتطلبات القانونية و الإدارية لكل الأطراف ذات العلاقة بالشركة. و مجال الأداء بما يتضمن من استغلال للفرص المتاحة و الارتقاء بالأداء العام للشركة.
من هنا يبدو جليا بأن الحوكمة في مضمونها تهدف إلى تطوير الأداء و تحقيق الإفصاح و الشفافية، إلى جانب البحث عن تحقيق الانسجام و التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة ذات العلاقة بالشركة، و ذلك على مستوى بيئة العمل الداخلية و الخارجية. كما تهدف إلى الحد من سيطرة الإدارة و إعطاء صلاحيات أكبر للمساهمين خاصة، من خلال تفعيل الرقابة على الأداء و تدعيم المساءلة بها. كما امتد اهتمامها إلى تنشيط سوق الأوراق المالية. و قد أكدت كل هذا مجموعة من الدراسات نذكر منها: Moerland 2000, Gompers 2001, Eugene 2003, Credit Lynne's Bank 2003، حيث أن الدراسة الأخيرة أكدت وجود علاقة بين الحوكمة و بين تطور الأسواق المالية.
2. مبادئ و مقومات حوكمة الشركات
إن التطبيق السليم للحوكمة أو حوكمة الشركات يتطلب الالتزام بمجموعة من المبادئ التي تشكل القواعد الأساسية للممارسة الإدارية الرشيدة. و قد حددت هذه المبادئ من قبل منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية عام 1999، و تمت إعادة صياغتها عام 2004، و تتمثل هذه المبادئ، و التي حازت على اهتمام عدة هيئات عالمية مثل: بورصة الأوراق المالية بنيويورك، بنك التسوية الدولي، فيما يلي(6):


حقوق المساهمين: و يتحقق هذا المبدأ من خلال ممارسة الحق في تسجيل و نقل ملكية الأسهم، حضور الجمعية العامة و التصويت و انتخاب مجلس الإدارة، الحصول على المعلومات بشكل منتظم و في التوقيت المناسب، ممارسة الرقابة، الحصول على العائد من الأرباح.
المساواة بين المساهمين في المعاملة: و تعني المساواة بين جميع المساهمين، ضمن كل فئة، من حيث ضمان الحقوق السابقة الذكر، و ذلك بتوفير المعلومات اللازمة لهم، و معاملتهم بصورة متكافئة، و تعويضهم في حالات التعدي على حقوقهم.
دور أصحاب المصالح: و هؤلاء هم مالكو السندات، البنوك، الدائنون، الموردون، العملاء، العمال. إذ يجب أن يكون لهؤلاء دور فعال في الرقابة على أداء الشركة، مع ضمان حقوقهم.
الإفصاح و الشفافية: و يتمثل في دقة و شمولية الإفصاح عن المعلومات المرتبطة بالقوائم المالية و كذا أداء الشركة، و ذلك وفقا لمعايير المحاسبة و المراجعة الدولية (IFRS) ، أو القواعد المحاسبية المطبقة. مع ضرورة ضمان توفير قنوات توصيل المعلومات في الوقت المناسب لمستخدميها.
مسؤوليات مجلس الإدارة: و يتمثل هذا المبدأ في ضرورة تحديد هيكل مجلس الإدارة و المهام المسندة للأعضاء، بما فيها توفير المعلومات اللازمة و الموثوق بها، و الالتزام بالقوانين و تحقيق مصالح كافة الأطراف ذات العلاقة بالشركة.


عمليا تحقيق مثل هذه المبادئ يتطلب توفر مجموعة من الدعائم في شكل مقومات أساسية يجب الاعتماد عليها لضمان التطبيق الفعلي و الفعال للحوكمة ضمن الشركات المختلفة، و من هذه المقومات نذكر(7):


توفر القوانين و القواعد المتعلقة بمراقبة و ضبط الأداء الإداري و المالي بالشركة.
تنصيب لجان مهمتها متابعة و تقييم الأداء، بحيث تكون تابعة لمجلس الإدارة منها لجنة المراجعة أو التدقيق الداخلي.
تحديد بدقة المهام و المسؤوليات ضمن الهيكل التنظيمي، خاصة من الناحية الإدارية.
ضرورة تعدد الجهات الرقابية على أداء الشركة، خاصة الأداء الإداري و المالي، و هذا من خلال المساهمين و أصحاب المصالح إلى جانب لجان المراجعة المستقلة، أي التدقيق الخارجي.
ضرورة توفر نظام محكم لوضع و إعداد التقارير من أجل تحقيق الشفافية و توفير المعلومات الدقيقة في التوقيت الملائم.


مما سبق يتضح بأن حوكمة الشركات تحمل في طياتها جملة من العوامل منها ما هو ذو طابع تشريعي كالالتزام بالقوانين و العمل على حماية ممتلكات الشركة، استقلالية مجلس الإدارة و اللجان المختلفة. و منها ما هو ذو طابع أ خلاقي كالانضباط الذاتي، المسؤولية أمام الأطراف المختلفة، و منع المتاجرة و التلاعب بالمعلومات المحاسبية و المالية داخل و خارج الشركة.
إن الالتزام بكل هذه المبادئ و المقومات في إدارة الشركات، خاصة إذا ما تعلق الأمر بشركات المساهمة، سيؤدي حتما لتطوير الأداء و تحقيق العدالة و الشفافية و محاربة الفساد بما يضمن زيادة ثقة المستثمرين و باقي المتعاملين الاقتصاديين بالشركة. لأن هذا من شأنه أن ينعكس إيجابا على أسهمها في سوق الأوراق المالية.
إن التعمق في هذه المبادئ و المقومات، التي من شأنها ضمان التطبيق السليم للحوكمة، يبرز العلاقة بين فعالية التطبيق و المعلومات المحاسبي. فهذه الأخيرة هي التي تسمح بممارسة الرقابة على الأداء، و تحقيق التواصل بين مختلف الأطراف ذات العلاقة بالشركة هذا من جهة. و من جهة أخرى يبدو واضحا أن الجزء الأكبر من هذه المبادئ و المقومات (الإفصاح، المراجعة و لجان المراجعة...الخ) لا يمكن تجسيده و العمل به في أرض الواقع ما لم تتوفر المعلومة المحاسبية اللازمة، و بدرجة من الجودة. و هنا يطرح التساؤل التالي: هل تحقق جودة المعلومات المحاسبية هو نتاج التطبيق السليم لحوكمة الشركات؟


II. جودة المعلومات المحاسبية
من الطرح السابق للأفكار المتعلقة بحوكمة الشركات، من حيث المفاهيم، المبادئ و المقومات، يستنتج بأن تطبيقها يعتبر، و وفقا للكثير من المختصين في الميدان – ممارسين و مفكرين أمثال(8): Francis, Good & Seow، الأسلوب الإداري الأنجع للحد من الفساد المالي و المحاسبي، الناتج عن عدم تطبيق المبادئ المحاسبية ونقص الإفصاح و الشفافية و عدم إظهار البيانات و المعلومات التي تعبر عن الأوضاع المالية الحقيقية للشركات، خاصة منها تلك التي تنشط في سوق الأوراق المالية، و قد نتج عن هذا جملة من الآثار السلبية منها فقد الثقة في المعلومات المحاسبية، و بذا تكون قد فقدت عامل تميزها ألا و هو جودتها.
فلحوكمة الشركات علاقة مباشرة بالمعلومات المحاسبية. بحيث يمكن النظر لهذه العلاقة من خلال الإفصاح المحاسبي أو من خلال المراجعة و لجان المراجعة أو من خلال متخذي قرار الاستثمار أو أسواق المال. غير أن ما يتبادر إلى الذهن هو التساؤل حول درجة تأثير هذه العلاقة على جودة المعلومات المحاسبية، و هل تحقق هذا، من خلال تطبيق الحوكمة، سيؤدي إلى تنشيط سوق الأوراق المالية، من حيث تنشيط التعامل أو التأثير على أسعار الأسهم.




مفهوم جودة المعلومات المحاسبية


تتمثل جودة المعلومات المحاسبية في الخصائص التي يجب أن تتميز بها المعلومات المحاسبية أو القواعد الواجب اعتمادها من أجل تقييم مستوى جودة المعلومات المحاسبية. بحيث يؤدي تحديد جملة الخصائص المتعلقة بالمعلومات المحاسبية إلى مساعدة القائمين على وضع المعايير المحاسبية، كما تساعد المسؤولين عند إعداد القوائم المالية في تقييم المعلومات المحاسبية.
و يؤدي التركيز على أهمية القوائم المالية، كمصدر أساسي للحصول على المعلومة المحاسبية الضرورية لاتخاذ القرارات، لمساعدة المستفيدين الخارجيين (مساهمين،مستثمرين...) في اتخاذ القرارات المناسبة فيما يتعلق بعمليات توظيف الأموال. و حتى يتحقق هذا لابد و أن تتصف المعلومات المحاسبية بمجموعة من الخصائص و التي تمثل المعايير التي تحدد من خلالها درجة جودتها. و قد حاولت عدة جهات متخصصة تحديد و توضيح هذه الخصائص، غير ما اعتمد عالميا هي الخصائص أو المعايير التي وضعت و تم تعريفها من قبل مجلس معايير المحاسبة الأمريكي Financial Accounting Standards Board (FASB)، من خلال إصدار المفهوم المحاسبي " الخصائص النوعية للمعلومات المحاسبية "(9). و تتمثل هذه الخصائص في ما يلي:
أ. الملائمة: و يقصد بها وجود علاقة وثيقة بين المعلومات المحاسبية و الهدف من إنتاجها. أي قدرة المعلومات المحاسبية على مساعدة المستفيدين الخارجين الرئيسين، الذين يمتلكون جزء من حقوق الملكية في الشركة، من اتخاذ القرارات المتعلقة بالاحتفاظ بالعلاقة الحالية بالشركة أو تغييرها ( الاستثمار أكثر، الانسحاب، ...).
ب. الموثوقية: و يقصد بها أمانة المعلومات و إمكانية الاعتماد عليها. و يتحقق هذا إذا تميزت المعلومات المحاسبية بالخصائص التالية:
- الصدق في التمثيل، أي التوافق بين المعلومات المستمدة من المحاسبة المالية و بين الواقع.
- قابلية المراجعة و التحقيق، أي إمكانية توصل شخصين مستقلين لنفس النتائج باستخدام نفس أساليب القياس المحاسبي و الإفصاح.
و عليه فإن خاصية الموثوقية، أو الثقة بالمعلومات المحاسبية و إمكانية الاعتماد عليها، تعني أن أساليب القياس و الإفصاح المطبقة لاستخراج النتائج و عرضها هي أساليب موضوعية و أنه يمكن لأشخاص أخريين، مستقلين عن الذين استخدموها في المرة الأولى، إعادة استخدامها للتحقق من تلك النتائج. كما تعني هذه الخاصية بأن المعلومات المقدمة تعطي تصورا دقيقا للواقع دون أن يشوبها تحريف قصد التظليل أو أخطاء. كما أن لهذه الخاصية جانب آخر يتمثل في حيادية المعلومات و خلوها من التحيز.
جـ. حيادية المعلومات: و يقصد بهذا عدم التحيز، أي تجنب التحيز في عملية القياس (محاولة ترجيح كفة حدث ما على حساب آخر، بدلا من أن يكون الحدوث متساوي الاحتمال لكلا الحدثين). و كذا تحيز القائم بعملية القياس، و الذي قد يكون مقصودا أو غير مقصود. على اعتبار أن المعلومات التي يمكن الوثوق بها و الاعتماد عليها يجب أن تكون نزيهة و خالية من التحيز اتجاه أية نتائج محددة مسبقا. و هذا ما يزيد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المسؤولين عن وضع معايير المحاسبة المالية، و المسؤولين عن إعداد القوائم المالية، و ذلك فيما يتعلق باختيار أساليب القياس المحاسبي و الإفصاح، بحيث يضمن هذا الاختيار تحقيق هدفين:
- تقديم المعلومات المناسبة، أي ذات العلاقة بالهدف أو الأهداف التي أنتجت من أجلها.
- تحقيق أمانة و صدق المعلومات المحاسبية.
د. قابلية المعلومات للمقارنة: تسمح هذه الخاصية بالتعرف على أوجه التشابه و الاختلاف بين أداء الشركة و الشركات المماثلة لها في السوق، و ذلك خلال فترة زمنية معينة. كما تسمح بمقارنة أداء الشركة ذاتها بين فترة و أخرى. و تكون المعلومات المحاسبية ذات فائدة، لمن يستخدمها في عملية المقارنة، إذا ما اعتمدت أساليب مماثلة للقياس و الإفصاح.
هـ. التوقيت الملائم: و يقصد بهذا تقديم المعلومات المحاسبية، لمن يحتاجها، في وقتها. على اعتبار أن المعلومات المحاسبية تفقد قيمتها و أهميتها إذا لم تتوفر عند الحاجة لاستخدامها، بحيث تفقد فعاليتها في اتخاذ القرارات التي تبنى على أساسها. علما بأن الفترة الزمنية الفاصلة بين إعداد القوائم المالية و الإعلان عنها تعتبر ذات أهمية قصوى لمنفعة المعلومات المحاسبية.
و. قابلية المعلومات للفهم: لا يستطيع مستخدم المعلومات المحاسبية الاستفادة منها إذا لم تكون واضحة و مفهومة بشكل جيد. و يتوقف وضوح المعلومات المحاسبية على طبيعة البيانات التي تتضمنها القوائم المالية و طريقة عرضها، هذا من جهة، وعلى قدرات و كفاءات من يستخدمها من جهة ثانية. لذا يتعين على القائمين على وضع المعايير المحاسبية، و الذين يقومن بوضع القوائم المالية مراعاة ذلك حتى يتحقق التواصل الذي يضمن الإبلاغ المحاسبي، أي إبلاغ البيانات التي تحويها القوائم المالية، على اعتبار أن من يستخدموا القوائم المالية، و حتى التقارير التوضيحية المرفقة، ليسوا كلهم محاسبون أو لديهم كفاءات علمية في مجال المحاسبة المالية خاصة.
ي. الأهمية النسبية و الإفصاح الأمثل: و يعني هذا أن القوائم المالية التي تعتمد لاتخاذ القرارات يجب أن تفصح عن كافة المعلومات ذات الأهمية النسبية. و على العموم تعتبر أية معلومة أو أي بند ذا أهمية إذا أدى حذفه أو عدم الإفصاح عنه أو تقديمه بشكل غير صحيح إلى الإخلال بخاصيتي الملائمة و أمانة المعلومات التي تتضمنها القوائم المالية مما يؤثر سلبا على القرارات المتخذة بناء عليها. و يتطلب تحقق هذه الخاصية توجيه الاهتمام نحو مستخدمي القوائم المالية، وذلك بمحاولة التعرف على ما يحتاجونه من معلومات. و تم تحديد، ضمن بيان أهداف المحاسبة المالية، المستفيدين الرئيسين من القوائم المالية و احتياجاتهم المشتركة من المعلومات. و عليه، و حسب البيان " يعد البند ذا أهمية نسبية إذا أدى حذفه أو عدم الإفصاح عنه أو عرضه بصورة غير صحيحة إلى تشويه المعلومات التي تشملها القوائم المالية مما يؤدي إلى التأثير على تقييم المستفيدين الخارجيين الرئيسين للنتائج التي تترتب على الاحتفاظ بعلاقاتهم الحالية بالشركة أو تكوين علاقات جديدة "(10).
و تحدد الأهمية النسبية لكل بند وفقا لعدة معايير منها أهمية البند كمؤشر لسير وثيرة النشاط، من حيث إدخال تغيرات على الأنشطة القديمة أو استحداث أنشطة جديدة، تغيير أساليب العمل. كما يكون للبند الطابع الكمي و ذلك من خلال تحديد حجم البند إلى مؤشر ما مثل نسبة البنود التي تتضمنها قائمة الدخل إلى الدخل المحصل عليه خلال السنة الجارية أو إلى متوسط الدخل للسنوات الخمس الماضية ( بما فيها السنة الحالية ). أما فيما يتعلق بقائمة المركز المالي، فيتم تحديد قيمة البنود التي تشملها القائمة بنسبتها إلى حقوق أصحاب رأس المال، أو إلى إجمالي المجموعة التي يقع فيها البند كمجموعة الأصول المتداولة، أو مجموعة الخصوم طويلة الأجل.
أما بخصوص الإفصاح الأمثل، فهذه الخاصية تساهم في الرفع من منفعة المعلومات المحاسبية المالية لمستخدميها، على أساس أنه يتم التركيز على المعلومات التي يجب إبرازها بشكل خاصة نظرا لأهميتها القصوى في القرار المتخذ. إذ و من خلال الإفصاح الأمثل تقدم التفاصيل اللازمة لتزويد مستخدمي القوائم المالية بالمعلومات الضرورية عن مختلف الأصول و الخصوم، حقوق أصحاب رأس المال، الإيرادات والمصروفات، الأرباح و الخسائر، التدفقات النقدية...الخ. و حتى تكتمل الصورة تضاف ملاحق توضح من خلالها وجهة نظر الإدارة و شرح حدود استخدامات القوائم المالية.
إن ناجعة هذه الخاصية يخضع لاختبار درجة أهمية المعلومات و اختبار التكلفة الناجمة من الحصول عليها و العائد المترتب على استخدامها. فالاختبار الأول هو بغرض انتقاء المعلومات الملائمة و الموثوق بها و التي تكون ذات فائدة لمن يستخدمها. أما الاختبار الثاني فالهدف منه هو التركيز في عملية الإفصاح على المعلومات التي تزيد منفعتها عن تكلفتها، أي ما يحصل عليه من عائد جراء استخدام المعلومات المنتجة و الموزعة يفوق التكلفة الناجمة عن عمليتي الإنتاج و التوزيع، أي الإفصاح عموما.
إلى جانب هذه الخصائص أضاف مجلس معايير المحاسبة الدولية International Accounting Standards Board (IASB)، مجموعة من الخصائص الثانوية ، بما يؤدي إلى الرفع من منفعة المعلومات المحاسبية كالقدرة على التنبؤ و التغذية المرتدة.
فكل هذه الخصائص متى ما توفرت في المعلومات المحاسبية المتضمنة بالقوائم المالية من شأنها أن تضمن جودتها و تساهم في الاستفادة منها بخصوص ترشيد القرارات المتعلقة بالإدارة المالية و المحاسبية و كذا تلك المتعلقة بالاستخدام الأمثل للموارد المالية و البشرية التي تمتلكها الشركة. غير أن ما يجب الإشارة إليه هو أن جودة المعلومات المحاسبية و نجاعتها يعتمد أساسا على عاملين اثنين هما:


جودة المعايير المحاسبية المطبقة، و المتمثلة حاليا في المعايير المحاسبية الدولية IFRS، و المطبقة على مستوى الشركات المسجلة بسوق الأوراق المالية.
استعداد منتجي و موزعي المعلومات المحاسبية، أي المسؤولون عن الإدارة المالية و المحاسبية للشركة، على تقديم المعلومات المفيدة و في الوقت المناسبة، أي العمل وفق مبدأ الإفصاح عن المعلومات الأكيدة في التوقيت الملائم.




III. حوكمة الشركات و علاقتها بتحقق جودة المعلومات المحاسبية


إن العامل الثاني يمثل الحوكمة أو حوكمة الشركات، و عليه فيمكن القول بأن هناك ارتباطا وثيقا بين تطبيق حوكمة الشركات و تحقيق جودة المعلومات المحاسبية، على اعتبار أن هذا العامل يمثل أحد المحددات الرئيسية لجودة المعلومات المحاسبية. و قد أكدت هذا العديد من الدراسات، و التي تناولت العلاقة بين تطبيق حوكمة الشركات و تحقق جودة المعلومات المحاسبية (أشير للبعض منها في الصفحة 4)، و من النتائج المستخلصة من بعض هذه الدراسات نذكر ما يلي:


ضرورة توفر الإجراءات القانونية اللازمة لحماية حقوق المساهمين، مع ضرورة الالتزام بالمعايير المحاسبية و المالية، خاصة فيما يتعلق بالمراجعة و التدقيق، لأنها تحقق الشفافية في إعداد القوائم المالية، و بالتالي توفير الموثوقية في المعلومات المحاسبية المنتجة و الموزعة، و هذا سينعكس بالإيجاب أداء الشركة و على حركة أسواق المال.
أهمية الدور الذي يلعبه التدقيق الداخلي و لجان المدققين في أنجاح تطبيق الحوكمة و في إعداد تقارير مالية تتضمن بيانات و معلومات مالية تتميز بالدقة و الملائمة و ذلك في الوقت المناسب، ما يكسبها ثقة مستخدميها الخارجين.
أهمية الإفصاح المحاسبي و الشفافية في الالتزام بمبادئ حوكمة الشركات. فكلما كان هنا تحقق للإفصاح الأمثل، أي الإبلاغ عن المعلومات ذات الأهمية القصوى بالنسبة لمستخدميها، كان هناك أثر ايجابي مباشر على الأسواق المالية و بالتالي على أداء الشركات.


غير أن السؤال الــذي يطرح نفسه بإلحــاح هو " كيف يمكن عمليا التأكد مــن علاقة الربط بين تطبيق الحوكمـة
و التحقق الفعلي لجودة المعلومات المحاسبية؟ ".
إن محاولة الإجابة على التساؤل السابق تستدعي التعرف على بعض الجوانب المحاسبية لحوكمة الشركات، و التي من شأنها إنجاح تطبيق الحوكمة من جهة، و المساهمة بشكل مباشر و غير مباشر في تحقيق جودة المعلومات المحاسبية. و من هذه الأبعاد نذكر(11):
1. المساءلة و الرقابة المحاسبية:
و يعني هذا ضرورة قيام المساهمين بمساءلة أعضاء مجلس الإدارة، و الذين يتعين عليهم توفير البيانات و المعلومات اللازمة. لأن المساهمين لديهم المسؤولية و الحق باعتبارهم ملاكا. و قد أشارت المعايير الموضوعة من قبل بورصة نيويورك للأوراق المالية عام 2003، و الخاصة بحوكمة الشركات، إلى ضرورة تفعيل الدور الرقابي للمساهمين من خلال المشاركة في جميع القرارات الأساسية للشركة.
2. الالتزام بتطبيق المعايير المحاسبية و المراجعة
نجاح و فعالية تطبيق الحوكمة يتطلب الالتزام بالمعايير المحاسبية الدولية IFRS، أو العمل على وضع معايير محاسبية مكيفة، بحيث يكون الإطار العام لها المعايير الدولية غير أنها تأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي للبلد كما هو الحال بالنسبة للمعايير المحاسبية في الجزائر.
3. دور التدقيق الداخلي
يساعد التدقيق الداخلي في إنجاح الحوكمة و بالتالي تحقيق أهداف الشركة من خلال الرقابة الداخلية، و التي تعمل على تقييم الأداء من الجانب المحاسبي و المالي للشركة، خاصة فيما يتعلق بإدارة المخاطر و الرقابة عليها. فالتدقيق الداخلي يساعد في حماية أموال الشركة و الخطط الإدارية الموضوعة، من خلال ضمانه دقة البيانات التي تستخدمها الإدارة في توجيه السياسة العامة للشركة، والمساهمة في إدخال تحسينات على الأساليب الإدارية و الرقابية المعتمدة.
4. دور التدقيق الخارجي
للتدقيق الخارجي دور مهم و فعال في إنجاح حوكمة الشركات لأنه يقلص أو يقضي على التعارض بين المساهمين و الإدارة، كما أنه يقضي على عدم تماثل المعلومات المحاسبية المحتواة بالقوائم المالية. فالمدقق الخارجي يضفي ثقة و مصداقية على المعلومات المحاسبية من خلال المصادقة على القوائم المالية التي تعدها الشركة، و ذلك بعد مراجعتها و التأكد من صحة البيانات و المعلومات الواردة بها، بحيث يقوم بإعداد تقارير مفصلة ترفق بالقوائم المالية.
5. دور لجان التدقيق
تتمثل مهمة لجان التدقيق أو المراجعة في تأكيد صحة البيانات و المعلومات المحاسبية الوارد بالتقارير و القوائم المالية، و ذلك من خلال المراجعة الداخلية و الخارجية. و قد أكدت جل الدراسات المنجزة بخصوص حوكمة الشركات ضرورة وجود لجان تدقيق داخل الشركة. فهي التي تسهر على تطبيق الحوكمة و تضمن جودة التقارير المالية و تحقيق الثقة في المعلومات المحاسبية بما يضمن جودتها و بالتالي الاعتماد عليها في اتخاذ القرارات المناسبة. و قد أكدت دراسة (Memullen2004) بخصوص دور لجان التدقيق في زيادة الثقة في المعلومات المحاسبية بأن الشركات التي توجد بها لجان تدقيق تقل بها الممارسات المالية غير الشرعية، كما يساهم الإعلان عن تشكيل لجان التدقيق في تنشيط حركة أسهم الشركة في سوق الأوراق المالية.
6. تحقيق الإفصاح و الشفافية
كما تم التعرض سابقا و ضمن مبادئ الحوكمة فإن الإفصاح هو أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها حوكمة الشركات. حيث أن الإفصاح الأمثل و الشفافية في عرض المعلومات المتعلقة بالأداء العام للشركة، و خاصة المالي و المحاسبي، يعد من الدعائم الأساسية لنجاح تطبيق الحوكمة و إنتاج المعلومات ذات الجودة العالية، و بالتالي المساهمة في تحقيق مصالح الأطراف ذات العلاقة بالشركة.
7. أدارة الأرباح
تعمد إدارات بعض الشركات إلى تطبيق سياسة إدارة الأرباح، و ذلك من خلال التلاعب في البيانات المالية والمحاسبية، إما بغرض تشجيع أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار في مثل هذه الشركات أو من أجل تأكيد التقديرات التي حددت سابقا أو من أجل البحث عن التشجيع و المكافئة ...الخ. و قد أكدت عديد الدراسات التي تناولت العلاقة بين الحوكمة و بين ممارسة الإدارة لسياسة إدارة الأرباح بأن الحوكمة تحد من سلطة الإدارة في إدارة الأرباح، على اعتبار أن الحوكمة تقلص من صلاحيات الإدارة و تسمح للأطراف ذات العلاقة بالشركة من ممارسات صلاحيات أوسع في مجال الرقابة خاصة، و هذا بما يضمن حماية حقوقهم من جهة و الحد من الممارسات المالية غير الشرعية من جهة أخرى، و هذا ما يؤدي إلى تحقيق جودة المعلومات المحاسبية.


8. تقييم الأداء العام للشركة
تهدف حوكمة الشركات أساسا إلى الاستخدام الأمثل للموارد المتوفرة للشركة، المالية و البشرية. كما تهدف، و من خلال الإدارة الرشيدة، إلى حماية أصول الشركة و تدعيم و خلق ميزات تنافسية، بما يضمن تطورها و استمرارها في النشاط و انتعاش أسهمها ضمن الأسواق المالية، و بالتالي تحقيق مصالح الأطراف ذات العلاقة بالشركة.
مما تقدم يمكن القول بأن حوكمة الشركات بما تقوم عليه من مبادئ و مقومات أساساها الالتزام بالقوانين و الإجراءات الإدارية، و استغلال الفرص لتحقيق التميز في الأداء، هي أحد الأساليب الإدارية الحديثة النشأة و المطالب بالعمل بها، خاصة بالنسبة للشركات المسجلة بالأسواق المالية.
كما تجدر الإشارة إلى أن التطبيق السليم للحوكمة و الالتزام بالمبادئ و المقومات المشار لها سابقا من شأنه أن يضمن تحقق جودة المعلومات المحاسبية. و هذا بالنظر إلى جملة الإجراءات المحاسبية المعتمد في إطار الأساليب الإدارية المعمول بها. حيث أن النجاح الفعلي لحوكمة الشركات يعتمد بشكل كبير على الممارسات المحاسبية و المالية و على نوعية المعايير المحاسبية المعتمدة.
ففي إطار حوكمة الشركات تتم العملية الرقابية على الممارسات المحاسبية و ذلك من قبل عدة أطراف، و هذا على المستويين الداخلي، ضمن عمليات التدقيق و المراجعة الداخلية للحسابات، و الخارجي، من خلال عمليات التدقيق و المراجعة الخارجية. هذا إلى جانب العمل الرقابي للمساهمين، و الذي يضمنه القانون من أجل حماية مصالحهم و المحافظة على حقوقهم.
كما تضمن حوكمة الشركات الممارسة الفعلية للعمل المحاسبي، و هذا بمجرد الالتزام بالمعايير المحاسبية، سواء منها الدولية أو معايير مكيفة، حتى تتماشى و الواقع الاقتصادي للبلد التي تطبق فيه مثل هذه المعايير، لأن انفتاح و عولمة الأسواق يحتم هذا التوجه المحاسبي. فالعمل ضمن هذا الإطار المحاسبي يضمن المتابعة المستمرة للأداء، و الإعلان عن نتائج المتابعة من خلال الإفصاح و الإبلاغ المحاسبي عن البيانات و المعلومات المتعلقة بالأداء التشغيلي و المالي للشركة، و ذلك في شكل تقارير و قوائم مالية، مصادق عليها من قبل لجان التدقيق الداخلي و حتى الخارجي بما يكسبها الثقة و المصداقية، يتم عرضها حتى يتسنى لمن يهمه الأمر، من أطراف مختلفة ذات علاقة بالشركة، الإطلاع عليها و الاستعانة بها في اتخاذ القرارات المناسبة.
إن ما يتحقق من التطبيق الفعلي و الفعال لحوكمة الشركات هو إنتاج معلومات محاسبية ذات جودة، تعتمد من قبل أطراف متعددة و مختلفة، تربطها مصالح بالشركة. فمن خلال المعلومات المحاسبية المنتجة و المفصح عنها، و التي تتميز بالملائمة و المصداقية، يمكن للأطراف ذات العلاقة بالشركة المحافظة على مصالحهم و حماية حقوقهم من التلاعب و الضياع. كما تضمن المعلومات المحاسبية ذات الجودة تولد الثقة في الإدارة و في الممارسات الإدارية، و هذا ما يدعم المركز التنافسي للشركة، كما ينشط حركة الأسواق المالية و يدعم كفاءتها.
و ما تجدر الإشارة له في الأخير هو أن الانعكاس الإيجابي لتطبيق حوكمة الشركات على جودة المعلومات المحاسبية لا يمكن له أن يتجسد في أرض الواقع إلا إذا تم تطبيق جملة من الإجراءات الإضافية، و التي تكون بمثابة تدعيم لإنجاح ممارسة حوكمة الشركات و تحقق جودة المعلومات المحاسبية، و من هذه الإجراءات نذكر:
- العمل بكل الإجراءات، القانونية و التنظيمية و خاصة المحاسبية، على إعداد و تقديم تقارير و قوائم مالية تتسم بالدقة، الوضوح، المصداقية و سهولة الفهم، حتى يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات رشيدة.
- تفعيل آليات الرقابة على إعداد و عرض التقارير و القوائم المالية، و بالتالي على إنتاج المعلومات المحاسبية من خلال التأهيل المناسب للمدققين، على المستويين الداخلي و الخارجي خاصة. مع ضرورة التزام هؤلاء بالقيم الأخلاقية.
- التعريف و الشرح لمبادئ و مقومات حوكمة الشركات لأعضاء مجلس الإدارة، المساهمين و كذا المدققين. لأن نجاح تطبيق الحوكمة يعتمد بدرجة كبرى على هؤلاء.
- ضرورة تفعيل دور اللجان المختصة العاملة بالأسواق المالية في مراجعة التقارير و القوائم المالية المقدمة من قبل الشركات المسجلة في البورصة.
المصدر :


د. بديسي فهيمة
كلية العلوم الاقتصادية
و علوم التسيير
جامعة منتوري-قسنطينة