إعداد


محمد محمود حوسو
مدقق حسابات قانوني
مؤسسة حوسو للمحاسبة وتدقيق الحسابات




من رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
إلى أبي موسى الأشعري "قاضي الكوفة "


"إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عن الخصومة أو الخصوم ،فان القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر ، فمن خلصت نيته في الحق – ولو على نفسه – كفاه الله ما بينه وبين الناس ،ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله ، فان الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا ، فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته ……."




أهداف البحث:
يهدف هذا البحث إلى تحقيق ما يلي:


أولا: التعريف بالجرائم البنكية ومسؤولية البنوك.
ثانيا: التعريف بأهمية البنوك ومسئوليتها القانونية تجاه عملائها من ناحية وتجاه إدارتها من ناحية ثانية وتجاه المجتمع بصورة عامة.


أهمية الدراسة والبحث:
أولا: أن البنوك سواء التقليدية منها أو الإسلامية أصبحت تشكل جزءا هاما في الحياة الاقتصادية ودعم التنمية الاقتصادية في الدول بصورة عامة.


ثانيا: أن الجرائم في البنوك ومسئوليتها عن هذا النوع من الجرائم هي مزيج بين المسؤولية المدنية والمسؤولية التقصيرية،وبالتالي اختلف الفقه والقضاء في التحديد المطلق للمسؤولية.


فرضيات البحث:
أولا: أن الجرائم والمسؤولية البنكية هي مزيج من قواعد العلوم المالية والقواعد القانونية ويحتاج الباحث إلى الإلمام بالأصول المتعارف عليها كما جاءت بها الاتفاقيات والقواعد الدولية سواءً في العلوم المالية أو في العلوم القانونية.


ثانيا: أنه وبالرغم من صعوبة تكييف الخطأ سواء من قبل العميل أو البنك فتبقى المسؤولية العقدية هي أساس المسائلة القانونية.


ثالثا: كثرة الآراء القضائية واختلافها من دولة إلى دولة في تكييف المسؤولية القانونية وخصوصا بعد أن دخلت البنوك الإسلامية في هذا المجال.


خطة البحث
جرائم ومسؤولية البنوك
الفصل الأول : (1)
1-1 التعريف بالجريمة الاقتصادية.
1-2 الجريمة الاقتصادية من جرائم الخطر.
1-3 أركان الجريمة الاقتصادية.
الفصل الثاني: (2)
المسئولية الجنائية في الجرائم الاقتصادية
الفصل الثالث: (3)
3-1 موقف التشريع من عمليات البنوك.
3-2 الأساس القانوني لمسؤولية البنك.
3-3-1 مسؤولية البنك عند تحصيل أوراق العميل التجارية.
3-3-2 مسؤولية البنك عند تحصيل حقوق العميل.
3-3-3 مسؤولية البنك عند تنفيذ عقد استثمار أموال العميل.
3-3-4 مسؤولية البنك عند تنفيذ عقد البيع والشراء للعميل.
3-3-5 مسؤولية البنك عند تنفيذ عقد الوفاء عن العميل .
3-3-6 مسؤولية البنك عند تنفيذ إجارة الخدمات المصرفية.
3-3-7 مسؤولية البنك عند صرف الشيك المزور أو المعيب.
3-3-8 مسؤولية المصرف عند طلب فتح الاعتماد.




مقدمة الدراسة :
بدأ النظام الاقتصادي للدولة يتطور بتطور الشركات المساهمة Corporation ، هذا التطور الذي تهيأت له معظم الدول سواء المتقدمة منها كالولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية أو حتى الدول الشرق أوسطية ،كانت له عدة آثار بعيدة المدى يهمنا منها الآثار التالية :
أولاً: أن قضية رأس المال والنقود تقدمت على ما عداها في الأهمية ليست بغرض إنشاء الشركات المساهمة فقط بل لغرض تحقيق الأرباح وعمل التكتلات الرأسمالية .
ثانياً:ازدياد النشاط البنكي والمالي والتجاري بين الأفراد من جهة داخل الحدود الإقليمية ،وبين الأفراد والشركات العالمية سواءً كانت عربية أو أجنبية .
ثالثاً: ازدياد المجموعات المنظمة التي تدير حركة رؤوس الأموال والنقود في العالم سواءً على مستوى الأفراد أو على مستوى الشركات عن طريق عمل التكتلات الاتحادية بين الشركات المساهمة مما اظهر ما يسمى بالشركات القابضة أو التابعة سواءً في الشركات التجارية أو في شركات الأموال .
رابعاً: ازدياد الجرائم المالية والاقتصادية ،وفرص العبث بالادخار القومي والائتمان العام والتلاعب بالاقتصاد القومي بصورة عامة .
خامساً:ازدياد دور البنوك باعتبارها الوسيطة بين أصحاب رؤوس الأموال وبين التجار الذين في حاجة إلى رؤوس الأموال المتجمعة في البنوك ،وأصبحت البنوك تقوم بدور خطير في نشر الائتمان التجاري واستثماره في البيئة التجارية على أسس فنية ، ومنطقية ،وقانونية .
مما سبق نرى تعاظم دور البنوك وقيامها بدور الوساطة بين التجار الذين هم في حاجة إلى الائتمان .فالبنوك وسيلة تجميع رؤوس الأموال ،والمدخرات ،وتقوم بمنح التجار وغيرهم ائتمانها في صورة قروض ،أو فتح اعتمادات ،أو منح خطابات ضمان ،كما تقوم بخصم الأوراق التجارية فتحيلها إلى نقود سائلة بين يدي المستفيد منها بدلاً من الانتظار حتى يعين موعد استحقاقها ، وبالإضافة تقوم البنوك بخلق النقود ،وتساعد إلى حد كبير برسم السياسة النقدية في الدولة ،وكذلك تقوم بأعمال الصرافة وغيرها من الخدمات التجارية مما جعل مسؤولية البنوك ذات أهمية عظيمة بما لها من دور كبير في الاقتصاد والمساعدة في التنمية الاقتصادية .وهذا مما حدي البعض بالقول :-
"لا تنمية ولا اقتصاد بغير بنوك ، ولا بنوك بغير اقتصاد "
وقد بلغت أهمية البنوك ذروتها بابتداع الشيك كأداة من أدوات الوفاء التي أغنت عن النقود في كثير من الصور ،وفي القرن التاسع عشر وصلت البنوك إلى ذروة أهميتها بفضل الثورة الصناعية والتجارية حيث ظهر التخصص في أعمال البنوك ،كبنوك الأعمال التي تقتصر في توظيف أموالها على تمويل مشروعات الصناعة والتجارة ،والبنوك العقارية التي تقوم على إقراض المشتغلين باستغلال العقارات ،وبنوك الاستثمار التي وظيفتها جمع مدخرات المودعين والمساهمين لاستثمارها في أغراض معينة ،بل أن نهاية القرن التاسع عشر شاهد ظهور البنوك الإسلامية التي يختلف مفهومها للوظيفة البنكية عن البنوك التقليدية (الربوية )، في حين أن البنوك الإسلامية أخذت بمبدأ إلغاء الفائدة الربوية، وانتهجت أسلوب المشاركة والمرابحة لتشجيع القطاع الاقتصادي بمختلف ألوانه وتحقيق العدالة الاجتماعية ،وخلق الأمان والطمأنينة لدى جمهور المستثمرين بان البنك هو شريكهم ليس فقط في تحقيق الأرباح وانما في تحمل الخسارة ايضا ضمن عقود منظمة تنظيما فنيا وقانونيا تحفظ حقوق المستثمرين من جهة ، وحقوق اصحاب البنك من جهة ثانية ضمن اطار قانوني قائم على مبادئ وقواعد الشريعة الاسلامية .
وبحثي هذا في جرائم ومسئولية البنوك يأتي للمساعدة في التعريف بالمسؤولية العقدية للبنك ،ودراسة أعمال البنوك هل هي أعمال مدنية أم أعمال تجارية؟ ودراسة الوديعة البنكية التي يلتزم البنك بردها إلى العميل ،هل تعتبر نوعاً من القروض أم ماذا ؟ كما يشمل دراسة الأخطاء التي يقع فيها البنك سواء العمدية منها أو غيرها من الأخطاء ،هل هي جرائم أو ترتقي إلى مفهوم الجرائم؟
وبالتالي سوف تتم الدراسة بالتعريف بالمفهوم العام للجريمة ، الجريمة الاقتصادية بشكل خاص في الفصل الأول والتعريف بالمسؤولية الجنائية للجرائم الاقتصادية في الفصل الثاني ،ثم الانتقال إلى بعد ذلك لدراسة تطبيقات عملية في مسئولية البنوك في مختلف الأعمال الوظيفية التي يقوم بها البنك وذلك في الفصل الأخير .




الفصل الأول


ويشمل هذا الفصل دراسة المواضيع التالية :


2-1:التعريف بالجريمة الاقتصادية
2-2:الجريمة الاقتصادية من جرائم الخطر
2-3:أركان الجريمة الاقتصادية


2-1 تعريف الجريمة الاقتصادية :
لا يوجد تعريف محدد للجرائم الاقتصادية وتعددت الآراء بشأنها ،فقد اتجهت بعض التشريعات في بعض الدول إلى النص صراحة على الموضوعات التي ينتمي إليها قانون العقوبات الاقتصادي ، غير أن هناك تشريعات أخرى تترك للقضاء والفقه مهمة تحديد مدلول الجرائم الاقتصادية وتعريفها .
وبالتالي فانه يمكن تعريف الجريمة الاقتصادية كما يلي :
"الجريمة الاقتصادية هي كل فعل (أو امتناع ) ، يعاقب عليه القانون ، ويخالف السياسة الاقتصادية للدولة ."
ويفهم من هذا التعريف :-
1-الجريمة الاقتصادية هي كل فعل (أو امتناع ) يعاقب عليه القانون ، وهذا شرط أساسي في كل جريمة ،سواء أكانت اقتصادية أم عسكرية أم عادية ، وهو أن تتوافر فيها الأركان العامة للجريمة #الركن المادي
# الركن المعنوي
2-الجريمة الاقتصادية هي كل فعل يخالف السياسة الاقتصادية ، والسياسة الاقتصادية ترسمها الدولة بقوانين أو مراسيم أو قرارات :كالتشريعات المتعلقة بالتخطيط ،والتموين ،والتدريب والتصنيع ،ودعم الصناعة ،والتامين ،والتجارة والجمعيات التعاونية ، والزراعة ،وحماية الثروة الحيوانية والنباتية والمائية والمعدنية .


وقد عرف الجريمة الاقتصادية المستشار الدكتور مصطفى كيره في كتابه الجرائم التموينية كما يلي :
"كل عمل أو امتناع يقع بالمخالفة للقواعد المقررة لتنظيم أو حماية السياسة الاقتصادية للدولة إذا نص على تجريمه في هذا القانون أو في القوانين الخاصة "


2-2الجريمة الاقتصادية من جرائم الخطر(1):
لا يهتم قانون العقوبات بالنتائج الضارة التي تنجم عن الفعل الإجرامي فحسب ،بل يأخذ في اعتباره أيضا تلك النتائج الضارة التي يحتمل حدوثها في المستقبل ،فلا يشترط أن يترتب على ارتكاب الجريمة ضرر فعلي، بل يكفي إلى بعض الجرائم أن يقترن سلوك الفاعل بمجرد احتمال الضرر، فالجرائم تنقسم –من حيث طبيعة النتائج المترتبة عليها –إلى جرائم خطر وجرائم ضرر .
وتمر كل جريمة بمرحلة الخطر الذي يسبق تحققه الضرر، والمرحلة الأولى هي التي تعرف بمرحلة الشروع ،بمعنى أن النشاط الإجرامي للفاعل إذا وقف عند تهديد مصلحة معينة بالخطر ،دون أن يترتب ضرر حقيقي،فالجريمة يعاقب عليها بوصف الشروع .
والواقع أن الخطر الذي يميز جرائم معينة ، يتعلق باللحظة التي تم فيها تنفيذ الجريمة ففي تلك اللحظة تتكامل أركان الجريمة دون أن يعقبها إلحاق ضرر بمصلحة يحميها القانون ،وبالتالي فان فكرة جريمة الخطر تتعلق أساساً بلحظة تمام النشاط الإجرامي ،فقد يبدو للمشرع أن سلوكاً معيناً مثل خطراً اجتماعياً إذ يهدد مصلحة جديرة بالاعتبار ،فتقضى بتجريم هذا الفعل دون أن يتوقف ذلك على إلحاق ضرر فعلي بمصلحة معينة .
وتندرج الجريمة الاقتصادية تحت طائفة جرائم الخطر ،إذ هي فعل يهدد النظام الاقتصادي وبالتالي يحركه المشرع منعاً من احتمال الأضرار بهذا النظام .
فالجرائم الاقتصادية لا يتوقف العقاب فيها على تحقق ضرر فعلي ،إذ أن ارتكاب تلك الأفعال يهدد المصلحة التي يحميها المشرع بخطر جسيم مما استوجب تجريم المشرع لها والخطر هنا خطر عام موجه ضد النظام الاقتصادي في الدولة .
تعتبر القاعدة القانونية من أهم القواعد التي حرصت الدساتير والتشريعات المختلفة على حمايتها ؛فقد نص الدستور الصادر عام 1971 في المادة 66 منه على انه ،لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي ،وتنص المادة الخامسة من قانون العقوبات على انه "يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها ..فالمصدر الوحيد للجرائم والعقوبات هو القانون .
وتعتبر القاعدة قانونية من أهم ضمانات الحرية الفردية .فالمشرع حينما يحدد الأفعال المجرمة والجزاءات التي توقع على مرتكبيها ،يضع قيوداً على الحرية الفردية ،فالنص القانوني أداة ضرورية من اجل إحاطة الأفراد علماً بالنطاق الذي يتمتعون فيه بحرية التصرف ،فكافة ما يصدر عنهم من أفعال ،داخل تلك الحدود يعد مباحاً ،ويتوافر لدى الفرد بالتالي الشعور بالطمأنينة عند إتيانه لأفعال من هذا القبيل .
ويترتب على ذلك بعض نتائج أهمها :
1-القانون هو المصدر الوحيد للقاعدة الجنائية .
2-يلتزم المشرع بالدقة في صياغة النصوص القانونية .
3-عدم جواز تجريم المشرع لأفعال ارتكبت قبل إصدار القانون .
4-التزام قواعد إجرائية معينة .
5-يمتنع على القاضي التفسير بطريق القياس .


فإذا كانت الجريمة الاقتصادية هي كل فعل أو امتناع يحوي تهديداً للنظام العام الاقتصادي للدولة ، ويقرر له المشرع جزاءاً جنائياً ،فيخضع قانون العقوبات الاقتصادي لمبادئ التي يتضمنها قانون العقوبات ما لم ينص المشرع على خلاف ذلك .
وقاعدة قانونية العقوبات تسري في نظام التفويض التشريعي ،إذ قد يكتفي المشرع بالنص على القواعد العامة ، بينما يحيل إلى السلطات المختصة في تحديد عناصر الفعل الإجرامي وذلك عن طريق التفويض التشريعي ،على أن يحدد المشرع حينئذ العقوبة التي تتبع في حالة مخالفة تلك القرارات الإدارية ،أو يكتفي بالنص على الحد الأقصى لها .
والكثير من الجرائم الاقتصادية تتضمن قواعد تفويضية ،حيث يحيل المشرع إلى الوزير المختص بشان اتخاذ قرارات يحدد فيها عناصر التجريم بالنسبة لوقائع معينة ،كما يشمل البعض الآخر قواعد على بياض حيث يقتصر المشرع على تقرير الجزاء الذي يصبح ملزماً إذا تحقق عنصر لاحق وهو إصدار القرارات من قبل الوزير المختص .




2-3 أركان الجريمة الاقتصادية :
أولاً:الركن المادي ثانياً: الركن المعنوي
الركن المادي :
الركن المادي للجريمة هو ماديتها ،أي كل ما يدخل في كيانها وتكون له طبيعة مادية فتلمسه الحواس ،وللركن المادي أهمية واضحة فلا يعرف القانون جرائم بغير ركن مادي .
عناصر الركن المادي :
1)الفعل 2)النتيجة 3)علاقة السببية بينهما
أولاً :الفعل
يرسم الفعل حدود سلطان الشارع الجنائي ،فالفعل –باعتباره سلوكاً إنسانياً –هو ما يعني الشارع ،وينطوي الفعل على قيمة قانونية ذاتية ،فهو في ذاته يوصف بأنه غير مشروع ،ومن اجل ارتكابه يقرر القانون العقاب والفعل يشمل السلوك الإيجاب ي،ويتسع للامتناع (السلوك السلبي ) .


أ-الفعل الإيجابي : هو حركة عضوية إرادية :
1)فهو حركة عضوية ،فالفعل الإيجابي كيان مادي محسوس ويتمثل هذا الكيان فيما يصدر عن مرتكبه من حركات لأعضاء في جسمه ابتغاء تحقيق آثار معينة .
2)وهو صفة إرادية :بمعنى أن الإرادة وهي قوة نفسية ومدركة تدفع أعضاء الجسم إلى الحركة على النحو الذي يحقق الغاية التي يبتغيها من تصدر عنه الإرادة .


ب-الفعل السلبي (الامتناع):
وهو أحجام شخص عن إتيان فعل إيجابي معين كان المشرع ينتظره منه في ظروف معينة بشرط أن يوجد واجب قانوني يلزم بهذا الفعل ،وان يكون باستطاعة الشخص الممتنع القيام بهذا الفعل .
وعلى هذا الامتناع يقوم على عناصر ثلاثة :
1-الأحجام عن فعل إيجابي معين
2-واجب قانوني
3-صفة إرادية الامتناع
ثانياً:النتيجة (1)
النتيجة كظاهرة مادية هي التغير الذي يحدث في العالم الخارجي كأثر للسلوك الإجرامي .وفي مدلولها القانوني هي العدوان الذي ينال مصلحة أو حقا رتب المشرع له الحماية الجنائية .
وبين المدلولين السابقين صلة وثيقة ،فالقول بوجود اعتداء على حق يحميه القانون هو تكييف قانوني لآثار المادية التي أنتجها السلوك الإجرامي .


ثالثاً:علاقة السببية
علاقة السببية هي الصلة التي تربط بين الفعل والنتيجة ،وهي تسند النتيجة إلى الفعل ،فتقرر بذلك توافر شرط أساسي لمسئولية مرتكب الفعل عن النتيجة(1)، وإذا انتفت علاقة السببية ،فان مسؤولية مرتكب الفعل تقتصر على الشروع إذا كانت جريمته عمدية ،فإذا كانت عمدية فلا مسئولية عنها ،إذ لا شروع في الجرائم غير العمدية .
ونخلص إلى القول أن الركن المادي يختلف من جريمة إلى أخرى من الجرائم الاقتصادية .
الركن المعنوي
هناك رأيين في الفقه حول مفهوم الركن المعنوي ،
فالرأي الأول :يرى أن الركن المعنوي في الجرائم الاقتصادية لا يختلف عنه في سائر جرائم القانون العام ، فالأصل فيها العمد ولا عقاب على الفعل غير العمدي إلا إذا نص المشرع على ذلك صراحة .
أما الرأي الثاني :فيرى أن القاعدة يف قانون العقوبات الاقتصادي مختلفة عن القاعدة في قانون العقوبات العام .
ويكاد يكون الاتفاق تاماً بين أعضاء الرأيين على أن القصد الجنائي متطلب في الجرائم الاقتصادية ،وذلك أن تطلب القصد الجنائي هو مقياس شدة النظام العقابي ،فكلما كان النظام شديداً كلما كان القصد الجنائي غير متطلب .


القصد الجنائي :
القصد الجنائي هو الركن المعنوي في الجرائم العمدية ،ويستعمل المشرع عبارات في النصوص و تعبر صراحة عن القصد الجنائي من ذلك قوله "عمداً" أو "بقصد الغش "أو يحدد نتيجة معينة يشترط أن ينصرف إليها قصد الجاني(1) .
ويتكون القصد الجنائي من عنصرين هما :
1) العلم 2)الإرادة
ويجب أن ينصرف العلم إلى كل من الركن المادي للجريمة وركن عدم المشروعية .
أ-العلم بالركن المادي :
يتضمن القصد هنا ، علاقة أو رابطة توافق أو تطابق بين الوقائع التي يرتكبها الفاعل وتلك التي ينص عليها القانون ،فجريمة صنع الخبز المخالف للمواصفات تتم بمجرد مقارنة الفعل المؤثم مع العلم بماهيته وكونه مخالفاً للقانون ،والعلم بالركن المادي يتضمن العلم بالصفات الخاصة التي اشترطها القانون وبمكان الجريمة ضروري لتوافر القصد الجنائي ،فعلم المتهم بأنه داخل دائرة المخالفة بالنسبة لجرائم الأسعار .
ب-الإرادة في الجريمة الاقتصادية :
العنصر الثاني في القضاء الجنائي هو اتجاه الإرادة إلى النتيجة فالعلم ضروري ولازم ولكنه غير كاف ،وكل قيمته انه يمهد للإرادة ويستحيل دون تصورها(2) .
وتسلم معظم القوانين بإمكانية اعتبار الباعث ظرفاً في الجريمة(1) . فيعاقب المشرع المشتري الذي يقبل الشراء بسعر يزيد عن السعر المحدد بوصفة فاعلاً لجريمة خاصة وليس شريكاً للبائع ،ولكنه اعتد بالباعث على اعتبار قصد الاتجار عقوبتها الغرامة بينما جعل عقوبة الشراء بقصد الاتجار الحبس.