كشف التدفق النقدي :


ينطلق إعداد كشف التدفق النقدي من فرضيات أساسية تتعلق بحجم المبيعات المتوقعة و سياسات البيع و التحصيل، و كذلك سياسات الشراء و الإنتاج و مواعيد تسديد الالتزامات بالإضافة الى القرارات الخاصة بالاستثمارات .


و يمكن تحديد تدفقات الاستثمارات الرأسمالية والالتزامات القائمة بمنتهى الدقة إذا توافرت لنا المعلومات عن خطط الإدارة في هذا الصدد، أما بالنسبة لتخطيط المبيعات وتحصيل الذمم فيحتاج أمرها الى عناية كبيرة في التوقع، خاصة أن التدفقات النقدية الداخلة تتوقف على حجم المبيعات وانتظامها ونسبة المبيعات النقدية وشروط البيع وكفاية جهاز التحصيل . وترتبط المشتريات وتكاليف الإنتاج الى حد كبير بحجم المبيعات، أما المصروفات الإدارية فغالبا ما تتصف بالثبات الى حد ما . وبشكل عام، يمكن اتباع الخطوات التالية في إعداد هذا الكشف .


1- تحديد الفترة الكلية التي سيعد عنها الكشف، ثم الفترات الجزئية التي تنقسم إليها الفترة الكلية، ويمكن إعداد الميزانيات النقدية لأية فترة زمنية سواء أكانت يومية أو أسبوعية أو شهرية أو فصلية، ولكن يفضل إعدادها للفترات الزمنية القصيرة على أساس شهري، لان إعدادها بهذا الشكل قد يفسح المجال لإظهار التغيرات الموسمية في التدفق النقد. أما إذا كانت هناك ذبذبات شديدة يمكن التنبؤ بها، فلا بد من إعداد الميزانيات النقدية لعدد أكبر من الفترات، وذلك لتعرف الحد الأقصى للاحتياجات النقدية . وأما إذا كانت التدفقات النقدية تتصف بالثبات فانه يمكن إعداد الميزانيات النقدية لفترات أطول كربع سنة أو نصف سنة، أو حتى لسنة؛ لكن يكون ذلك على حساب دقة التدفق النقدي لمعد، لأنه كلما طالت الفترة التي يعد عنها، كان أقل دقة، وذلك لان العوامل التي تؤثر في التدفقات النقدية الداخلة والخارجة معقدة، ولا يمكن تقديرها بدرجة عالية من الدقة على المدى الطويل .


وبشكل عام، يجب أن تكون المدة التي يعد عنها كشف التدفق النقدي قصيرة بالدرجة التي تجعل بالإمكان إعطاء الإدارة معلومات دقيقة وتفصيلية قدر الإمكان؛ ومن ناحية أخرى، يجب أن تكون المدة طويلة لدرجة تسمح بإعطاء الإدارة أبعاد المستقبل بالنسبة لاحتياجات التمويل المتوقعة، وعلى العموم فان مدة السنة تستعمل عادة مع تفصيلات شهرية أو ربع سنوية .


2- تقدير المبيعات : ومن المناسب أن نشير هنا الى أن الثقة في كشف التدفق النقدي تعتمد الى حد كبير جدا على مدى دقة المبيعات المقدرة، لان الثقة في دقة كشف التدفق (باستثناء التدفقات الناتجة عن الافتراض أو الاستثمار) لا يمكن أن تكون أكثر من الثقة في المبيعات المقدرة نفسها .


هذا ويستند التنبؤ بالمبيعات الى ما يلي :


أ*- الاتجاه الذي اتخذته المبيعات في الماضي .


ب*- حصة المؤسسة من السوق .


ج- وضع الصناعة التي تنتمي إليها المؤسسة .


د*- الوضع الاقتصادي العام .


ه*- الطاقة الإنتاجية للمؤسسة .


و*- عوامل لمنافسة .


3- تحديد معدل الإنتاج : ويمكن أن يحدد الإنتاج اما على أساس ثابت حيث يستمر ذلك على مدار العام، وقد يكون على أساس الطلب الفعلي ( لكل من هاتين الطريقتين فوائدها وعيوبها التي لا مجال لبحثها الآن)، ومن السهل تحديد كمية الإنتاج والتكاليف المرتبطة إذا ما تحددت سياسة الإنتاج التي ستتبعها المؤسسة .


4- تحديد سياسة المشتريات وشروط الدفع : وترتبط بعدة أمور، منها مصادر الحصول على المواد الخام محلية كانت أم خارجية،وطبيعة هذه المواد من حيث إمكانيات شحنها وتخزينها، وأسواق هذه المواد من حيث كونها مستقرة أو متقلبة، وكذلك علاقة المؤسسة مع الموردين وسهولة الحصول على الخصومات وتسهيلات الدفع.


5- تحديد النفقات الصناعية ومصروفات البيع والتوزيع والمصروفات الإدارية ونفقات التمويل.


هذا ويتكون كشف التدفق النقدي من جانبين فقط هما جانبا المقبوضات والمدفوعات، والعناصر المكونة لكل من هذين الجانبين هي كما يلي :

أ*- المقبوضات :


وتتكون من جميع العناصر التي تشكل مصدرا للنقد الداخل للمؤسسة، مثل :


1- المبيعات : أهم عناصر كشف التدفق النقدي، حيث يتوقف على حجمها كمية المقبوضات والمدفوعات النقدية، لذا يتطلب إعدادها كل العناية الفائق. ويتضمن تعرف المبيعات المتوقعة، الى جانب ذلك، تعرف نسبة البيع النقدي الذي يمثل تدفقا فوريا للنقد داخل المؤسسة، وكذلك نسبة البيع الأجل والمواعيد المتوقعة لتحصيله، إذ أن البيع الأجل لا يشكل تدفقا نقديا إلا بعد أن يتم التحصيل من المدينين .


2- تحصيل المبيعات الآجلة : يتوقف التحصيل على سياسة البيع التي تتبعها الشركة وكفاية جهاز التحصيل ونوعية المدينين ومدى متابعتهم، وعند إعداد كشف التدفق النقدي يجب أن تتوافر لدينا المعلومات التاريخية عن معدلات التحصيل في المواعيد المحددة ومعدلات التأخير عن هذه المواعيد ومقدار التأخير، حيث يعاد توزيع المبيعات الآجلة بشكل نسبي استنادا الى هذه المعلومات على الفترات المتوقعة للتحصيل من المدينين .


3- المقبوضات النقدية الأخرى : بالرغم من أن المبيعات النقدية وتحصيل الذمم تمثلان من الناحية العملية أهم مصادر النقد الداخل، إلا أننا يجب أن لا نهمل أية مصادر أخرى قد تؤدي الى تدفق النقد الى داخل المؤسسة، ومن ذلك :


1- بيع أحد الأصول بسبب الاستغناء عنه وعدم الحاجة إليه.


2- الاقتراض من مصادر التمويل المختلفة والحصول على قيمة القرض نقدا .


3- قبض عوائد الاستثمارات نقدا .


4- زيادة رأس المال .


ب*- المدفوعات النقدية :


وتتكون من العناصر التي تشكل استعمالا للنقد الداخل للمؤسسة وهي :


1- شراء المواد الخام : تحدد المشتريات ويرسم برنامج طلبها في ضوء حجم ومواعيد المبيعات المتوقعة وسياسات التخزين المعلقة بالمواد الجاهزة والمواد الخام وطول فترة التصنيع، وذلك لكون هذه العناصر هي المحدد النهائي لكمية المشتريات من المواد الخام، كما هي الحال بالنسبة للمبيعات الآجلة، إذ أن هناك أيضا احتمالا بالشراء الآجل من الموردين، لذا يؤخذ الموعد بين استلام المواد الخام والتاريخ الفعلي لدفع قيمتها بعين الاعتبار عند تحديد مواعيد تسديد الموردين على كشف التدفق النقدي.


2- أجور العمال : وتشمل في مجموع ما سيدفع لعمال الإنتاج من رواتب ومكافآت وعمولات .


3- المصروفات الإدارية والعمومية ومصروفات البيع والتوزيع والمصروفات الصناعية .


4- مصروفات أخرى مثل الفوائد، وتوزيع الارباح، والتأمينات والضرائب.


5- سداد القروض أو الأوراق المالية الصادرة عن المؤسسة .


6- شراء الموجودات الثابتة وزيادة الاستثمار فيها .


وبعد أن يؤخذ بعين الاعتبار جميع التدفقات النقدية المتوقع دخولها للشركة ( مجموع 1 في المثال اللاحق)، والتدفقات النقدية المتوقع خروجها منها خلال الفترة الزمنية موضع التحليل (مجموع 2 في نفس المثال)، تجري مقارنة بين مجموع التدفقات الداخلة ومجموع التدفقات الخارجة ( مجموع 3 في المثال) للوصول الى صافي هذه التدفقات التي اما أن تكون فائضا إذا زادت التدفقات الداخلة عن الخارجة أو (عجزا) إذا زادت التدفقات الخارجة عن الداخلة .


والخطوة الأخيرة في إعداد كشف التدفق النقدي هي تعرف صافي الاحتياجات أو الفوائض في نهاية كل فترة من الفترات التي يعد فيها الكشف، وهذا يتطلب إضافة رصيد النقد في بداية الفترة (مجموع 4 في المثال ) الى رصيد التدفق النقدي للفترة نفسها، لنخرج برصيد نهاية الفترة (مجموع 5 في المثال ) الذي يعتبر رصيدا لبداية الفترة الثانية وهكذا. وتشكل أرصدة نهاية الفترة الرصيد التراكمي للتدفق النقدي (مجموع 5 في المثال) قبل الاقتراض أو التسديد؛ هذا وللوصول الى ما إذا كان هناك فائض أو عجز، علينا أن نطرح من الرصيد النقدي المتراكم نهاية كل فترة (مجموع 5 في المثال) الحد النقدي الأدنى (مجموع 6 في المثال) الذي يجب على المؤسسة الاحتفاظ به لنخرج في النهاية بمقدار العجز المطلوب تمويله أو الفائض المتاح .


ويعتبر الاستهلاك من الموضوعات التي تثير الجدل عند الحديث عن التدفق النقدي. وسبب هذا الجدل هو إضافة الاستهلاك للربح للوصول الى القيمة التقريبية للنقد المتحقق من العمليات، الأمر الذي حدا ببعض الكتاب الى اعتبار الاستهلاك مصدرا للنقد. وأعتقد أن الرأي الذي ذهبت إليه المجموعة التي تقول بأن الاستهلاك هو مصدر للنقد هو مذهب غير سليم، لان الاستهلاك نفسه ليس إلا قيدا محاسبيا تحمل به إيرادات الفترة للوصول الى صافي الدخل . ويرجع سبب إضافة الاستهلاك الى صافي الدخل للوصول الى قيمة النقد المتحقق من العمليات الى أن قيد الاستهلاك على حساب الدخل أدى الى حجز مبلغ من النقد الداخل للمؤسسة يعادل قيمة هذا الاستهلاك، ومنعت المؤسسة من التصرف به لأنه ليس ربحا قابلا للاستعمال في أوجه استعمال الربح المتعارف عليها .


محددات استعمال كشف التدفق النقدي :


هناك من يضع ثقة مطلقة في كشوفات التدفق النقدي لمجرد كونها كشوفا رقمية، لكن من الممكن لفت نظر تلك الفئة التي تتأثر إيجابيا بمدلولات أي رقم الى حقيقة مفادها أن جودة أي رقم مهما كان لا تزيد بأي حال من الأحوال على جودة الفرضية التي بني عليها، ولما كانت هذه الكشوفات هي عبارة عن تقديرات للموقف النقدي في المستقبل، لذا فهي وارثة لجميع العيوب التي ترثها التقديرات المستقبلية مثل :


1- الأخطاء في التقديرات :


إذ يعتمد كشف التدفق النقدي اعتمادا رئيسيا على مدى دقة تقدير المبيعات بحكم كونها العنصر الأهم في تدفق النقد الداخل للمؤسسة، فالخطأ في تقدير المبيعات سوف يؤثر في جميع مكونات كشف التدفق النقدي من نقد داخل وتحصيل للذمم ومدفوعات للموردين .


2- الخطأ في اختيار الفترة الجزئية للكشف :


لان الاختيار المناسب للفترة الجزئية هو الذي يجعلها تتزامن والدورة الموسمية، ليكون بالإمكان إظهار الاحتياجات القصوى للتمويل، وبعكس ذلك فان الاختيار غير المناسب للفترة لن يعطي صورة صحيحة للاحتياجات الفعلية .


3- عدم التزامن بين دخول الأموال وخروجها ضمن الفترة الجزئية :


إذ تتوزع الدفعات – عادة – على مدى الشهر، في حين تكون المقبوضات في بعض الأحيان في نهايته .


والإجراء الأنسب لمقابلة هذه المحددات ولمقابلة مشكلات الانحراف عن الأهداف الموضوعة هي القيام بإعداد أكثر من كشف نقدي لنفس الفترة، ولكن تحت فرضيات مختلفة تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم، والاحتمال الراجح (most likely optimistic, pessimistic)) واستمرار مراجعتها وتعديلها عندما تحصل الانحرافات عن المتوقع .


وأخلص الى القول بأن كشف التدفق النقدي هو الأداة الأفضل من بين أدوات التحليل الائتماني حينما يتعلق الأمر بتعرف كمية ومواعيد الاحتياجات المالية للمقترض، وذلك لما توصف به هذه الأداة من قدرة على تحديد كمية الأموال المتوقع دخولها وخروجها من المؤسسة دون أن ترث عيوب قائمة الخل وعيوب قائمة المركز المالي . وبالإضافة الى ذلك، فان هذا الكشف هو الأداة الأنسب حينما يحتاج الأمر الى إجابة دقيقة لثلاثة أسئلة رئيسية تدور حول :


1- كمية الأموال التي يحتاج إليها المقترض .


2- والغرض الذي ستستعمل هذه الأموال من أجله .


3- وكذلك المواعيد المتوقعة للتسديد .


الانحراف عن التدفقات النقدية المتوقعة :


هناك من يضع الكثير من الثقة في الميزانيات التقديرية بسبب طبيعتها الرقمية، و قي هذا الصدد لا بد من الإشارة الى أن كشف التدفق النقدي ليس إلا للتدفقات النقدية المستقبلية، و تتوقف دقة هذه التقديرات على العناية المبذولة في إعداد هذه التقديرات و على مدى قابلية نشاط المؤسسة للتأثر بالمتغيرات المحيطة بها . و في ضوء عدم التأكد هذا، لا بد من إعداد أكثر من سيناريو للتدفق النقدي استنادا الى فرضيات متفائلة و متشائمة، ثم الحالة الأكثر احتمالا حيث أن الاعتماد على حالة واحدة قد يؤدي الى نتائج خاطئة عن تصورنا للمستقبل .