بداية المحاسبة الدولية
من البديهي والمعروف ان التطور الذي شهدته المحاسبة بشكل عام وبالاخص منذ العام 1494 أي منذ بداية ابتكار و تطبيق مبداْ القيد المزدوج لامساك الدفاتر المحاسبية في ايطاليا ، وما أعقبه من تطورات شتى في المجالات الاقتصادية والسياسة والاجتماعية لكثير من المجتمعات المختلفة ، أدى بالمهتمين والمهنيين في هذا المجال الحيوي الى ابتكار اساليب وطرق محاسبية مختلفة لكي تقابل تلك الاحتياجات التي أفرزتها طبيعة النشاطات الاقتصادية المتطورة، وكذلك التطور الهائل الذي شهده العالم في مجالات التجارة الدولية والتعامل الاقتصادي الدولي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في منتصف أربعينات القرن الماضي وحديثاً وكنتيجة حتمية لظاهرة العولمة الاقتصادية وأنتشار أستخدام نظام الانترنت الذي أدى أبتكاره خلال العقود القليلة الماضية ،الى تقريب المسافات واختصار الاوقات وسرعة ايصال المعلومات المالية ( بوجه الخصوص) الواجب نقلها الى الطرف الاخر( على الغالب الجهة المستفيدة من المعلومات أو البيانات المالية) كل هذه العوامل مجتمعة مع غيرها من العوامل التي صاحبت تغيير الحاجة الى أستخدام المعلومات المحاسبية وعدم أقتصارها على المالك أو الاداري فقط بل تعداه الى سلسلة من المهتمين المحليين والخارجيين من المستثمرين والمستهلكين و جهات حكومية وأخرى مهنية وغيرها بيئية ..الخ ، ومن المفيد الاشارة هنا أيضاً أن حاجة النشاطات الاقتصادية الدولية للكثير والمزيد من رؤوس الاموال المستثمرة في تمويل نشاطاتها الاقتصادية وديمومتها ، وأشتداد حدة المنافسة بين هذه المؤسسات ودولها لآستقطاب المزيد من الاستثمارات الدولية لديمومة استمرارية المؤسسات الاقتصادية، كل هذه العوامل مجتمعة أدت الى ظهور مشاكل محاسبية جديدة غير مألوفة سابقاً مما أدى بالنتيجة الى أزدياد اهتمام المعنيين والمهتمين بالمحاسبة الى أبتكار (ان صح التعبير) أسس جديدة تتعامل مع تلك القضايا المحاسبية ومعاملاتها ، لذلك برزت الحاجة الى ظهور فرع جديد من فروع المحاسبة المالية التي هي المحاسبة الدولية، لتقوم بعملية معالجة تلك القضايا المتعلقة بالجوانب المحاسبية الدولية وكنتيجة منطقية أيضاً أوجبت الظروف الواقعية الى أعتماد أسس جديدة يمكن من خلالها تنظيم العلاقات المحاسبية الدولية لهذه المشاريع الاقتصادية ، مما دعى الى الاتفاق على أعتماد معايير محاسبية دولية تصدرها مؤسسات دولية متخصصة تلتزم بها معظم البلدان التي لها علاقات أقتصادية دولية ،لهذا أخذت أغلب دول العالم تطبق معايير المحاسبة الدولية التي أخذت موقعها من مستوى القبول العام الذي تتمتع به هذه المعايير ولمصداقية وأهمية المؤسسات الدولية المشرعة لها ، والتي نظمت العلاقات المحاسبية الدولية ووضعت الاسس العريضة لكيفية أعداد وعرض وتقديم والافصاح عن العديد من المعلومات والبيانات والتقارير المالية لتتماشى مع معايير المحاسبة الدولية السارية المفعول .
منذ بداية العام 2005 ، أصبحت المعايير المحاسبية االصادرة عن مجلس معايير المحاسبة الدولية ،المعايير المحاسبية المعتمدة من قبل أغلب دول المجموعة االاوربية وغيرها من دول العالم ومن ضمنها أستراليا ، فقد يسأل سائل ما،هل يمكن توقع أن تطبق معاييرمحاسبية موحدة يمكنها ملائمة عدد مختلف من المؤسسات الاقتصادية داخل بلدان ذات نظم أقتصادية ، سياسية ، أجتماعية وبيئية تختلف أختلافاً جوهرياً فيما بينها ؟ للآجابة على هذا السؤال نرى أن يتم التعرف على أهم مزايا أومحاسن وكذلك نقاط الضعف والعيوب التي تنجم من أعتماد معايير محاسبية دولية موحدة تسري على كافة المؤسسات الاقتصادية الدولية .

أولاً : دلائل وجود اختلافات في تطبيق نظم محاسبية مختلفة
من أبسط الوسائل لتقرير ما أذا كانت هناك أي أختلافات محاسبية تؤثر بشكل مباشر على نتائج البيانات المالية المقدمة ضمن الافصاح المحاسبي للبيانات المالية ، هي مقارنة نتائج الافصاح لمؤسسة أقتصادية معينة بين بلدها الاصيل وعدد من الدول ذات نمط نشاطاتها ألاقتصادي والنوعي متشابه مع البلد الاصلي لتلك المؤسسة ، ففي مثال اورده كل من الاستاذين نوبيس وباركر عام 2004 في كتابهما تحت عنوان المحاسبة الدولية المقارنة ، أشارا الى أن أحدى المؤسسات البريطانية الكبيرة كانت قد حققت أرباحاًعام 2000 تقدر بحدود 9.521 مليون باوند استرليني حسب النظم المحاسبية البريطانية السائدة ، ولكن عند تطبيق نفس مجموعة المعاملات لنفس المؤسسة حسب النظم المحاسبية المطبقة في الولايات المتحدة الامريكية فقد كانت التنائج تحقق أرباح بلغت قيمتها 29.707 مليون باون أسترليني أي باختلاف مقداره 212% بالرغم من تطبيق مجموعة مماثلة من المعاملات والاحداث ، وفي مجال أ خر يشير الاستاذين نوبيس و باركر في كتابهما المحاسبة الدولية المقارنة ان نفس المؤسسة في المثال السابق ولكن خلال العام 2003 كانت قد حققت أرباح أجمالية مقدارها 3.036 مليون باوند أسترليني عند تطبيق قواعد المحاسبة البريطانية ، لكن عند تطبيق قواعد المحاسبة للولايات المتحدة الامريكية على نفس المؤسسة الاقتصادية كانت الارباح الاجمالية المتحققة فقط 2.268 مليون باوند أسترليني أي بأختلاف مقداره 25% مقارنة بالنظام المطبق في بريطانيا. و حسب مصادر الكتاب المشار اليه أعلاه فأن حقوق ملكية حملة الاسهم كما في 31/12/2003 كانت تقدر 13.178 مليون دولار أمريكي بموجب القواعد المحاسبية البريطانية ،لكن عند تطبيق القواعد المحاسبية المطبقة في الولايات المتحدة الامريكية فأن هذه المبلغ بلغ 33.654 مليون دولار أمريكي أي بأختلاف بلغت نسبته 155% ،أذن وباختصار شديد يمكن القول بأن معالجة البيانات المالية لمؤسسة ما حسب نظامين أقتصادين مختلفين سوف يؤدي الى نتائج تختلف أختلافاً جوهرياً من دولة الاصل مقارنة بالدولة الاخرى، وبالنتيجة لايمكن الاعتماد على تلك النتائج خاصة اذا ماكانت تلك النتائج تتعلق باتخاذ قرار أداري مهم من قبل أحد المستفيدين من تلك البيانات .
في مثال أخر يتعلق بأحدى الشركات الالمانية الغربية (ديلمر بينس) وخاصة عندما اعلنت كأول شركة المانية تعلن اسهمها للبيع في بورصة نيويورك للاسهم وذلك في تشرين الاول من عام 1993 فقد تم معادلة حسابات هذه المؤسسة لكي تتلائم مع تطبيق نظام ممارسة المحاسبة ذات القبول العام السائد في الولايات المتحدة الامريكية فقد كانت النتائج مروعة خاصة أذا ما علمنا بأن مبلغ الارباح البالغ 168 مليون مارك الماني تحول الى خسارة مقدارها 949 مليون مارك الماني ، وفي حالة أخرى ممثالة لشركة المانية غربية تم أعلان بيع أسهمها في بورصة نيو يورك عام 1994 ومن خلال معادلة حساباتها وفق نظام ممارسة المحاسبة ذات القبول العام الامريكي فأن الارباح التي تحققت والبالغة 1.7 بليون مارك الماني تحولت الى خسائر بلغت قيمتها 57 مليون مارك الماني .
أن الامثلة أعلاه تعطينا دروس واضحة ودلائل دامغة عن الاختلافات المصاحبة عند معالجة نفس البيانات المحاسبية وفق أنظمة محاسبية مختلفة ، لهذا فأن هذا الموقف جعل مهمة تبني فكرة أيجاد أسس ومعايير محاسبية دولية موحدة أمر لا مناص عنه وكما سنشير اليه في الفقرات القادمة من هذا البحث المتواضع الذي بين أيديكم.
ثانياً : ألاسباب الكامنة وراء أعتماد نظم محاسبية مختلفة
أن العديد من الكتاب والباحثين في الشؤون المحاسبية يتفقون على أن الممارسات المحاسبية ضمن بلد معين تكون محكومة بظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية و......ألخ ،خلال فترة زمنية معينة .
هناك أتفاق عام على وجود نوعين رئيسيين من النظم المحاسبية المطبقة خاصة في البلدان المتطورة أقتصادياً هما :
النوع الاول : النظام الانكلو – أمريكي
النوع الثاني : النظام الاوربي
النظام الاول : الانكلو – أمريكي، متكون من نظام محاسبي متأثر جداً بجهات محاسبية مهنية متخصصة تتولى مهمة وضع أسس النظام المحاسبي بدلاً من تولي جهات حكومية مهمة السيطرة على هذا الجانب . علماً بأن التركيز هنا يتم على أهمية سوق رأس المال (معظم المؤسسات في هذا النظام تعتمد على المصادرالعامة لحقوق الملكية ، وكذلك أعتمادها الكبير على المديونية الماالية ،أي الاقتراض من السوق المالية) ، أن هذا النظام يعتمد على مبادئ عامة مثل (فعلي وعادل ) أو ( معروض أو مقدم بشكل عادل) وكذلك هذا النظام يتبنى الاعتبارات الاقتصادية بدلاً من الاعتبارات القانونية ضمن تطبيقاته العملية .
أما النظام الثاني: وهو النظام المحاسبي ألاوربي ، فهو على العكس من االنظام الاول ،حيث تقل أهمية ألاعتماد على المؤسسات والجهات المحاسبية المهنية المتخصصة في وضع أسس النظم المحاسبية المطبقة ، وكذلك هذا النظام يقلل من التركيز على بعض المتطلبات النوعية مثل ( حقيقي) و (عادل) مع التركيز الفعلي على الجهات الحكومية في أصدار التشريعات المنظمة للقواعد المحاسبية المطبقة في البلد، لهذا نرى أن هذه النظم المحاسبية تربطها علاقة مباشرة مع نظم وقوانين االضرائب المحلية السائدة وأن المعلومات في هذا النظام تتسم بكونها ذات طبيعة خاصة غايتها حماية مصالح الدائنين (المقرضين) بدلاً من المستثمرين ، ومن الملاحظ أن أغلب المؤسسات الاقتصادية ضمن النموذج ألاوربي تعتمد في الغالب على مواردها المالية طويلة ألاجل من مصادر ذاتية (في االغالب عائلية) ، أو حكومية أو عن طريق الاقتراض من البنوك .
عدد من الكتاب والباحثين المهتمين بشؤون المحاسبة ومن ضمنهم (ميلير) أشاروا الى أن الاختلافات المشار اليها أعلاه في أعتماد أنظمة محاسبية معينة ،أنما جاءت بسبب الاختلافات الموجودة في قوانين هذه البلدان وأختلاف النظم السياسية لها (على سبيل االمثال ،دول رأسمالية ذات نظم تتبنى حرية رؤوس ألاموال ،يقابلها دول مركزية القيادة تطبق النظام الاشتراكي ) ، أو على مستوى تقدمها الاقتصادي من عدمه ، كذلك على أسباب أخرى عديدة مثل نظم الضريبة المطبقة ومستوى التعليم في البلد ، جميعها كانت وراء تطبيق نظم محاسبية تختلف من بلد الى أخر .
كمحصلة نهائية يمكن القول بأنه لاتوجد دلائل قاطعة على وجود نظرية منفردة توضح وبشكل تام العناصر الاساسية التي كانت وراء تبني نظم محاسبية معينة ،ألا انه هناك أجماع بين الكتاب والباحثيين على وجود أسباب عديدة أدت الى أعتماد نظام محاسبي دون غيره ، ويمكن حصر هذه العناصر بالنقاط التالية:
- طبيعة ملكية المشروع ونظامه المالي
- التدخلات الاستعمارية
- حملات الغزو
- نظم الضرائب
- التضخم السائد
- مستوى التعليم السائد
- قدم وحجم المؤسسات المحاسبية المهنية وتأثيرها على الواقع المهني
- مستوى التطور الاقتصادي للبلد
- النظام القانوني للبلد
- مستوى الثقافة العامة
- التأريخ
- الطبيعة الجغراقية للبلد
- اللغات المستخدمة
- تأثير النظريات السائدة
- النظام السياسي وطبيعة المجتمع
- الدين والمعتقدات
- الحوادث الموثرة
هذه النقاط السبعة عشرة أوردها الاستاذ ( س. نوبيس ) عام 1998 ضمن بحثة الموسوم "نحو نموذج عام لاسباب الاختلافات الدولية في التقارير المالية" المنشور في لندن من قبل مؤسسة ( بلاك ويل ) للنشر.
لقد ورد كثير من النقاط أعلاه أيضاً قي بحوث عدد كبير من الكتاب والمعنيين بعلم المحاسبة ، الا أن المجموعة التي أوردها نوبيس ضمن بحثه أعلاه تشكل نموذجاً أكثر قبولاً وشمولاً من غيره.
مما تقدم نلاحظ وبشكل جلي أن أسباب أعتماد الدول على أنظمة محاسبية غير متماثلة في كافة جوانبها ، جاءت لسبب أو لعدة أسباب واردة أعلاه ، ومن هذا المنطلق يمكن أعتبار تبني نظام محاسبي موحد أمر صعب للغاية نظرياً للاختلافات الجوهرية بين البلدان وكما لاحظنا ، ألا أنه وحسب المثل القائل ( الحاجة أم ألاختراع ) ، رأت أغلب الدول أنه لا مناص من وجود نظام محاسبي دولي موحد يتبنى مهمة التنسيق لآصدار تعليمات دولية تطبق على كافة الدول الملتزمة بها ، بالرغم من الاختلافات الجوهرية الوارد ذكرها أعلاه ، ومن هنا جاءت فكرة تطبيق نظام محاسبي دولي موحد .حيث تأسست لجنة معايير المحاسبة االدولية في 29/06/1973 ، على أثر المباحثات التي أسفرت عن أتفاق بين الجمعيات والمعاهد المهنية العاملة في كل من الدول التالية ( أستراليا ، كندا ، فرنسا ، ألمانيا ، أليابان ،المكسيك، هولندا ، بريطانيا ، أيرلندا ، الولايات المتحدة الامريكية ) ، وكانت بذلك انطلاقة وضع معايير محاسبية دولية شاملة يسير على نهجها الان مايقارب 100 دولة في العالم !!!