ماهية وأهمية الإفصاح في الفكر المحاسبي:
لقد أدى التطور في الأنشطة الاقتصادية إلى نمو متزايد في حجم المشروعات، وأصبحت ذات علاقات متشابكة، مما زاد من الحاجة إلى الإفصاح المحاسبي لكل الأطراف المتعددة، ومع تعدد تلك الاحتياجات من المعلومات المحاسبية فقد أصبح الإفصاح المحاسبي من أهم المبادئ التي يتبعها المحاسبون عند إعدادهم التقارير والقوائم المالية حيث لا بد أن تقابل المحاسبة كافة احتياجات مستخدمي المعلومات المحاسبية.
ولعل المتتبع للمعرفة المحاسبية المعاصرة سوف يجد اهتمامها من خلال الدراسات والأبحاث المختلفة للعديد من الباحثين الأكاديمين، على المستويين المحلي والدولي بالإفصاح المحاسبي حيث بذلت الجهود من قبل العديد من المنظمات الدولية مثل السوق الأوربية المشتركة، والمنظمة الاقتصادية للتعاون والتنمية واتحاد المحاسبين الدولي IFAC، ولجنة معايير المحاسبة الدولية IASC ومجلس معايير المحاسبة المالية FASB، كذلك في مصر من خلال إصدارات المعهد المصري للمحاسبين والمراجعين ووزارة الاقتصاد والجهاز المركزي للمحاسبات إضافة إلى تشكيل اللجنة الدائمة لمعايير المحاسبة والمراجعة ثم تتويج ذلك بمجموعة الـ 39 معيارًا محاسبيًا الصادرة عن وزارة الاستثمار رقم 243 لسنة 2006، كذلك في المملكة العربية السعودية وغيرهم ممن لهم اهتمام بالمعرفة المحاسبية.
ويعتبر مفهوم الإفصاح من المفاهيم الراسخة في الفكر المحاسبي باعتباره أداة اتصال بين الوحدة الاقتصادية والعالم الخارجي لها، وبما يتضمن كل مجال التقارير المالية بما تحويه من معلومات لأغراض اتخاذ القرارات (الدون س . هندريكسن، 1990، ص 765)، كما يعتبر من القضايا الهامة التي شغلت اهتمام المحاسبين وغير المحاسبين وذلك لما له من تأثير على قرارات وتصرفات المهتمين بأنشطة الأعمال، ونظرًا لما اكتسبه من الأهمية فقد أصبح شائع الاستخدام ودارجًا على السنة الكافة في المجتمع، بحيث أصبح الجميع يطالبون اليوم بمزيد من الإفصاح ومزيدًا من الشفافية (د. شريف البار دوي، مايو 2000، ص 30- 31)، وذلك بهدف أن تكون البيانات المحاسبية (تقارير مالية) وغير المحاسبية (تقارير غير مالية) صادقة ومعبرة عن المحتوى الحقيقي للأحداث المالية التي تظهرها التقارير والقوائم المالية، ولا عجب بعد ذلك بأن يكون الإفصاح المحاسبي هو أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها نظام حوكمة الشركات، وذلك لضمان جودة التقارير المالية وتحقيق الشفافية Transparnsy وغير ذلك من أهداف الحوكمة Governance.
ويعتبر الإفصاح موضوعًا واسعًا بدرجة تكفي للقول بأنه يتضمن كل مجال التقارير المالية وغير المالية ولذلك يعتبر مفيدًا ولا سيما في أغراض اتخاذ القرارات وتقييم الأداء فالإفصاح المحاسبي ضروريًا بما لا يدع مجالا للغموض أو سوء الفهم من جانب الأطراف المعنية به، وكما رأى أحد الباحثين (د. محمد السيد عبد الكريم، أبريل 1982، ص 68) بأن يكون الإفصاح وسيلة للتبصير والإرشاد وليست للتضليل والتغرير.
وباعتبار أن الإفصاح المحاسبي إحدى شقي الوظيفة المحاسبية وهو جوهر النظرية المحاسبية (د. مصطفى شوقي، 1993، ص1، د. يحيى محمد أبو طالب، 1998، ص1) فهو ينطوي على الإعلان المدروس بطريقة اختيارية أو إجبارية لبعض ما لدى الإدارة من معلومات وبيانات ذات صفة اقتصادية نافعة للأطراف الخارجية المعنية ذات السلطة والموارد المحدودة للوصول إلى مثل هذه المعلومات وذلك باستخدام أدوات معينة وتحقيقًا لأهداف معينة (د. فؤاد السيد المليجي 1998، ص 57).


والإفصاح في معناه الواسع يشمل نشر أي قدر من المعلومات المتعلقة بإحدى الشركات فهو يتضمن كل ما هو مذكور في التقرير السنوي وأي نشرات مطبوعة أخرى، ولذلك فالإفصاح يعني (د. ماهر مصطفى أحمد عبد المجيد، 1995، ص 190):
"إعداد القوائم المالية بطريقة تتفق مع المبادئ المحاسبية مع إرفاق مجموعة التقارير والملاحظات والإيضاحات تتناول إيضاح أو تفصيل المعلومات الخاصة بالبنود الواردة في صلب القوائم، بحيث لا تستخدم هذه القوائم كوسيلة للغش والتضليل".
والإفصاح المحاسبي يعرف من منظور الإعلام بأنه الذي يهتم بعرض وتوصيل المعلومات بالصورة التي تجعل القوائم المالية غير مضللة ومفهومة لدى مستخدميها وملائمة للغرض الذي تستخدم من أجله (Hendriksen, E, 1982, p504)، كما يعرفه (د. أحمد ضياء محمد خميس، 1992، ص 1052) بأنه:
"إعلام متخذ القرارات الاقتصادية بالبيانات والمعلومات المحاسبية لاتخاذ قرارات على مستوى الوحدة أو على المستوى القومي.
ويرى أحد الباحثين (د. كمال خليفة أبو زيد مصطفى، 1991، ص 628) بأن الإعلام يتعدى دوره عملية الإفصاح إلى أن يدرك مستخدم المعلومات وما يقصده منتجها، حتى يصل إلى حالة معقولة من الفهم والإدراك، فالإعلام المحاسبي مفهوم متسع ويرتبط بالإفصاح والاتصال وأدوات الاتصال التي تتهتم بعرض وتوصيل المعلومات بالصورة التي تجعل القوائم المالية غير مضللة ومفهومة لدى مستخدميها وملائمة للغرض الذي تستخدم من أجله.
ولذلك فهو عرض للمعلومات المهمة للمستثمرين والدائنين وغيرهم من المستفيدين بطريقة تسمح بالتنبؤ بمقدرة المشروع على تحقيق أرباح في المستقبل وقدرته على سداد التزاماته، ويرى (Chandra G, 1974, pp 733- 742) بأنه إجراء يتم من خلاله اتصال الوحدة الاقتصادية بالعالم الخارجي كما عرفته لجنة إجراءات المراجعة الأمريكية المنبثقة عن AICPA بأنه: (AICPA, 1975, SAS NO.1)
"عرض للقوائم المالية بكل وضوح طبقًا للمبادئ المحاسبية المقبولة ويتعلق ذلك بشكل وتنظيم وتصنيف المعلومات الواردة بالقوائم المالية ومعاني المصطلحات الواردة بها".
ويضيف (د. محمد شريف توفيق 1989، ص 124- 125):
"الإفصاح ما هو إلا إرفاق إيضاحات بالقوائم المالية تتناول إيضاح أو تفصيل المعلومات الخاصة بالبنود الواردة في صلب القوائم المالية أو خارجها، وذلك بهدف ألا تكون القوائم المالية مضللة، ويمكن أن يشمل المفهوم الطرق المحاسبية المستخدمة والأحداث اللاحقة لتاريخ القوائم وتحليلات الإدارة للأحداث الماضية وتنبؤاتها والقوائم المالية الإضافية التي تتعلق بنشاط الشركة ولا يمكن عرضها بكفاية في صلب القوائم المالية".
ويرى (د. أبو الفتوح فضالة، 1996، ص 25) بأن الإفصاح هو الوضوح والكشف التام لما جاء من معلومات محاسبية بالقوائم المالية باعتبارها منتجات نهائية من أعمال المحاسبة المالية تفيد الأطراف المعنية في اتخاذ القرارات، فالإفصاح عمومًا هو تقديم البيانات والمعلومات إلى المستخدمين بشكل مضمون صحيح وملائم لمساعدتهم في اتخاذ القرارات، ولذلك فهو يشمل المستخدمين الداخليين والمستخدمين الخارجين، وهذا يتفق مع تقسيم الإفصاح من حيث المستخدمين إلى إفصاح داخلي وإفصاح خارجي (د. رضوان حلوة حنان، 1998، ص 298).
ومع تعدد تلك التعاريف السابقة للإفصاح المحاسبي إلا أن دلالاتها يكون بتعدد مفاهيم الإفصاح كل حسب غرضه، مما حدا إلى القول بأنه توجد مفاهيم مختلفة للإفصاح لأغراض مختلفة، مما يفسر أن اصطلاح الإفصاح المحاسبي ما هو إلا مفهوم نسبي وليس مطلق إذ لا يمكن أن يكون هناك مصطلحًا موحدًا للإفصاح، فهو يختلف تبعًا للغرض وللفئة المستفيدة (د. رضوان حلوة حنان، مرجع سابق، ص 441، الدون س. هندريكسن، مرجع سبق ذكره، ص 797، 798)، ويؤيد ذلك ما تحويه أدبيات الفكر المحاسبي من مصطلحات مختلفة لمفهوم الإفصاح المحاسبي ومنها الإفصاح الاختياري، والإفصاح الفوري الشامل، والإفصاح الكافي والإفصاح العادل والإفصاح الكمي وغير الكمي والإفصاح الوقائي والإفصاح الإعلامي والإفصاح الاجتماعي والإفصاح الإلكتروني إلى غير ذلك من المفاهيم المختلفة للإفصاح.


وإن كان يمكن القول بأن أدبيات المحاسبة تطرح ثلاثة اتجاهات للإفصاح تتحدد من خلالها محتوى ومضمون الرسالة المحاسبية للأطراف المستفيدة بالمعلومات وهي الإفصاح الوقائي والإفصاح الإعلامي والتوسع في الإفصاح (راجع في ذلك: دز عباس مهدي شيرازي 1990، ص 330 وما بعدها، د. عبد الحميد أحمد محمود، 1994، ص 445- 448، الدون س هندريكسن، مرجع سبق ذكره 767 وما بعدها، د. رضوان حلوة حنان، مرجع سبق ذكره ص 441 وبما بعدها).


ومع تعدد مفاهيم الإفصاح المحاسبي وتعدد أغراضه يكتسب أهميته باعتباره مرتبطًا بالفروض المحاسبية الأساسية (فرض استمرار، فرض الاستحقاق، فرض الثبات) وارتباطه أيضًا بالسياسات المحاسبية المتمثلة في (المبادئ، والأسس والمصطلحات والقواعد والإجراءات)، وكل ذلك تتبناه الإدارة في إعداد وعرض القوائم المالية، حيث توجد سياسات محاسبية مختلفة تستخدم للموضوع الواحد، ولذلك ينبغي سلامة التقدير عند اختيار تلك السياسات والإفصاح عنها عند عرض القوائم المالية (د. يحيى محمد أبو طالب، 1998، ص 15-16) ويعضد ذلك الرأي الصادر عن هيئة المبادئ المحاسبية (APB, No.22, 1972) بأن الإفصاح عن جميع السياسات أو المبادئ يمكن أن تؤثر بشكل مادي على المركز وعلى نتائج العمليات وعلى التغيرات في المركز المالي.
ونظرًا إلى أن الإعلام المحاسبي يرتبط بمفهوم الإفصاح المحاسبي فإن فعالية الإعلام المحاسبي تتوقف على مجموعة من الاعتبارات الضرورية أهمها كفاية الإفصاح المحاسبي، بحيث تشبع حاجات مستخدمي المعلومات المحاسبية (Carmichael, D.R. 1979, p.79, Hendriksen, E, Op.Cit. p504)، كما يمكن الإفصاح الشركات من الحفاظ على الوجهة الرئيسية لقوائمها المالية الموجهة إلى مجموعة المستخدمين كما أن الإفصاح يمكن أن يكون أداة فعالة لحل المشاكل المتعلقة بعملية التقرير المتخطي للحدود القومية، كما يمكن الإفصاح خاصة الاختياري في بعض الأحيان حصول الشركة على بعض المزايا من جراء ذلك، كما يمكن أن يقوم بتوسيع دائرة الاهتمام بالشركة وذلك عن طريق زيادة جمهور المهتمين بالتقرير السنوي للشركة (د. عبد الوهاب غانم، 2001، ص 122- 123)، وأخيرًا يضيف (Haim, F, T.Ophir, 1973, pp. 108- 160) بان ما يقدمه الإفصاح عن السياسات المحاسبية من مساعدة في تفسير أفضل للقوائم المالية لأي منشأة حيث أقر أن المستثمرين يستجيبون إلى المحتوى والفن للإفصاح ذاته، وعليه كان سيظل الإفصاح هو أحد القضايا الهامة التي تشغل الفكر المحاسبي ولعل المتتبع للتطور الفكري للإفصاح المحاسبي سوف يلمس جهود الكثير من المحاسبين في هذا المجال، إضافة إلى جهود المنظمات العلمية والمهنية.
ومن هذا المنطلق شهد الفكر المحاسبي اعترافًا واهتمامًا متزايدين بالإفصاح المحاسبي وعلاقته بمصداقية التقارير والقوائم المالية، وعلى الرغم من ذلك إلا أن الباحث قد لاحظ بأن هناكم مدارس فكرية تطور خلالها الإفصاح المحاسبي من اتجاه تقليدي إلى اتجاه معاصر، حيث احتفظت كل مدرسة فكرية بسمات محددة أثرت – بطبيعة الحال – على مصداقية التقارير والقوائم المالية وما تبع ذلك مصداقية ممولي الضريبة، كما وضح بأن هناك تداخل في المدارس الفكرية للإفصاح المحاسبي دون أن يكون هناك حدودًا فاصلة.