هذا البحث المقدم إلى الندوة الفقهية الثالثة لمصرف أبوظبي الإسلامي إسهام في تسليط الضوء على المشاركات بما فيها المضاربة (القراض) لتنشيط استخدامها في تعامل المصارف الإسلامية مع العملاء الذين يملكون الخبرة دون المال ممن قد يواجهون عدم الرغبة القوية في التعامل معهم على أساس المضاربة بسبب من أساءوا قبلهم في تطبيقها؛ فأحدثوا الخوف منها، فحق على أولئك المسيئين إثم من سن سنة سيئة، وعسى أن يكون لمن يعيد الحيوية ـ تنظيرا وتطبيقا ـ إلى هذه الأداة الاستثمارية الهامة ثواب من سن سنة حسنة. إن المشاركات - باعتبارها صيغة استثمارية ـ مرغب فيها في الشريعة؛ لأنها تقوم على أساس التعاون وجمع الجهود للاستثمار والتنمية الفردية والاجتماعية، فالشركة تهدف إلى تمكين أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة من استثمارها في مجالات واسعة تحقق أرباحاً وفيرة. في حين لو أن كل واحد منهم حاول أن يستثمر ماله على حدة فإنه لا يستطيع أن يطرق المجالات الكبيرة التي تحتاج إلى تمويل ضخم، ولها أعباء إدارية وإجرائية وحسابية يعجز عنها الأفراد، كما أن رؤوس الأموال الصغيرة لا يمكنها أن تدخل مجالات اقتصادية تنموية مطلوبة للجميع، مثل الصناعات الثقيلة والمشاريع الكبرى. إن أسلوب المشاركات يعتبر أساسيا بالنسبة إلى تطبيقات الاقتصاد الإسلامي في هذا العصر وهي البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية؛ لأنها تعتمد على آلية استقطاب الأموال أياً كان حجمها، وتوفير قرص الاستثمار الجماعية بما يمكن أصحاب الخبرات الذين لا يملكون رؤوس أموال أصلا، أو أصحاب الأموال المحدودة من استخدام خبراتهم وتطوير إمكاناتهم. ولن أتناول موضوع المضاربة في ذاتها من حيث عقدها ومقوماتها وآثارها وأحكامها؛ فذلك له مقام آخر، والأبحاث فيه ـ بحمد الله ـ كثيرة متنوعة. وجزى الله القائمين على هذه الندوات الفقهية خيراً، وأجزل مثوبتهم؛ لما يقدمون للفقه الإسلامي من فرص العرض والدراسة والتهيئة الجيدة للتطبيق، والله ولي التوفيق..
المشاركات المستهدفة بالتفعيل المقصود بالمشاركات هنا شركات العقد، أما شركة الملك فهي مجرد حالة شيوع في الملكية، وليس فيها خلط إرادي للأموال، بل يحصل فيها اختلاط غير مقصود من الاستثمار المشترك، ولا تنشأ بها وكالة متبادلة بين أطرافها، وفي مجلة الأحكام العدلية: الأموال المشتركة شركة ملك تقسم حاصلاتها بين أصحابها على قدر حصصهم، فإذا شرط أحد الشريكين لنفسه في (الحيوان) المشترك شيئاً زائداً على حصته من لبنه لا يصح. وقد تعرض العلامة الشيخ مصطفى الزرقا للمقارنة بين شركة العقد وشركة الملك من الناحية الاقتصادية، وأن شركة العقد هي التي تقوم عليها الفعاليات الاقتصادية، والدخول فيها مطلوب، في حين أن شـركة الملك سبيلها بعد الوقوع فيها - على الإنهاء لتسهيل التصرف. فقال:"شركة العقد نافعة لأن فيها تقوية وتوسيعا للفعالية الاقتصادية، وتعاونا بالمال والعمل على إيجاد القوة اللازمة في كثير من المشروعات الإنتاجية التي يعجز عنها الفرد غالباً. أما شركة الملك فهي قيد معرقل للتصرف، لأن الشريك لا يستطيع أن يتصرف في حصته الشائعة من المال المشترك تصرفاً فعليا يضر بشريكه كاستهلاك العين أو تغيير شكلها ونحو ذلك. ومن ثم شرع في شركة الملك سبيل إزالة الشيوع من الأعيان المالية المشتركة. وإن القسمة هي ذلك الطريق الأساس شرعاً وقانوناً لإزالة الشيوع من المال المشترك واختصاص كل شريك بمال متميز.


أهمية صيغة المشاركات والمضاربة (القراض) في المصارف الإسلامية إن المشاركات بأنواعها ـ بما فيها المضاربة- هي الوسيلة المفضلة لمن يريد أن يسـتثمر ماله بالصورة الشرعية المفضلة دينيا وشرعيا واجتماعيا، ففي الحديث القدسي :" أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه" ومن المقرر فقهيا أن في المشاركات من المسامحة والترغيب والتيسير ما ليس في غيرها، ولا يخفى أن تحقيق المصلحة العامة هو في تكاتف المال والخبرة و(يد الله مع الجماعة). وإن صيغة (المضاربة) أو (القراض) أو (المقاصة) ـ على اختلاف التسميات لدى الفقهاء والمصرفيين ـ هي أهم الصيغ التي قدمها الفقه الإسلامي بديلا أساسيا عن أسلوب المراباة (التعامل بالفوائد الربوية المحرمة) وعليها يرتكز مبدأ (المصرف الإسلامي).


تطبيق المضاربة في استقبال الأموال للاستثمار، وفي تشغيل الخبرات المحتاجة للتمويل: فالمصرف بعد أن يتم تأسيسه من خلال صيغة المشاركة بين المساهمين يزاول أولى مهامه، وهي جذب الأموال بأسلوب المضاربة، حيث يستقبل أموال المستثمرين (أصحاب الودائع الاستثمارية) وهم أرباب المال بالمصطلح الفقهي، ليقوم بالعمل على تثميرها وتنميتها بصفته (المضارب) أو (العامل) بغية الاشتراك في الربح. وكان خليقا بالمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، للإغناء التام عن الدور الذي تقوم به المصارف الربوية من اجتذاب الأموال بأسلوب الفائدة الربوية ثم ضخها بالأسلوب نفسه- أن تستخدم أداة المضاربة في البداية وما بعدها، فتوصل الأموال (السيولة) إلى الأيدي الماهرة التي تحتاج إليها، وتدخل في مخاطرة مع هؤلاء العاملين في استثمار الودائع بصورة شبيهة بمخاطرة المودعين مع المصارف نفسها، وبذلك تتيح لذوي الخبرات أن يقوموا بدور مماثل فتزيد حصيلة الأرباح ويستفيد المصرف من نتائج جهودهم وآفاق مبادراتهم. والحقيقة أن قيام المصرف والمؤسسات المالية الإسلامية باستخدام الأدوات الأخرى الأقل مخاطرة والأطوع تحكما في الوسائل والنتائج قد تزامن مع ظروفها المتباينة مع منهج البنوك التقليدية ومخاوف العمل في أجواء مجهولة، وفضلا عن ذلك فإنه ليس نشازا على دورها الابتدائي الأساس فإن المضارب (وهو هنا المصرف) له العمل في استثمار المال بشتى الوجوه المشروعة ما دامت المضاربة مطلقة، فله أن يشتري وأن يبيع، وأن يستأجر وأن يؤجر، وله أن يستخدم الصور المتنوعة للتبايع كالمساومة والمرابحة، وفي كلتا الحالتين لا مناص من منح الأجل (مع ملاحظة مقابلته ضمنياً بزيادة في الثمن مدمجة به) فلولا الأجل لما لجأ العميل للمصرف. ومن هذا يتبين أن المصارف الإسلامية حين استخدمت المرابحة المؤجلة لم تجيء أمراً نكرا لولا ما جرى من التساهل أحيانا في التطبيق بما غيب دور المصرف في العمليات، وأخفى منها عنصر المخاطرة تقريباً. على أن الوضع الأمثل هو المزاوجة بين أداتَيْ المضاربة والمبايعة بالأجل (مساومة كانت أو مرابحة) بل التوسع لشمول بقية أدوات الاستثمار من تأجير وسلم واستصناع.. الخ لإعطاء أصناف العملاء ما يلائم رغباتهم، فهناك من يحب أن ينفرد بأسرار عمله، فيلائمه البيع بالأجل والتأجير والاستصناع. وهناك من يحب أن يكون بإزائه من يشاركه المخاطرة، فتلائمه المضاربة وبقية المشاركات، وكل هذه الأدوات الاستثمارية تدخل في (البيع) بمعناه الأعم وهي مشمولة بقوله تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا" (1) وهي البديل المشروع الذي يغني عن التعامل الحرام القائم على أكل المال بالباطل:"لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" (2).


منع اشتراط ضمان المضارب لرأس المال، أو الربح أو لهما: رأس المال في الشركات أمانة في يد المدير فلا يضمن ما يحصل فيه من خسارة إلا في حالات التعدي أو التقصير أو مخالفة الشروط وإنما كان تحمل المدير ضمان رأس المال ممنوعا شرعاً لأنه يخالف مقتضى عقد المضاربة الذي هو عقد على المشاركة في الربح، فإذا لم يحصل ربح ووقعت خسارة فإنها تربط بالمال طبقا للقاعدة الشرعية في المشاركات بأن الربح على ما يتفق عليه الشريكان، والخسارة بقدر الحصص في رأس المال. وبما أن المضارب قد لا تكون له حصة في التمويل فإن خسارته منحصرة في ضياع جهده ويتحمل رب المال خسارة ماله، وذلك لأن المالك يتحمل تبعة ملكه، فإذا لم يتحقق ربح وهو هدف المشاركة عاد الأمر إلى أن هناك مالا له مالك، فعلى هذا المالك (خسارته) ما لم يوجد سبب شرعي لتحميل المضارب لها، وهذا السبب هو التعدي أو التقصير أو مخالفة الشروط والقيود هنا. وفي الوكالة المال ملك الموكل، فتبعة هلاكه، أو خسارته في الحالات الثلاث السابقة هي عليه، ويد الوكيل يد أمانة. فلا يضمن هؤلاء لا تلقائياً، ولا بالشرط، والمعنى لمنع الضمان ليس أمراً مرتبطا بزمن أو بظروف تغيرت أو بالإرادة أو الشرط أو عدمهما، فلا يتغير حكم منع الضمان. ويختلف هذا عن تضمين الصناع، لأن عملهم في المحل، وهو مطلوب حفظه وليس للصانع التصرف فيه أو نقله، بخلاف المدير (مضارباً كان، أو شريكا، أو وكيلاً بالاستثمار) لأن عمله هو (التقليب) الذي لابد فيه من النقل والتصرف بمحل عمل المدير بيعاً وشراء... الخ. والضمان - في غير الحالات الثلاث هو شأن الديون التي تثبت في الذمة، ومحل الإدارة في المشاركات والمضاربة والوكالة بالاستثمار لا يثبت في الذمة، وإلا لاختل الفرق بين القرض المضمون على المقترض ولا حقّ للمقرض صاحب المال في عائد عنه وبين ما هو في يد المدير - لا في ذمته إلى من مال مملوك لمقدمه وله الحق في عائده أو جزء منه. إن الضمان في المشاركات - بما فيها المضاربة - والوكالة بالاستثمار يلغي الفرق بين الاستثمار المحرم المضمون عائده للمقرض مع ضمان المقترض له، وبين الاستثمار الحلال الذي يظل محتملا للربح أو الخسارة. وفي حالة ضمان أصل المال وما ينتج عن استثماره من ربح قد يؤدي إلى قطع المشاركة في الربح بحصول المضمون عليه كليا في حال الخسارة، وحرمان الشريك الضامن منه، فضلاً عن وصف الربح الذي لا يضمن صاحبه ولا يتحمل تبعة هلاكه تحت اسم ( ربح ما لم يضمن ) الممنوع بالمنهي عنه، وكذلك يخل بقاعدة حديث ( الخراج بالضمان) المستمدة منها قاعدة (الغنم بالغرم). وفيما يلي فقرة من قرار لمجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن صكوك (سندات) المقارضة (المضاربة). "لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال، أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال" (3).


وجاء في قرار آخر للمجمع: المضارب أمين، ولا يضمن ما يقع من خسارة أو تلف إلا بالتعدي أو التقصير بما يشمل مخالفة الشروط الشرعية أو قيود الاستثمار المحددة التي تم الدخول على أساسها ولا مانع من ضمان الطـرف الثالث، طبقـا لما ورد في قرار المجمع رقم 30(5/4) فقرة (9). وكما يمتنع الضمان المباشر من المدير يمتنع ما يؤدي إلى الضمان بصورة غير مباشرة مثل التعهد من الشريك (أو المدير) بشراء حصة الشريك بالقيمة الاسمية، انطلاقاً مما تقرر بأن ضمان المدير حصة الشريك، ممنوع شرعاً أن ما يؤدي إلى الضمان ممنوع أيضاً. ومن الصور المؤدية للضمان التعهد من المدير بشراء حصص الشركاء أو الصكوك بالقيمة الاسمية (القيمة التي أصدر بها الصك) لأن ذلك يحميهم من الخسارة في حال هبوط القيمة السوقية للحصة أو الصك عن القيمة الاسمية.


وقد جاء في قرار لمجمع الفقه الإسلامي الدولي ما يلي: "لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار، ولا صك المقارضة الصادر بناء عليها، على نص يلزم بالبيع ولو كان معلقا أو مضافا للمستقبل، وإنما يجوز أن يتضمن صك المقارضة وعداً بالبيع، وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلا بعقد بالقيمة المقدرة من الخبراء، وبرضا الطرفين")(4). وكذلك ـ من باب أولى ـ يمتنع التعهد من المدير بشراء حصة الشريك بالمرابحة، وفي المعايير الشرعية "2/2/5 يمتنع الاتفاق بين المؤسسة والعميل على المشاركة في مشروع أو صفقة محددة مع وعد أحدهما للآخر بشراء حصته بالمرابحة الحالة أو المؤجلة في وقت لاحق. أما إذا وعد أحد الشريكين الآخر بشراء حصته بالقيمة السوقية للبيع أو بقيمة يتفقان عليها في حينه فلا مانع من ذلك بعقد شراء جديد، سواء أكان الشراء بثمن حال أو مؤجل" (5).


كما ورد في قرار آخر بشأن المشاركة المتناقصة وبيان ضوابط مشروعيتها ما يلي:
أ/عدم التعهد بشراء أحد الطرفين حصة الطرف الآخر بمثل قيمة الحصة عند إنشاء الشركة لما في ذلك من ضمان الشريك حصة شريكه، بل ينبغي أن يتم تحديد ثمن بيع الحصة بالقيمة السوقية يوم البيع أو بما يتم الاتفاق عليه يوم البيع")(6).


اشتراط الضمان في حالات التعدي أو التقصير أو المخالفة:
هذا الضمان يعالج حالات إساءة الأمانة التي تقوم على أساسها شركة المضاربة، فالمضارب أمين حتى يظهر ما يخل بهذه الأمانة المفترضة في حقه وهذه الحالات هي: * التعدي، بأن يستخدم أموال المضاربة في مصالحه الشخصية مثلا أو أن يقرض مال المضاربة. لأن ذلك يخرج عن التعامل المأذون له أو المتعارف عليه في مجال التجارة، فالإقراض فيه تعطيل للمال المعطى للمضارب ليستثمره، ومن الواضح اختلاف القرض عن المداينة وهي التعامل بالأجل، لأن الأجل غالباً يقابله جزء من الثمن، وحتى لو كان السعر متفقا بين الحال والآجل فإنه بيع يؤدي إلى تحقيق ربح، وليس كالقرض الذي هو من قبيل التبرعات بالنظر إلى بذل منفعة المال وإن كان مآله إلى المعارضة. *التقصير، بأن لا يتخذ الوسائل التي يتطلبها حفظ المال من الضياع أو نقصان القيمة كأن لا يبيع السلعة التي يخشى من كسادها أو فسادها. *مخالفة القيود أو الشروط التي وقع الاتفاق عليها عند عقد المضاربة لأن المضاربة فيها معنى الوكالة، والوكالة تقبل التقييد، ويجب على الوكيل أو المضارب أن يلتزم بقيود الموكل أو رب المال فإن خالف ضمن. ولا يخفى أن هذه الحالات يترتب عليها الضمان وإن لم يقع اشتراطها، لأن ذلك من مقتضى الأحكام الشرعية، لكن النص على ما هو مقتضى الشرع يزيد الأمر تأكيدا ويكون تذكرة نافعة. وقد جاء في فتاوى الندوة الأولى للبركة (رقم 59) أن اشتراط تقديم الكفيل أو الضمان على الضمان على المضارب أو الشريك جائز شرعاً لضمان التعدي أو التقصير.


التغرير المستوجب تضمين المدير وهل يشمل التغرير القولي
جرى العمل في كثير من اتفاقيات الاستثمار بالمشاركة أو الوكالة على عمل دراسة جدوى تبين مزايا المشروع محل الاستثمار وما يتوقع له من نتائج إيجابية ببيان الربح المتوقع. والغرض من دراسة الجدوى طمأنة المستثمر على المكاسب التي يؤمل تحقيقها، والواجب - وإن كان يحصل الإخلال به أن تستند دراسة الجدوى إلى بيانات وإحصائيات تأخذ في الاعتبار مخاطر الاستثمار وماضي عملياته وما يستشرف من تطويرها في المستقبل، وذلك حتى تكون الدراسة صادقة وحقيقية وليست قائمة على افتراضات موهومة لا سند لها من الواقع وظروف الاستثمار. والمستثمرون يعلمون أن هذه الدراسات للجدوى إنما هي ظنون - أو غالب الظن - وقليل منهم أو نادر من يأخذها في الاعتبار، ويتمسك بها. ولا يؤمن أن يكون مقدم الدراسة قد بالغ فيها وأظهر نتائج فائقة يعلم هو - والخبراء - أنها ليست حقيقية وهذا يشكل تغريراً بلا شك. والسؤال المطروح: ما التغرير المستوجب تضمين المدير؟ وهل يشمل التغرير القولي؟ وإذا كان يستوجب الضمان فهل يقتصر على ضمان أصل المال المسـتثمر أو يشمل الربح المتوقع في دراسة الجدوى (7) التغرير - ويسـمى أيضا الغرور - هو حمل الشخص على عقد بطريقة باطلة تجعله يظن أن إنشاء العقد في مصلحته والواقع غير ذلك مثل شراء سلعة نتيجة لإعلان كاذب عن مزاياها، والشراء بتأثير النجش وهو الزيادة في الثمن عند المزايدة ممن لا يريد الشراء حقيقة، والتغرير يكون بالفعل، أو القول، والتغرير بالفعل يعطى المغرر به حق الفسخ بموجب خيار التغرير الفعلي أو التدليس (8) ولا يقتصر التغرير الفعلي على حق الرد، بل يشمل التضمين بضوابط وشروط تعرف في مواطنها (9) ولا مجال له هنا؛ لأن التغرير بالفعل غير متصوَّر في دراسة الجدوى فهي بيان مكتوب للقول الذي يريد به واضعها أو مقدمها بيان مزايا الاستثمار. أما التغرير بالقول – ومن أمثلته النجش، ودراسة الجدوى- فإن في التضمين به خلافاً، وفرقوا بين وقوع التقرير في بيع أمانة مثل المرابحة فالتقرير القولي فيها يوجب الفسخ (وحق الرد) أو إسقاط ما زاده في الثمن، أو في الربح. أما في بيع المساومة فلا ردّ له (10). أما الضمان فقد نص المالكية على " الغرر بالقول لا يضمن وفيه الخلاف" (11) لكن أوردوا من صور التغرير القولي أن يقول شخص لآخر عامل فلاناً وهو يعلم خلاف ذلك فيضمن ما عامله فيه (12) وهذه الصورة فيها تغرير قولي على أمر قائم وهو الملاءة ثم ظهر عدمها فتبين أن القائل كاذب. أما في دراسة الجدوى فهو إخبار عن توقع في المستقبل، وهو ليس إخباراً كاذباً، بل هو ظن قد لا يتحقق، وذهب بعضها الباحثين المعاصرين إلى أن دراسة الجدوى إذا جاءت قرائن تدل على التغرير فإنه يضمن الأصل والربح، وذلك بأن تربح مؤسسات أخرى مماثلة دون المؤسسة التي قدمت عنها دراسة جدوى وتخلفت، أما لو شمل التخلف جميع المؤسسات المشابهة فلا يرى أولئك الباحثون القول بالتضمين. ومما سبق يعرف أن التضمين إنما هو فيما يتأكد فيه كذب مقدم دراسة الجدوى، وليس مجرد تخلفها ونجاح مؤسسات أخرى في تحقيق الربح. وقد صدر بشأن الربح المتوقع، وهو المقصود من دراسة الجدوى تأكيد منع الالتزام به، في المعيار الشرعي رقم (12) بشأن الشركة البند 3/1/5/11 " لا يجوز توزيع الأرباح بشكل نهائي على أساس الربح المتوقع، بل على أساس الربح المتحقق حسب التنضيض الحقيقي أو الحكمي".


الآليات المشروعة للحماية لتفعيل استخدام المشاركات
الباعث على دراسة سبل الحماية من المخاطر هو أن الضمان عنصر أساس في الاستثمار وإصدار الصكوك، إذ من خلاله يطمئن المستثمرون وحملة الصكوك إلى إمكانية استرداد مساهماتهم، بالإضافة إلى العوائد التي يحصلون عليها، إذ بدون استرداد أصل الاستثمار أو الصك فإن العائد لا يستحق هذه التسمية، لأنه هو الفائض عن القيمة الاسمية للصك.


علاقة المخاطرة بالاستثمار الإسلامي:
لابد من الإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين الاستثمار الإسلامي وتحمل المخاطر (تبعة الهلاك الكلي أو الجزئي، أو انخفاض القيمة) فهذا التلازم بينهما مردّه إلى أن استعداد المستثمر لتحمل المخاطرة – وليس الإقدام عليها هو أهم خصائص الاستثمار الإسلامي التي تميزه عن التعامل الربوي المضمون العائد للمقرض بالفائدة. وهذا المبدأ قد أرسـاه الحديث الشـريف الموجز الذي نصه " الخراج بالضمان" (13) أي ما يخرج ويتحصل من مكاسب منوط استحقاقه شرعاً بتحمل التبعة والمسؤولية عن الخسارة أو التلف في حال وقوعهما. وقد صـاغ الفقهاء في ظل هذا الحديث القاعـدة الكلية المعروفة "الغنم بالغرم" (14) وفرعوا عليها كثيراً من التطبيقات في أبواب المعاملات المالية المختلفة وترتب على ذلك الحكم على العائد بأنه ربح حلال أو كسب مشروع، أو أنه كسب غير مشروع ومنهي عن تملكه استناداً إلى الحديث الآخر المكمل للحديث السابق وهو أنه صلى الله عليه وسلم " نهي عن ربح ما لم يضمن" (15) وحديث " بم يستحل أحدكم مال صاحبه". ولا يسوغ أن يفهم من ارتباط الاستثمار المشروع بالمخاطر أنها إذا انتفت بطبيعة الحال أو باستخدام آليات مشروعة فالاستثمار غير مشروع، فمن المعروف أن الشريعة قد حرمت إلقاء النفس في التهلكة ودعت إلى الحرص على تحصيل المنافع والمصالح ودرء المضار والمفاسد، وفي الحديث "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" وفي الحديث الآخر المتداول"اعقلها وتوكل". كما أن هناك في فقه المعاملات عقوداً خاصة للحماية، كالكفالة والرهن والحوالة على مليء، بل إن عقود المشاركات التي يحظر فيها اشتراط الضمان يجوز أن يقترن بها ما يخفف مخاطرها مثل وضع القيود في المضاربة، وشرط الرجوع إلى الموكل في الوكالة بالاستثمار. وحتى لو تعذرت الحماية التامة من المخاطر فإن التخفيف منها مطلوب. ثم لو وقعت المخاطر رغم كل ما سبق فإن التعاون لتخفيف آثارها ومضارها مرغوب، وقد شرعت لـه صيغ معروفة كنظام العاقلة في جنايات الخطأ، والتأمين التكافلي وغيرها. هناك فرق بين حماية رأس المال، وضمانه: *فالحماية هي السعي إلى وقاية رأس المال من الخسران، وهذا السعي قد لا يؤدي إلى النتيجة المأمولة :
على المرء أن يسعى إلى الخير جهده *** وليس عليه أن تتم النتائج
ومثال ذلك الحراسة للأموال، فقد توجد ولا يسلم المال كما أن حراسة البلاد قد لا تفلح في سلامتها. *أما الضمان فهو التحمل للخسائر عن طالب الضمان، وهو ربط بالنتيجة دون نظر إلى الأسباب أو مراقبة جدوى الوسائل والأساليب المتخذة من الضامن أو طالب الضمان. من هنا استخدمت المؤسسات المالية الإسلامية في التسويق عبارة (الحماية) (Protect ) وتحرزت من استخدام ( الضمان (Grantee ) في التعاملات القائمة على الأمانة وهي المشاركات والمضاربة والوكالة لإدارة الأموال. والحماية شديدة الصلة بمبدأ (حفظ المال) الذي هو أحد المقاصد الشرعية. وهي لا تخل بمبدأ (حفظ الدين) الذي هو رأس تلك المقاصد. هذا، وإن ما تجاوزت به بعض العبارات معنى (الحماية) إلى التعبير بالأمان ليس سويا، فليس هناك رأس مال مضمون ولا مأمون، لكن هناك ما هو محميّ، أو متحوط له، مع مراعاة أن تلك الحماية أو التحوط قد تتم وقد لا تتم.


ضمان طرف ثالث لرأس المال أو للربح، أو لهما معاً
المراد بضمان الطرف الثالث إصدار تعهد من طرف أجنبي عن مدير الاستثمار سواء كان مضاربا أو شريكا مديراً أو وكيلا، بتحمله الخسارة التي تقع في رأس المال المستثمر وتعويض المستثمر عن تلك الخسارة، دون أن يكون له حق الرجوع على المستثمر أو على مدير الاستثمار. وتسمية هذا التحمل ضمانا ليست دقيقة، أو هو ضمان مجازاً لأنه ليس كفالة عن ديون، وهو في الواقع تعهد ملزم بتقديم هبة تعادل قيمة الأصول الاسمية في حال تعرضها للهلاك مهما كان سببه، أي حتى لو كان ناشئاً عن التعدي والتقصير من المدير إذا لم يتمكن حملة الصكوك من إلزامه بالتعويض؛ لأن هذا الإلزام لـه الأولوية فهو حكم شرعي، أما التعهد فهو التزام عقدي مشروع أيضاً. وفي قرار للمجمع "ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، وعلى أن يكون التزاماً مستقلاً عن عقد المضاربة؛ بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطاً في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة، أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به؛ بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد" (16). ويستخلص من هذا النص أنه لا يجوز تحول هذا الضمان إلى المدير إذا أخل الطرف الثالث بتعهده. وهو ما وقعت فيه إحدى التطبيقات التي أثبتت للطرف الثالث حق الرجوع على المدير. إن ضمان الطرف الثالث يتصور غالباً من الجهات الحكومية إذا كانت الاستثمارات قد صدرت لمصلحة مرفق عام أو مشروع حيوي، وقد وقع ذلك فعلا في طرح زيادة رأس شركات الكهرباء في كل من السعودية وقطر. ومن التطبيقات العملية لهذا الضمان أو التعهد بالهبة: أ/ ضمان الدولة الصادر بشأن الحسابات البنكية: سواء كان كليا أو لجزء من الودائع، حيث توفر البنوك المركزية في كثير من الدول ضمانا للحسابات الاستثمارية إلى سقف معين ولا يخفى أن الصكوك أو الصناديق الاستثمارية التي تديرها البنوك هي في حكم الحسابات الاستثمارية. ب/ توفير متعهد بالاسترداد غير الجهة المديرة من المتبع إيجاد متعهد باسترداد الصكوك، أو وحدات الصناديق الاستثمارية، فإذا كان المتعهد جهة مختلفة عن جهة الإدارة فإنه يجوز التعهد بردّ القيمة الاسمية للصك أما من خلال تعهد ملزم، أو بالاتفاق.. أما إذا كان المتعهد بالاسترداد هو الجهة المديرة فلا يجوز التعهد منها بالاسترداد إلا بالقيمة السوقية التي قد تزيد أو تنقص عن القيمة الاسمية.


ضمان الدولة للاستثمارات والإيداعات أو مؤسسات الضمان المستقلة
تأسيساً على أهمية المؤسسات المالية مطلقا في حماية الاقتصاد قامت بعض الدول بتوفير ضمان للحسابات الاستثمارية إلى سقف معين، وأصدرت بشأن ذلك نصوصاً تشريعية ولوائح تنظم ذلك الضمان. ثم تطور الأمر فشرعت بعض الدول بإنشاء مؤسسات ضمان تساهم فيها الدولة والمؤسسات المالية نفسها، لتكون أداة لحماية الاستثمارات والودائع من خلال حماية المؤسسات المالية من الانهيار أو الإخفاق أو الإفلاس. ومن هذه المؤسسات الضمانية ما أنشئ في البحرين، الأردن، سورية وغيرها مع اختلاف نظمها بين الالتزام بالشريعة بالنسبة للمؤسسات المالية المشتركة فيها، أو عدم التفريق بين نوع المؤسسة.


تكوين احتياطي مخاطر الاستثمار
وهي آلية محلية لكل مؤسسة مالية على حدة، وهي توفر حماية لحسابات الاستثمارية، ويتم تكوين بعد الاحتياطي باقتطاع جزء من أرباح المستثمرين فقط، أي بعد اقتطاع المقابل المخصص للإدارة (سواء كان حصة من الربح، أو عمولة وكالة، كيلا تسهم الإدارة في الضمان) ومن خلال هذا الاحتياطي يمكن سدّ الخسارة التي قد تقع على رأس المال المستثمر، وإذا تعاظم هذا الاحتياطي قد يغطي الخسارة الشاملة إن حصلت. وقد اشتمل المعيار المحاسبي رقم (19) بشأن الاحتياطيات والمخصصات الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية على تنظيم هذا الاحتياطي.


مؤسسات الضمان المستقلة الدولية
نشأت قبل مؤسسات الضمان الإقليمية (المحلية) مؤسسات ضمان دولية كان أولها مؤسسة ضمان الاستثمار بالكويت، وهي مؤسسة تقليدية، ونشأت بعدها المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات. أورد فيما بلي النموذج المطبق عمليا للتأمين التعاوني الإسلامي على الديون المشكوك فيها وهو ( المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات ) وهي مؤسسة فرعية للبنك الإسلامي للتنمية، وكان إنشاؤها تنفيذاً لتوصية اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري لمنظمة المؤتمر الإسلامي المؤكدة لما جاء في اتفاقية تشجيع وحماية ضمان الاستثمارات بين دول المنظمة والمؤسسة ذات شخصية معنوية كاملة وهي منظمة دولية وكان إنشاؤها في أغسطس 1994 وباشرت عملياتها في يوليو 1995 ورأسمالها المصرح به 100 مليون دينار إسلامي (145 مليون دولار أمريكي) وقد وقعت على اتفاقية تأسيسها أكثر من ثلاثين دولة إسلامية، تمهيداً لاستكمال التوقيع عليها من بقية الدول الإسلامية، والكويت إحدى الدول الموقعة عليها منذ بداية إنشائها.


أهداف المؤسسة:
تهدف هذه المؤسسة إلى توسيع إطار المعاملات التجارية وتشجيع تدفق الاستثمارات بين دول منظمة المؤتمر الإسلامي، وتقدم :
1- خدمة التأمين على المخاطر المتعلقة باستيفاء حصيلة بيع الصادرات سواء كانت مخاطر تجارية ( متعلقة بالمشترى ) أو غير تجارية (متعلقة بالبلاد).
2- خدمة التأمين على الاستثمار ضد المخاطر الناشئة من البلاد وقيودها وأنظمتها. وقد صممت ثلاث وثائق تأمين هي :
أ- البوليصة الشاملة قصيرة الأجل، وهي للائتمان الذي لا يتجاوز سنتين.
ب- البوليصة متوسطة الأجل التكميلية، وهي للائتمان الذي مدته ما بين 2 ـ 5 سنوات.
ج- بوليصة المصارف العامة، وهي للعقود التي يمولها البنك الإسلامي للتنمية أو البنوك الإسلامية الأخرى.


المبادئ الملتزم بها في نشاط المؤسسة :
نصّ النظام الأساس للمؤسسة المسمى (اتفاقية المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات) وكذلك اللائحة التفصيلية لتطبيق التأمين (17)في أكثر من موطن على الالتزام بالعمل وفقا لمبادئ الشريعة الإسلامية، كما جاء التصريح بذلك في النشرة التعريفية، وفي وثائق التأمين الثلاث المشار إليها. وفيما يلي أهم النصوص المعبرة عن ذلك. بالإضافة إلى الديباجة والإشارات العديدة في مواد النظام الأساس واللائحة نصت الفقرة/4 من المادة 57 بشأن التعديلات على الاتفاقية على أنه " لا يجوز إجراء أي تعديل يؤثر على التزام المؤسسة بأحكام الشريعة الإسلامية ".
في النشرة:
تقدم المؤسسة الخدمات سالفة الذكر وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، ويترتب على ذلك أن تراعي المؤسسة في تقديمها لتلك الخدمات.:
أ) السعي لتحقيق التعاون بين المؤمّن لهم من طريق اشتراكهم كافة في تحمل الأضرار التي تلحق بأي منهم. ب) توزيع الفائض الذي قد يتحقق من عمليات التأمين وإعادة التأمين على المؤمّن لهم بعد مقابلة التزامات الاحتياطات القانونية.
ج) عدم تغطية عقود السلع التي تنهى عنها الشريعة الإسلامية، وكذلك الفوائد المترتبة على ائتمانات الصادرات وقروض الاستثمار.
د) استثمار عوائدها وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.


توافر أسس التأمين التعاوني الإسلامي في المؤسسة:
أ- الفصل بين موجودات المؤسسين (المساهمين) وموجودات المستأمنين حيث نصت المادة (28) من الاتفاقية على أنه : تحتفظ المؤسسة بصندوقين منفصلين هما:
(أ) صندوق المؤمن لهم.
(ب) صندوق حملة الأسهم.
ب- إن مكونات صندوق المؤمن لهم هي: الاشتراكات، والمطالبات المحصلة، والفائض، والاحتياطيات المكونة بتخصيص جزء من الفائض، وأرباح استثمار الاحتياطيات، ونصيب المضارب من أرباح استثمارات صندوق حملة الأسهم.
ج- اقتصرت مكونات صندوق حملة الأسهم على رأس المال والاحتياطيات المنسوبة لهذا الصندوق، ونصيب رب المال من استثمار رأس المال وتلك الاحتياطيات.