منذ عام 2003 بدأت وزارة المالية وضمن إطار عملية الإصلاح الاقتصادي الشامل ، بتنفيذ خطة طموحة للإصلاح المالي والضريبي ، تهدف إلى عصرنة وتحديث كافة التشريعات المالية والضريبية بقصد جعلها أكثر شفافية و عدالة وتبسيط إجراءاتها، بقصد زيادة الإيرادات الضريبية من جهة والإقلال من عمليات التهرب الضريبي من جهة أخرى، ولتتمكن الدولة من القيام بمهامها على أكمل وجه، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف أحدثت العديد من الهيئات المختصة وعلى رأسها الهيئة العامة للضرائب والرسوم، ولذلك ضمن هذه المقالة سنتطرق لمفهوم التهرب الضريبي وأسبابه وأشكاله وطرق معالجته مقارنة مع ما تقوم به وزارة المالية .


مفهوم التهرب الضريبي:
التهرب الضريبي هو عدم دفع الضريبة المستحقة على المكلف، جزئيا أو كليا، و يتم التهرب قبل بدء فترة الدفع أو خلالها باستخدام وسائل معينة غير مشروعة. ويقصد به أيضا بأنه أية مساع أو جهود أو محاولات يقوم بها المكلف للتخلص من كل أو جزء من التزاماته القانونية بأداء الضريبة المستحقة عليه. وقد يبدأ التهرب الضريبي في مرحلة صياغة القانون عندما يكون لبعض المشرعين مصالح خاصة، كأن يكونوا من أعضاء مجلس الشعب من رجال الأعمال أو من مدراء البنوك أو التجار أو المقاولين أو المهنيين، بحجة إشراك القطاع الخاص، فيحرفون الصياغة باتجاه مصالحهم.


أسباب التهرب الضريبي:
للتهرب الضريبي أسباب عديدة يمكن التعرض لأهمها وباختصار:
الأسباب الأخلاقية: ويقصد بها المستوى الأخلاقي ودرجة الوعي الوطني والثقافي السائد في الدولة ، فكلما كان هذا المستوى مرتفعاً لدى الأفراد كلما كان هؤلاء الأفراد يتمتعون بشعور عال بالمسؤولية ، وبحب متنام للمصلحة العامة، وسعي حثيث نحو أداء واجباتهم التي تحددها الأنظمة والقوانين نحو الجماعة، والتي تأتي في مقدمتها قبولهم بأداء واجب الضريبة باعتبار أن ذلك إحدى طرق المحافظة على كيان الدولة والمساهمة في رقيها وتقدمها بل ومساعدتها في تقديم أفضل الخدمات إلى كل أفراد المجتمع.
الأسباب التنظيمية الفنية للتهرب: وتتمثل من خلال أن الضريبة لا تفرض إلا بتقديم تصريح خطي من قبل المنشأة التجارية أو الصناعية أو الخدمية أو غيرها، وبالتالي فإن عدم وجود برنامج مراقبة (أو نظام) فني دقيق يتابع الأفراد و الشركات يلعب دوراً هاماً في التهرب الضريبي. ومن أمثلة التهرب الضريبي التهرب من دفع الرسوم الجمركية الذي يتم من خلال إخفاء الفواتير الحقيقية الخاصة بالبضائع و إظهار فواتير مزوّرة غيرها تحمل قيمة أقل من القيمة الأصلية.
الأسباب السياسية للتهرب الضريبي : تلعب السياسة التي تتبعها الدولة دوراً هاماً في التهرب الضريبي فإذا أنفقت الدولة حصيلة الضرائب التي تجبيها في وجوه نافعة فان الأفراد يشعرون أن ما يدفعونه يعود عليهم بالفائدة وبالتالي يقل تهربهم من الضرائب المفروضة أما إذا بددت الدولة حصيلة الضرائب في وجوه لا تعود بالنفع على المواطنين فإنهم سيبذلون قصارى جهدهم في التهرب من الضريبة.
الأسباب الاقتصادية : وهي تتعلق بمستوى المعيشة و الوضع الاقتصادي العام ، فمن المفترض أن الوضع الاقتصادي الجيد والانتعاش الاقتصادي ووفرة رؤوس الأموال تؤدي إلى عدم التهرب الضريبي و العكس صحيح .
الأسباب الجزائية : يساعد الجزاء (أو الغرامة) الذي تفرضه الدولة على المتهرب من الضرائب على التقليل من التهرب الضريبي وعادة ما يوازن المكلف بين مبلغ الضريبة المترتب عليه وبين الجزاء أو (الغرامة) الذي سيتعرض له إذا ما تهرب من دفع الضريبة المستحقة إذا ما تم فضح أمره، فإذا كان الجزاء أكبر من الضريبة عدل عن التهرب والعكس صحيح . وقد لا يكون الجزاء ماديا فقط ، بل قد يتعداه إلى استخدام طرقاً أخرى تراها الدولة مناسبة مثل التقييد والمنع والحرمان.
الروتين والبيروقراطية وثقافة الفساد التي تحكم الكثير من الدوائر المالية، وعلى وجه التحديد فئة الموظفين التي تناط بها مسؤولية متابعة المكلفين غير المسددين لاستحقاقاتها الضريبية ولم يتم تكليفهم في وقت سابق. فهذه الفئة أو الشريحة من الموظفين، لا يمكن ولا بأي حال من الأحوال إنجاز معاملة لأي مكلف إلاَّ بعد دفع المعلوم، وفي حال عدم الاستجابة لرغبة هذا الموظف أو ذاك، فهناك الكثير من الأساليب التي يتفنن بها البعض من أجل منع إنجاز المعاملة مما يحرم خزينة الدولة من أموال ضخمة، يضاف إلى ذلك قدم وتخلف التشريعات الضريبية و تعارضها و تعقيدها وعدم وضوحها، مما يفسح المجال للفرد بعدم دفع الضريبة وعدم الالتزام بها.
الازدواج الضريبي وهو فرض الضريبة ذاتها ـ أو ضريبة من نفس النوع ـ أكثر من مرة على ذات المكلف في مدة واحدة وبالنسبة لنفس محل الضريبة ،وهذا ما يجعل المكلف يتهرب من الضريبة لاعتقاده بعدم أحقية الدولة بهذه الضرائب.


أشكال التهرب الضريبي


من أهم أشكال التهرب الضريبي:


1- الكتمان الكلي للنشاط الاقتصادي، بحيث لا يصل عنه أية معلومات إلى وزارة المالية و بالتالي لا يتم دفع أية ضرائب على الإطلاق ، و يعتبر الكتمان أكثر الوسائل أماناً ويساعد على ذلك وجود القطاع غير المنظم (اقتصاد الظل) المتمثل في وجود عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية التي تعمل بدون ترخيص وبالتالي هي لا تسدد الضريبة وقد تشمل أنشطة صناعية، حرفية، خدمية وتعليمية... الخ.، و بشكل عام يشمل التهرب كل من يمارس نشاط يحقق له دخل دون أن يعلم عنه في الدوائر المالية و لا يدفع عنه أية ضرائب .
2- إخفاء أرقام الأعمال في جميع بيانات مكلفي ضرائب الأرباح الحقيقية. و هذا يحدث في النشاطات التي لا تكون الحكومة طرفاً منها أو لا تكون لها علاقة مباشرة بها.
3- زيادة النفقات وتقليل الإيرادات، حيث تضخم التكاليف على نحو وهمي من خلال زيادة تكاليف السلع و العمل و زيادة نفقات أجور العمال حتى تصبح الأرباح الظاهرة قليلة و بالتالي تقل الضرائب المفروضة عليها.
4- تخفيض أسعار البيع للسلع والخدمات و كذلك تزوير أوراق و فواتير الاستيراد حيث تظهر عدد المواد المستوردة قليلة من أجل التهرب من دفع الرسوم الجمركية.
5- تنظيم إجازات استيراد السلع بأسماء مختلفة قد يكون ليس لهم علاقة بالتجارة و الاستيراد من أجل التهرب من دفع الضريبة، وبالتالي إخفاء الذمة المالية للمستورد الحقيقي .
6- عدم سداد ضريبة دخل العاملين في المصانع و الشركات (ضريبة الرواتب والأجور) بهدف تقليل التكلفة على أصحاب العمل وعدم تسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية وبالتالي يصبح التهرب ضريبي وتأميني بآن واحد.
7- تأخر المكلفون بدفع الضريبة لعدة سنوات من أجل استخدام مبلغ الضريبة في فترة التأخير كربح وانتظارهم صدور مراسيم أو قرارات عفوا عن الغرامات والفوائد حيث جرت العادة على صدورها كل عدة سنوات.


آثار التهرب الضريبي:


يمكن إيجاز آثار التهرب الضريبي بمايلي:


1- انخفاض حجم الإيرادات العامة التي تجنيها الدولة من المكلفين وبالتالي تنخفض الأموال التي كان يجب أن تخصص للإنفاق الاستثماري أو الجاري، مما يؤثر على جودة الخدمات الحكومية ، فالتهرب يؤدي إلى عرقلة مشاريع الدولة و الحكومات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية .
2- اضطرار الحكومة إلى سداد العجز الناتج عن التهرب من خلال اللجوء إلى القروض الداخلية و الخارجية و هذا يوقعها في مأزق يتمثل في عملية خدمة الدين من حيث سداد القروض ودفع الفوائد المترتبة .
3- عدم تحقق العدالة الضريبية بين المواطنين بحيث يدفع قسم من المكلفين الضريبة ، و لا يدفعها آخرون .
4- الجانب الأخلاقي المتمثل في الفساد و انعدام الأمانة في العمل و أداء الواجب والذي يربي أجيالاً تمتهن الاحتيال والنصب والتلاعب على القوانين والاستفادة من الثغرات القانونية الناتجة عن غموض بعض النصوص وإمكانية تفسيرها بأشكال مختلفة.
5- التأثير على القدرة التنافسية بين المشروعات المختلفة: فالمشروعات التي لا تدفع الضريبة تكون تكاليف إنتاجها أقل من تكلفة إنتاج الشركات الدافعة للضريبة لأن أموال الضريبة غير المدفوعة تذهب كربح و إيراد لها و هذا يجعل لها ميزة تنافسية على حساب غيرها .


التوصيات لمعالجة التهرب الضريبي بالمقارنة مع ما قامت وتقوم به وزارة المالية :


1- زيادة الوعي الضريبي لدى المكلفين عن طريق تعريف أفراد المجتمع بواجباتهم الضريبية بشتى الوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة، وتنظيم الندوات المتخصصة لشرح بنود القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة في مجال الضريبة وكيفية احتسابها وتحصيلها الأمر الذي سيؤدي إلى غرس القيم الاجتماعية والأخلاقية الصالحة في نفوس المواطنين وتعريفهم بأهمية الضريبة باعتبارها إحدى الوسائل التي تعين الدولة على القيام بواجباتها وعلى تنفيذ مشاريع تعود بالخير على عموم المواطنين ولا بأس من التذكير وعبر مختلف وسائل الإعلام ببعض المشروعات التي أقيمت بمساعدة الإيرادات التي تحصلها الدولة نتيجة لأداء الأفراد لواجباتهم الضريبية، وما الحملة الإعلامية المكثفة التي قامت بها وزارة المالية خلال النصف الثاني من عام 2009، إلا خير دليل على هذا التوجه.
2- إعادة النظر بالعقوبات في القوانين النافذة على المتهربين من الضرائب مع التأكيد على أن التهرب الضريبي يعني اعتداء على حقوق أفراد المجتمع كافة واستخدام العقوبات المالية الجزائية خاصة إذا كانت هذه المخالفة ترتكب لأول مرة واستخدام أساليب أخرى مبتكرة في العقاب، وفي هذا الإطار جاء قانون الاستعلام ومكافحة التهرب الضريبي رقم 25 لعام 2003 .
3- من الضروري التأكيد على مبدأ العدالة الضريبية مما يستدعي تحديد نسب ومقاييس معتدلة للضرائب حتى لا يتولد لدى المكلف شعور بأنه يقع تحت أعباء ضريبية تتجاوز طاقته المالية، ولكي لا يندفع بالتالي لممارسة أية حالة من حالات التهرب، وضمن هذا الإطار جاء قانون الضريبة على الدخل رقم 24 لعام 2003 والمرسوم 51 لعام 2006 والذي خفض الشرائح الضريبية حتى وصلت الى 14% للشركات التي تطرح 50% من أسهمها للتداول في السوق المالية (ويعتبر هذا المعدل من أخفض معدلات الضرائب على دخل الشركات في دول الجوار)، وهذا ما قارب الشرائح والنسب الضريبية للنسب المعمول بها في دول الجوار.
4- متابعة المشكلات التي يفرزها تطبيق التشريع والعمل على سد كل الثغرات التي تظهر أثناء التنفيذ فيمكن اللجوء إلى جباية الضريبة من المصدر أي حجزها عند المنبع لأن ذلك سيؤدي إلى خصم الضريبة من الإيراد قبل وصوله لصاحبه مع مراعاة أحكام الرقابة على القرارات التي يتقدم بها الأفراد لإدارات الضرائب عن دخولهم وذلك للتحقق من صحة البيانات الواردة فيها وهنا تأتي ضرورة أنشاء (بنك المعلومات) والذي يتولى مهمة تجميع هذه لبيانات ودراستها وتفريغ المعلومات التي تتضمنها ومقارنة بعضها ببعض، وقد صدرت خلال الأربع سنوات الماضية عشرات القرارات والمراسيم التي تعدل تشريع سابق ثبت بالتطبيق العملي أنه مليء بالثغرات القانونية .
5- من المهم الاعتناء بالثقافة الضريبية وحسن التعامل بين المكلف والدوائر المالية، وهذا يتطلب تدعيم الإدارات المكلفة بجباية الضرائب بأعداد كافية من العاملين الكفؤين والنزيهين وتزويدها بما تحتاج من أجهزة ومعدات آلية متطورة تتلاءم مع درجة المهمة الملقاة على عاتقها إذ إن مكافحة التهرب الضريبي تعني قبل كل شيء وجود أداة ضريبية عالية الكفاءة.
6- منح الإدارة الضريبية حق الاطلاع على الأوراق و الوثائق الخاصة بالممول والتي تفيد في الكشف عن حقيقة المركز المالي لهذا الممول، والاعتماد على تبليغات الغير و منح مكافأة مالية لمن يقوم بهذا التبليغ وهذا ما أمنه قانون الاستعلام ومكافحة التهرب الضريبي رقم 25 لعام 2003 .
7- إعطاء الإدارة المالية الحق في أن تحصل على السلع و خصوصاً المستوردة منها بالقيمة التي يعلنها الممول، وهذا ما أجازه المرسوم 56 لعام 2008 .
8- الإفادة من التشريعات الإسلامية والتجارب السابقة للدول الصديقة في التعامل مع المتهربين ضريبياً، ولاسيما أن الدين الإسلامي يحض على أداء المال العام قبل المال الخاص، وهذا ما يؤكده مفتي الجمهورية العربية السورية بقوله " المتهرب من الضريبة آثم شرعا وآكل المال العام" .
9- الإسراع بإصدار قانون الضريبة على القيمة المضافة أو "ضريبة المبيعات" والتي من المتوقع أن تحل مكان 12 نوع من الرسوم والضرائب المختلفة ومن بينها ضريبة الإنفاق الاستهلاكي ، كما يصرح المسؤولون في الوزارة، وإزالة كافة الحجج التي يتستر بها البعض من أجل تأجيل التطبيق، وسيكون لهذه الضريبة أثرا كبيرا في الحد من التهرب الضريبي ولاسيما في حال تعاون المستهلكين، من خلال توعيتهم بأهمية المطالبة بالحصول على إيصال أو فاتورة نظامية ، مما سيساعد على تقليص التهرب الضريبي إلى حد كبير.
وأخيرا يبقى التهرب الضريبي جرح نازف في خاصرة الاقتصاد الوطني، و تبقى مسألة مكافحته هاجس الحكومة وأصحاب الدخول بمختلف فئاتهم، رغم أن التهرب الضريبي الكبير هو لدى ذوي الدخول العالية ولاسيما لدى كبار المكلفين من القطاع الخاص و هو أكبر بكثير من ذوي الدخل المحدود أو المنخفض، ولذلك من المهم التركيز على العامل الأخلاقي والوطني والديني والإنساني، وتنمية الإحساس بالمسؤولية الوطنية وترسيخ الخطاب الحالي لوزارة المالية الذي يعتمد على الترغيب وليس الترهيب