لقد تبين من دراسة التشريع الضريبى المصرى أنه يتضمن مجموعة من العيوب والثغرات , وسوف نقوم بدراسة طبيعة هذه العيوب وبيان المنهج المالي الاسلامى لمعالجتها :


أولا : المنهج الاسلامى لمعالجة الخلل في هيكل النظام
الضريبي :


لقد أكد علماء المالية العامه والضرائب أن نسبة الضرائب غير المباشرة الى الضرائب المباشرة حوالى 75% الى 25% ، وفى هذا ظلم يقع على الطبقة الفقيرة .


ويتمثل المنهج الاسلامى لمعالجة هذه المشكلة اذا ما طبق نظام زكاة المال فى الاتى :


(1) – الغاء الضـــــرائب غيــــر المباشرة لأنها من المكوس الغير جائزة فى الاسلام كما أنها تؤدى الى غلاء الاسعار لا مكانية نقل عبــوءها الى المستهلك والادلة الشرعية على ذلك كثيـرة منها قـول الرســـول صلى الله عليه وسلم عنــــدما انتهـى من بنـاء السوق الاسلامية فى المدينة :"هذه سوقكم فــــلا تتجروا فيها ولا يفرض عليها الخراج " أى لا يفـــــرض المعاملات رسوم أو ضرائب .


(2) – تفرض رســــوم علـــى الخــدمات التى تقدمها الحكومة الى الافـــراد بالعدل ويتحملها المسلم وغير المسلم وبذلك يتحقق مبدأ السببية من استفاد بخدمة يتحمل كلفتها أو رسمها .


(3) – تفـــــــرض رســــوم على الــواردات الاجنبية للتجــار غير المسلمين تطبيقا لقاعدة المعاملة بالمثل ويجوز اعفــاء بعض هـــذه الواردات اذا كانت من الضرويات والحاجيـات والتى تتعلق بمقاصد الشريعة الاسـلامية وهى حفظ النفــس وحفظ العقل وحفظ العرض وحفظ المال .


(4) – تغيير نظـــام الضرائب على الداخل الى نظام زكاة المـــال حتى لا يفلت أى مال من الزكاة ما دام قد استوفى الشروط الشرعية للخضـــوع ، ومـــن أمثلة الاموال التى لا تخضــع للضريبة ويجب اخضاعها للزكاة ، الاموال النقدية المكنزة ، والجواهر المقتناه لغير أغراض الزينة ونحوها .


(5) – تفرض على غير المسلمين ضــرائب على الامــوال على منـوال زكاة المال ولكن لا تسمى زكاة وليس القصد منها العبادة .


يتضح من التحليل السابق أنه لو طبق نظام زكاة المال لا تظهر مشكلة الخلل فى الهيكل الضريبى بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة .


ثانيـــاً: المنهج الاســــلامى لمعالجة الظلم الضريبى لطبقة الفقراء .


يكاد يجمع علماء المالية العامه والضرائب على ثقل العبء الضريبى على الطبقة الفقيرة فى مصر وعدم قدرة هذه الطبقة على تحمل الضرائب بصفة عامه والضرائب غير المباشرة بصفة خاصة.

ويرى فريق من علماء المالية والضرائب أنه يجب التركيز على الضرائب المباشرة التى ينخفض فيها العبء الضريبى وهذا يحقق حصيلة أو فر وعدالة أكثر دون تعريض مستوى الاسعار لكثير من التقلبات ، وهذا الرأى يتمشى نسبيا مع المنهج الاسلامى ، والذى يتمثل فى الاتى :


(1) – الغاء الضــــــــرائب غيــــر المباشــــرة وفــى هذا تخفيض العبء من على الطبقة الفقيرة وتحقيق العدالة .


(2) – فــــرض زكـــــاة المال على كل الاموال والايرادات متى تـــوافرت الشــــروط وهذا يحقق حصيلة أكثر من حصيلة الضرائب المباشرة وغير المباشرة .


(3) – لا تفرض زكــــاة على الفقير الذى دون النصاب وهذا لا يسبب له أرهاقا وأساس ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ليس فى المال القليل صدقة " وقــــوله "لا صدقة الا عن ظهر غنى "


(4) – اذا كانت حصيلة زكـاة المال لا تكفى لمصارفها ففى هذه الحالة وطبقا لشروط فقهية ، تؤخذ أموالا اضافية فقط من الاغنياء وأساس ذلك اجابة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل "فى المال حق غير الزكاة يا رسول الله ؟ قال " نعم " .


(5) – انخفـــاض أســـعار زكاة المال نسبيا بالمقارنة مع أسعار الضـرائب المباشرة وغير المباشرة وكذلك عدم خضوع الاصـــول الثابته التى تقتنى لاغراض الحاجات الاصلية للانسان وهذا دليل على أن الزكاة لا تسبب أرهاقا للمسلم .


ويتبين من التحليل السابق أنه اذا طبق نظام زكاة المال فسوف لا يكون هناك عبء ثقيل على كاهل المسلم الفقير فالاسلام رحمة وعدل .


ثالثا : المنهج الاســـلامى لمعالجة عــــدم عدالة الاعفاء للأعباء العائلية .


لقد استغاث صغار الممولين من أن الاعفاء المقرر للاعباء العائلية لا يتمشى مع الارتفاع المستمر فى الاسعار من ناحية ، ومع تكلفة الحاجات الاصلية من ناحية أخرى كما لم يأخذ فى الاعتبار عدد أفراد من يعولهم الممول ، ولقد سبب ذلك عدم قدرة الممول على دفع الضريبة .
ويتمثل المنهج الاسلامى لمعالجة هذه المسألة ، فى أنه عند تطبيق نظام زكاة المال سيكون الاعفاء على النحو التالى :


(1) – خصــــــم تكاليف الحاجات الاصلية للممول ومن يعـــــول فى ضوء الضـــوابط الشــــرعية والتى مـــن أهمها عـــدم الاســـراف والتبذير والبذخ والترف والتقليد .


(2) – لا تسرى الضـــــريبة الا اذا وصل المال الباقى بعد خصم تكلفة الحاجات الاصلية السابق الاشارة اليها فى البند السابق النصاب .


(3) – يحدد النصاب فى فقه الزكاة على أساس عينــــى أو وزن أو مثل أو قـــدر وبذلك يتحــــرك مع تحرك الاسعار ارتفاعا وهبوطا وهذا أساس العدالة الاجتماعية .


(4) – بالاضافة الى ما سبق ، وكما ذكـرنا من قبل ، أنه لا تؤخذ زكاة من الفقير فى حـالات الحاجة بل تؤخذ من الغنى فقط .


(5) – تناسب أسعار زكاة المال مــع الجهد البشرى حتى لا يسبب ارهاقا فكلما زاد بعـد الجهــــــد البـــشرى كلما انخفض سعر الزكـــاة فعلى سبيل المثــــال نجــد أن أســعار الزكـــــاة تبـدأ من 2.5 % لتصل الى 20% وهذا التــــدرج يرتبـط بالجهد البشرى ، ويــــرى علمـــاء الاقتصــاد الاســـلامى أن هــــذا يحقق المقـــدرة التكليفية علـى أداء الزكاة ويدفع ويحفز على بذل مزيد من الجهد .


يتبين جليا مما سبق أنه عند تطبيق نظام زكاة المال سوف لا يكون هناك ارهاقا على الفقراء بل تؤخذ الزكاة فقط من الذين لديهم مقدرة على الاداء


رابعاً : المنهج الاســـلامى لمعالجة الفساد الضريبي


تعانى النظم الضريبية ومنها النظام الضريبى المصرى من الفساد الضريبي ومن أشكاله ما يلي :
1- إنتشار الرشوة بصورة جلية في بعض المأموريات و اللجان والإدارات الضريبية.
2- إنتشار ظاهرة المجاملات والمحسوبيات والتمييزولا سيما للأغنياء ولأفراد النظام الحاكم .
3- إنتشار الإختلاس في بعض المأموريات .
4- إنتشار ظاهرة التزوير لإحكام الفساد .


وفى حالة تطبيق نظام زكاة المال سوف لايكون هناك وجود لمعظم هذه الصور ، لأنه يقوم على مجموعة من القيم الإيمانية والأخلاقية والسلوكية المنبثقة من مصادر الشريعة الإسلامية ,
ومن أهمها ما يلي :
* الزكاة فريضة من الله .
* الزكاة ركن من أركان الإسلام .
* الزكاة عبادة لله ومن موجباتها الإخلاص.
* الزكاة تطهير للقلب والنفس والمجتمع .
* الزكاة تنمية وتكافل إجتماعي .
* الزكاة حق معلوم في مال الأغنياء للفقراء .
* الزكاة وسيلة إسلامية للتنمية الإقتصادية .
* الزكاة تؤخذ بالحق وتنفق في الحق .


خامساً : المنهج الاســـلامى لمعالجة الغموض والابهــــام فى نصوص التشريع الضريبى .


لقد تبين من دراسة التشريع الضريبى المصرى أنه يتضمن ما يلى :

- نصوص معطلة ليس لها نصيب من التطبيق العلمى لآنها غير واقعية أو منظقية .
- نصوص غامضة مبهمة يصعب تفسيرها ، بل تكثر الاجتهادات فى بيانها ويترتب على ذلك ضرروضرار وظلم وأكل أموال الناس بالباطل .
- نصوص مكررة فى أكثر من موضع أما للتاكيد أو بسبب عدم التنسيق بين التشريعات الضريبية وغيرها .


وفى حالة تطبيق نظام زكاة المال لا نجد لهذه الامور وجودا وذلك للاسباب الاتية :


(1) – يتحدد وعــاء زكاة المال طبقا لقواعد كلية مستبطة من مصادر الشريعة الاسلامية التى لا تتبدل ولا تتغير ، وهذه القواعد ليس فيها اختلاف بين فقهاء الاسلام
(2) – تخضع التفاصيــــــل والاساليب والاجراءات الخاصة بزكاة المال للاجتهاد لتحقيق المرونة فى التطبيق .


(3) – تتسم القواعـــد الكلية لزكاة المال بالعالمية ، لا يحدها مكان أو أقليم كما تتسم بالشمــولية اذا تطبـــــق كــــافة الامــــوال والايــــــــرادات الخاضعة للزكاة ، كما أنها تتفق مع المنطق والفطرة .


يتبين من التحليل السابق أنه بتطبيق فقه الزكاة لا تظهر المشكلات السابق الاشارة اليها والناجمة من عيوب وثغرات فى التشريع الضريبى المصرى .


سادسا: المنهج الاســـلامى لمعالجة فقد الثقة بين الممول ومصلحة الضرائب .


تعانى مصلحة الضرائب من انخفاض الوعى الضريبى واقناع الممولين بأن أداء الضريبة واجب قومى ، كما يستشعر بعض الممولين بآثار سيئة نفسية عليهم بسبب سوء المعاملة أحيانا والشعور بعدم العدالة الضريبة أحيانا أخرى أو أنه لا يستفيد مباشرة من الضريبة التى يدفعها .... ، وهذا كله يقود الى مجموعة من الاثار تسبب فقد الثقة بين الممول ومصلحة الضرائب أو على الاقل فتورها وضعفها .


وهذه المشكلة غير قائمة فى ظل تطبيق نظام زكاة المال وذلك للاسباب الاتية :


1- أن المزكى يؤمن ايمانا راسخا بأن زكاة المال فريضة من الله وركنا من أركان الاسلام وأنها تطهير النفس والمال والمجتمع .


2- ايمانا المزكى بأن هذه الزكاة حق مقدر من الله سبحانه وتعالى للفقراء والمساكين وغيرهم من مستحقى الزكاة وأنها ليست منه أو هبة أو تبرعا من الغنى الى الفقير .
3- ثقة المزكى بأن هذه الزكاة تحصل بالحق وتنفق بالحق وتمنع من الباطل ، وهذا يجعله يتعاون مع العامل على الزكاة فى التحصيل والصرف .


4- تؤدى علاقة الاخوة بين الفقير والغنى وبين والعامل على الزكاة وبين الفقير والعامل على الزكاة الى وجود الثقة ، فالعامل على الزكاة بالحق مثل المجاهد فى سبيل الله ، والمزكى طالبا الاجر من الاجر يضاعف الله له فى الثواب والفقير الشاكر يرزقه الله من حيث لا يحتسب .


وبهذا يتضح أن الثقة القوية بين المزكى والعامل على الزكاة قوامها القيم العقائدية والمثل العالية والسلوكيات السوية .


سابعا : المنهج الاسلامى لمعالجة مشكلة التهرب الضريبى بكافة صوره


تحتل مشكلة التهرب الضريبى مكان الصدارة بين المشكلات الضريبية فى مصر ، ولقد بذلت جهودا طيبة فى معالجة تلك المشكلة واقترحت معالجات شتى من أبرزها :

- تنمية الوعى الضريبى .
- تخفيض سعر الضرائب ليتناسب مع المقدرة التكليفية .
- توفير المقومات المعنوية والمادية لمأمورى الضرائب .
- تطوير نظام البطاقة الضريبية ونظام الخصم والاضافة
- اعادة النظر فى عقوبات التهرب بأن تكون صارمة .


ونحن لا نقلل من الجهود التى بذلت ومازالت ، ولكن النتائج مازالت غير شافية ومرضية .


والمنهج الاسلامى لمعالجة هذه المشكلة هو نفس السابق الاشارة الية فى معالجة مشكلة فقد الثقة بين الممول ومصلحة الضرائب وبالاضافة الى ما سبق ذكره ، نجد أن فقه الزكاة قد تضمن مجموعة من الضوابط التى تقلل من التهرب من زكاة المال من أبرزها ما يلى :


1- التزام العاملين على الزكاة بالقيم والمثل والاخلاق الطيبة وهذا هو المعيار لاختيارهم .


2- علم العاملين على الزكاة وهذا يساعدهم فى حساب وتحصيل وصرف الزكاة بالحق .


3- معرفة الممول بما عليه من حقوق مالية ومنها زكاة المال ففى ذلك مساعدة على أداء الزكاة .




4- العقاب الرادع للمتهرب من الزكاة وهو أدائنها ، ومصادرة نصف ماله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أداها مأتجرا فله أجره ، ومن منعها فإنا أخذوها شطر ماله عزمه من عزمات ربنا لا يحق لمحد ولا لآل محمد منها شيئا "


ولقد طبقت هذه الضوابط فى صدر الدولة الاسلامية ، وحققت المقاصد الاساسية من زكاة المال ، ونجد أنه فى عهد ابو بكر الصديق كانت حربالرد وقال قولته المشورة " والله لا قاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم على منعها "


ثامنا: المنهج الاســـــلامى لمعالجة طـــول اجراءات وتعقد التحاسب الضريبى .


من بين مشكلات العمل الضريبى فى مصر هى طول الاجراءات وتعقيدها وهذا يرجع الى مجموعة من الاسباب نذكر منها على سبيل المثال ما يلى :


- قلة عدد مأمورى الضرائب بالنسبة لعدد الممولين .
- عدم توافر البيانات والمعلومات الكافية عن الممولين .
- عدم توافر الاماكن المجهزة والمناسبة للمأمور .
- عدم وجود نظام معلومات متكامل بالمأمورية .
- عدم توافر الامكانيات الالكترونية التى تساعد فى المحاسبة .
- وجود الضغوط الخارجية على بعض مأمورى الضرائب .


والمشكلات السابقة غير قائمة فى ظل نظام زكاة المال وذلك لعدد من الاسباب من بينها ما يلى :


1- استشعار الممول بأن الله سبحانه وتعالى يراقبه فى كل تصرفاته يمنعه من اخفاء أى معلومات عن العامل على الزكاة .


2- وجود جماعة الامر بالمعروف والنهى عن المنكر تساعد العامل على الزكاة فى اداء واجبه .
3- المحاسبة أمام عامل واحد على الزكاة يمكن من أداء العمل بسهولة ويسر وبدون تاخير .
4- الثقة بين العامل على الزكاة وبين المزكى واستشعار الاثابة من الله تنجز العديد من الاعمال بدون تأخير .
5- عدم جواز تأحير الزكاة عن مواقيتها المحددة تساعد فى انجاز الاعمال .
6- وضوح القواعد الشرعية لزكاة المال يساعد فى أداء العمل بسهولة ويسر .


يتضح جليا من الأدلة السابقة أن مشكلة تعقد طول اجراءات المحاسبة غير قائمة بنفس الدرجة فى ظل تطبيق نظام زكاة المال كما أن المتابعة والمراقبة من أجهزة الدولة تساهم مساهمة جيدة فى تذليل العديد من الصعوبات والمعوقات التى قد تظهر .