كيفية زكاة الرواتب والأجور وإيرادات المهن الحرة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: نصاب الزكاة:
اختلف الفقهاء الموجبون في تحديد قيمة النِّصاب فيها إلى ثلاثة أقوال:
الأول: اعتبار نصابها بنصاب الزروع والثمار؛ فمن بلغ دخله ما قيمته خسمة أوسق، أو خمسين كيلة مصرية أو (653 كيلو جرام وزناً من أدنى ما تخرجه الأرض كالشعير)؛ وجبت عليه الزكاة.
وعلَّة ذلك: أن كسب العمل إيراد وثمرة مباشرة للعمل، فيقاس على زكاة الزروع والثمار [5، ص ص 166- 168؛ 23، ص155].


الثاني: اعتبار نصابها نصاب النقود:
وحدُّوه بما قيمته 85 جراماً من الذهب، أي: ما يساوي عشرين مثقالاً، أو (200) درهم من الفضة؛ وذلك لأن الناس يقبضون رواتبهم وأجورهم وإيراداتهم بالنقود؛ فالأولى أن يكون المعتبر هو نصاب النقود [8، جـ1، ص ص 513 - 514].


الثالث: اعتبار نصاب الرواتب والأجور على نصاب النقود:
أي ما يعادل 85 جراماً من ذهب، أو 200 درهم من الفضة، واعتبار نصاب إيرادات المهن الحرة على الزروع والثمار؛ فيكون نصابها ما يعادل قيمته خمس أوسق، أو (50 كيلة مصرية)، أو (653 كيلو جرام وزناً من أدنى ما تخرجه الأرض كالشعير ) [1، ص258].
وعلِّة التفرقة في هذا - عندهم - أن كسب أصحاب الرواتب والأجور مصدره العمل فقط؛ أما كسب أصحاب المهن الحرة فمصدره رأس المال والعمل.


قلت: ولعل هذا التميُّز في معدلات الزكاة حسب مصادر الأموال ملحوظٌ في الأفكار الضريبية المنادية بالتفرقة - في الضريبة - بين مال مصدره رأس المال، وآخر مصدره العمل، وثالث مصدره خليط الاثنين [34، ص249].
ونرجِّح القول الثاني: لما ورد فيه من أن الجميع يتقاضون أجورهم بالنقود، إضافةً إلى أن ما يتبقى لدى الواحد منهم بعد قضاء حاجاته وديونه - إن وجدت - يكون عادة في صورة مدخرات نقديَّة، والمال المدَّخر قد فُرضت عليه الزكاة بمقدار ربع العشر.
كما يمكننا القول بأن قيمة معدني الذهب والفضة تتَّصف بالثبات النسبي في مقابل قيمة الزروع والثمار؛ فإنها تتأثر بعوامل بيئية أو محلية، مما يجعلها لا تناسب أن يُقاس على قيمتها نصاب زكاة الرواتب والأجور وإيرادات المهن الحرة.
هذا ولابد أن يكون مقدار النصاب المعتبر لوجوب الزكاة فيه من صافي الدخل، يعني: بعد خصم الديون الحالَّة - إن وجدت - والحد الأدنى للمعيشة من الرواتب، كما تطرح النفقات والتكاليف من إيرادات أصحاب المهن الحرة، فما بقي بعد هذا كله تؤخذ منه الزكاة إذا بلغ نصاب النقود.
وقد نص الحنفية على أنه يشترط في المال الذي تجب فيه الزكاة - بالإضافة إلى شرط النماء - شرط أن يكون نصاباً فاضلاً عن حاجته الأصلية؛ لأنه به يتحقق الغنى، فالمال المُحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون صاحبه غنيّاً عنه [35، جـ2، ص828].
واعتبر جمهور الفقهاء – المالكية، والشافعية، والحنابلة - شرط الفضل عن الحاجات الأصلية داخلاً في شرط النماء، ولا حاجة للنص على اشتراطه، قال ابن قدامة: الزكاة إنما تسقط عما أُعدَّ للاستعمال؛ لصرفه عن جهة النماء [7، جـ4، ص222].
وعلل الشربيني الخطيب عدم وجوب الزكاة في البقر العوامل، التي يستخدمها صاحبها في حراثة الأرض؛ بأنها لا تقتنى للنماء؛ بل للاستعمال، كثياب البدن ومتاع الدار [36، جـ1، ص380].
وعدَّ القرافي من شروط وجوب زكاة النقدَيْن التمكين من التنمية، قال: "يدل على اعتباره إسقاط الزكاة عن العقار والمقتناة"، ومراده بالمقتناة؛ أي: ما يقتنيه المرء للاستعمال، لا للنماء [37، جـ3، ص40].
وجاء في "فقه الزكاة" للقرضاوي: فالذي نرجحه ألا تؤخذ زكاة الرواتب والأجور إلا من " الصافي " وإنما قلنا تؤخذ من صافي الإيراد أو الرواتب ليطرح منه الدين الحال إن ثبت عليه ويعفى الحد الأدنى لمعيشته ومعيشة من يعوله، لأن الحد الأدنى لمعيشة الإنسان أمر لا غنى له عنه، فهو من حاجته الأصلية والزكاة إنما تجب في نصاب فاضل عن الحاجة الأصلية، كما تطرح النفقات والتكاليف لذوي المهن، فما بقي بعد هذا كله من راتب السنة وإيرادها تؤخذ منه الزكاة إذا بلغ نصاب النقود فما كان من الرواتب والأجور لا يبلغ في السنة نصاباً نقدياً - بعد طرح ما ذكرناه كرواتب بعض العمال وصغار الموظفين فلا تؤخذ منه الزكاة [8، جـ2، ص517).