وحدة المراجعة الداخلية في المؤسسات الحكومية .. نقد

د. محمد آل عباس
maalabbas@kku.edu.sa
صدر قرار مجلس الوزراء رقم 129 وتاريخ 6/4/1428هـ القاضي بالموافقة على اللائحة الموحدة لوحدات المراجعة الداخلية في الأجهزة الحكومية والمؤسسات العامة، وصدور القرار بهذه القوة القانونية وهذه الجرأة التطبيقية يعد مفاجأة من وجهة نظري وتغلب عليه المثالية أكثر من الحاجة العملية إلى مثل هذه الوحدة، لذلك فإن هذا المشروع سيواجه تحديات التطبيق التي أرجو ألا تكون قاتلة في بعض الأحيان. القضية الأساسية أن وجود مستويات متعددة من الرقابة يمثل ثقافة إدارية لدينا أكثر مما هي حاجة تنظيمية، وهذه نقطة مهمة وخطرة، فالبيروقراطية ظهرت لتلبية الحاجة الماسة إلى تركيز الرقابة وتعدد مستوياتها ولإعطاء القرارات دعما كبيرا خاصة في مرحلة التنفيذ. من هنا يبدو لي أن قرار إنشاء مثل هذه الوحدة يرتكز على فكر البيروقراطية أكثر من استناده إلى فكر المراجعة الداخلية ومهامها. ثم إن التفسير النظري لفكرة المراجعة الداخلية يصطدم بتفسير دور ديوان المراقبة العامة، فديوان المراقبة العامة يشبه دور المراجعة الداخلية بالنسبة للمال العام ككل فهو داخل النظام وليس خارجا عنه ـ على الرغم أن هناك من ينظر بأنه يمثل دور المراجع الخارجي إلا أنني أعترض على وجهة النظر هذه لعدد من النقاط ليس هذا مجال عرضها- ولأن دوره غير كاف وبدلا من تطويره تم إنشاء هذه الوحدات، لذلك فإني أتوقع أن تواجه وحدات المراجعة الداخلية صداما فكريا مع ديوان المراقبة خصوصا في المرجعية والإشراف، وأتوقع أن تكون نقطة جدل مستمرة لن تحسم بسهولة.
وفي ضوء الفكرة العامة السابقة سأناقش بعض النقاط المهمة التي نص عليها القرار وبعض التحديات التي أتوقع أن على هذه الوحدات مواجهتها لتثبت الجدوى من وجودها، فقد نص القرار على أن تتولى وحدة المراجعة الداخلية حماية الأموال والممتلكات العامة والحد من وقوع الغش والأخطاء واكتشافها فور وقوعها، هذه النقطة بالذات محل تداخل إداري كبير، فكيف يمكن رسم دور وحدات المراجعة الداخلية داخل المؤسسة الحكومية، خاصة أن المادة الحادية عشرة نصت أن على الإدارات تنفيذ توصيات وحدة المراجعة خلال ثلاثين يوما، هل المراجعة الداخلية سابقة أم لاحقة؟ قبل القرار أم بعده؟ وهل يجوز لها منع الصرف؟ ثم إذا أمكن ذلك في المركز الرئيس فإن دورها ووجودها في الفروع يصبح غير عملي مهما كان حجمها، فجميع أوامر الدفع تصدر من المركز الرئيس ولا توجد لدى الفروع مثل هذه القدرة، حتى على مستوى المؤسسات العامة هناك مركزية في الصرف.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإن إدراج وحدات المراجعة في الدورة المستندية يحتاج إلى لوائح تنفيذية كثيرة وسيخلق مزيدا من الأعباء البيروقراطية، إضافة إلى الحاجة إلى إإعادة صياغة دور الممثل المالي خاصة أن بعض الممثلين الماليين يعتقد أن لديه قوة قرار لابد أن يدافع عنها، لذلك فإن دور الوحدات في هذا الجانب سيواجه تحديا كبيرا جدا وصراعا على القرار له ما بعده.
أشار القرار إلى إن على وحدات المراجعة الداخلية ضمان دقة البيانات المالية والسجلات المحاسبية واكتمالها، كما أن من مهامها ضمان فاعلية العمليات الإدارية والمالية وكفايتها بما يؤدي إلى استغلال الأمثل للموارد المتاحة، هنا تبرز مشكلات عدة منها التداخل السابق الذكر مع الممثل المالي، ومن ذلك أيضا التعريف اللازم للفاعلية المذكورة واستغلال الموارد وذلك في ظل النظام المحاسبي الحالي المرتكز على الموازنة التقديرية التي لا تعتمد على تحديد الأهداف ولا وجود للبرامج.
أشار القرار في المادة العاشرة إلى أن من مهام هذه الوحدات تقويم أنظمة الرقابة الداخلية بما في ذلك النظام المحاسبي – هنا يبدو أن دور وحدات المراجعة التي نص عليها في القرار ستختلف بين المؤسسات العامة التي تتبع نظم المحاسبة في منظمات الأعمال ونظم المحاسبة على الأموال فأعتقد أن قدرات هذه الوحدات على الحكم على النظام المحاسبي الحكومي ستكون محدودة جدا لأن معظم العمل المحاسبي يتم في وزارة المالية وهذا ينطبق على عدد من الجهات المحسوبة على المؤسسات العامة مثل الجامعات.
مما سبق أعتقد أن مهمة وحدات المراجعة الداخلية ستراوح بين سهلة، وذلك في المؤسسات العامة المستقلة التي تتبع نظم المحاسبة عن الأعمال، بينما ستكون صعبة جدا في القطاع الحكومي بل إنها سابقة لأوانها. فالنظام المحاسبي الحكومي يحتاج إلى إعادة نظر و طرق إعداد الموازنة العامة و الرقابة على الأموال تحتاج إلى تطوير جذري.
كما أرى أن على هيئة المحاسبين القانونيين دورا كبيرا ومحوريا في إنجاح هذا المشروع وذلك من جوانب عدة منها تطوير النظام المحاسبي الحكومي، وهو مشروع مهم جدا وأصبح يمثل ضرورة ملحة، تدريب الكوادر الصالحة للعمل في هذه الوحدات، تطوير اختبارات خاصة لإثبات التأهيل.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاقتصادية الالكترونية 2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة البوابة الإلكترونية في صحيفة الاقتصادية