نشأت المحاسبة وتطوَّرت روعها بتفاعل عوامل اقتصادية واجتماعية وقانونية أدت بمجملها إلى ظهور الحاجة إلى الحاجة إلى خدمات المحاسبي المختص بتقديم المعلومات التي تساعد على معرفة نتائج النشاط الإنتاجي للمنشأة الاقتصادية خلال فترة معينة, وتوضح المركز المالي في تاريخ معين, وتساعد الإدارة في ترشيد عملية اتخاذ القرارات.
نشأت عملية التبادل من القِدَم وذلك عن الانتقال من النظام المشاعي إلى النظام الإقطاعي, حيث كانت تتم على أساس المقايضة (سلعة مقابل سلعة), ثم أصبحت فيما بعد هناك سلعة اعتُبرت بمثابة مقياس عام لكافة السلع, وفيما بعد أصبح النقد هو المعادل العام ويٌُستخدم لقياس عمليات التبادل.
إن أول كتاب ظهر في أدبيات المحاسبة يتضمن عرضاً كاملاً لمسك الدفاتر وفق نظام القيد المزدوج واعُتمِدَ مرجعاً علمياً وتعليمياً هو كتاب الراهب النمساوي لوقا باشيلي Luca Pacioli عام 1449 في 36 فصلاً قصيراً حول مسك الدفاتر تحت عنوان " في الحساب والتسجيل " , كما أنه حدَّد الدفاتر الواجب مسكها وهي:
1- دفتر اليومية التذكيري.
2- دفتر الخرطوش (المسودة).
3- دفتر الأستاذ.
اعتبر لوقا أن حقوق صاحب المشروع تتمثل في القيمة المتبقية نتيجة المفاضلة بين أصوله وخصومه أول وآخر المدة, وقد قدَّم لوقا معادلة الميزانية على الشكل التالي: الأصول = الخصوم + حقوق صاحب المشروع:
الأصول - الخصوم = صافي قيمة الأصول = حقوق صاحب المشروع
في بعض الحالات عند عدم وجود أعمال كثيرة لدى المنشأة يمكن الاعتماد على ما قدَّمه لوقا بقياس التغير في حقوق الملكية بين أول المدة وآخر المدة أو ما يسمى بصافي قيمة الأصول.
نلاحظ أن نظام القيد المزدوج في بداية تطبيقه كان يُركِّز على أهداف تحديد المركز المالي, وبالتالي لم يكن هناك حاجة إلى إعداد حساب الأرباح والخسائر أو قائمة الدخل, وذلك نظراً لان حجم الأعمال لم يكُن على درجة كثيرة من التشعُّّب.
إن تطور المشروعات ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي انعكس على العمل والفكر المحاسبي, وتمثَّل في فكر وتنظيم وفلسفة وبناء علمي لنظرية المحاسبية.
في بداية القرن الثالث عشر؟ ظهرت المشروعات الفردية, واستخدمت الكتابة لضبط الأعمال, ثمَّ لإثبات علاقة الدائنية والمديونية للمشروعات, وهذا ما يسمى بالحسابات الشخصية, إذ أن التاجر آنذاك اهتمَّ فقط بتسجيل عملياته مع الغير, واكتفى بالإشراف الشخصي على عناصر موجوداته كالنقدية والمصاريف,... وانتشرت سريعاً, فبدون تلك الحسابات لم يكُن التوصُّل إلى نتائج أعمال المنشأة ممكناً في فترة محددة.
وفي نفس الوقت بدأ التسجيل المحاسبي في الحسابات يأخذ شكل حرف T, وبهذا أخذ العمل المحاسبي أبعاده بشكل متكامل.
إن تطور المشروعات الفردية وتنوع أنشطتها فرض على المحاسبة أن تُطوِّر نفسها لتلبي الحاجات المتزايدة للأفراد.
في بداية الأمر تطورت المشروعات الفردية إلى شركتا أشخاص (مجموعة أقرباء), وهذا ما أدى إلى ظهور حاجات أخرى لإثبات حق كل فرد منهم, فظهرت حينها الحسابات الجارية للشركاء, وبدأت ظهور حاجة لفكرة توزيع الأرباح فيما بين الشركاء.
إن التطور الاقتصادي والبُعد الجغرافي والحاجة إلى رأسمال أكبر أدت إلى الحاجة إلى ظهور شركات الأموال, حيث قُسِّمَ رأس المال إلى حصص متساوية, وكل حصة سُمِّيَت بالسهم, وهذا تطلَّب من المحاسبة نوع جديد من الإثبات (توزيع أرباح خسائر) إثبات حصص الشركاء, أديِّش حصة السهم).
هذه الأساليب الإجرائية الجديدة وتطورها, إنما ما يهمنا منها ما هو أثر انعكاساتها على الفكر المحاسبي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا, هل أدت تلك التطورات إلى تطور أهداف المحاسبة ؟
إن الإجابة على هذا السؤال سوف تكون من خلال العرض التالي:
إن هدف تحديد نتيجة المشروعسأأس في السابق لم يكن ظاهر, أما الآن فهذا ضروري, فعندما كان المشروع فردي لم تكُن هناك مشكلة, أما عند الانتقال إلى المشروعات الجماعية (أشخاص, أموال) كان لا بد من الأخذ بعين الاعتبار تحديد فترة زمنية لمعرفة نتيجة النشاط (فرض الدورية) وهذا ما أوجد مبادئ وفروض محاسبية.
إن الأسلوب المُتَّبع لتحديد نتيجة النشاط هو تطبيق مبدأ المقابلة (الإيرادات بالنفقات), وإن هذه التطورات أُطِّرَت لتشكل مفردات الفكر المحاسبي.
بعد الثورة الصناعية, تطورت أشكال المشروعات التي تميزت بانفصال الملكية عن الإدارة, وظهرت الشخصية المعنوية المستقلة, وهذا ما أنشأ ما يُسمَّى بنظرية الوكالة, ومفادها أن الإدارة كانت تمارس عملها كوكيل عن المساهمين, ويجب أن تسعى لتحقيق مصالحهم, فالإدارة تعمل بوحي من الجمعية العمومية للمساهمين

لكن, هل كان الأخذ بنظرية الوكالة تأثير على نظرية المحاسبة ؟
بالتأكيد, كان للأخذ بنظرية الوكالة تأثير على نظرية المحاسبة من خلال ظهور مفهوم الشخصية المعنوية المستقلة, وكان لهذه الخاصية أثر كبير على المحاسبة, فقد أظهر الدور المحاسبي في مجال تقييم الإدارة, وما يتطلبه ذلك من ضرورة مقابلة المجهودات بالمنجزات.
ويمكن تلخيص أهم نقاط التأثير فيما يلي:
1- أصبحت الإدارة مُلزمِة بتقديم تقارير عن نتائج أعمالها (مبدأ الإفصاح) في نهاية كل فترة زمنية على الأقل إلى المساهمين لعدم وجود سوق مالية آنذاك.
2- طالما أن الإدارة أصبحت وكيلة عن المساهمين تعمل بوحي من الجمعية العمومية للمساهمين, فإنها كانت تبتكر أساليب جديدة لتُظهِرها بموقع الإدارة العلمية الفنية, وهذا لم يكن إلا من خلال الأخذ بمبدأ التكلفة التاريخية في الإثبات المحاسبي, حيث أن الأعباء ستكون أقل, ونتائج الأعمال ستكون أعلى, وتطبيق فرض الاستمرارية.
انتكس المحاسبون بعد أزمة الكساد الكبرى (1929-1933), حيث أفلست الكثير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة, وسيطرت شركات أخرى عملاقة على السوق, حيث اضطرت هذه الشركات الصغيرة إلى الاقتراض لتغطية الفشل الذي كانت تمر به, وهذا سبَّب أعباء مالية إضافية على الإدارة, وهذا اضطرها رُغم أنف المحاسبين إلى إخراج قوائم مالية مضللة (بأن الوضع الحالي مُطمئِن) حتى لا تخرج سريعاً من السوق, لكن هذا لم ينفع, حيث أفلست العديد من المشاريع وألقى المساهمون الملومة على المحاسبين, ورُفِعَت الدعاوى ضدهم, واعتُبِوا هم المجرمون, على الرغم من أنهم كانوا يتبعون سياسات محاسبية كانت تُمليها عليهم الإدارة, وكانوا مجبرين على ذلك باعتبارهم كانوا موظفين فيها, والنتيجة أن أحكام القضاء كانت تصدر ضد هؤلاء المحاسبين, أما مسؤولية الإدارة عن ذلك, فلم تكن إلا مسؤولية ثانوية.
بعد هذه الأزمة, خرج المحاسبون بقوة وطالبوا بتشكيل منظمات مهنية لتضع الأسس والقواعد للعمل المحاسبي, والتي كان من أهم مهامها:
1-حماية ودعم المحاسبين تجاه الضغوط المادية والمعيشية التي يمكن أن سها مجلس الإدارة.
2- تنمية المعرفة والثقافة المحاسبية بإقامة الندوات, ورصد التعليمات والتوصيات المهنية لمواجهة المشاكل التي تقابل المحاسب في الحياة العملية.
ومن أهم هذه المنظمات, نذكر:
- المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين AICPA - مُجمع المحاسبين القانونيين في إنكلترا وويلز ICA
- الجمعية الأمريكية للمحاسبة AAA - هيئة معايير المحاسبة المالية FASB