آراء الفقهاء وأدلتهم في حكم زكاة الرواتب وأجور العمال وإيرادات أصحاب المهن الحرة:
لاشك أن رواتب الموظفين وأجور العمال وموارد المهنيين أصبحت في عصرنا الحاضر تمثل موارد ضخمة ومتجددة لدى عدد ليس بالقليل من أصحاب هذه الفئات، وقد تباينت وجهات النظر، لا في حكم الزكاة فيها فحسب؛ بل في متى تزكَّى، وفي مقدار الزكاة فيها، ولعل مردَّ ذلك الخلاف كالآتي:
1- لم يرد فيها نصٌّ صريحٌ من كتاب أو سُنَّة.
2- لم تكن هذه الدخول معروفة في عهد النبوَّة، وإن عُرفت رواتب الجند والمرابطين في عهد أبي بكر والخلفاء من بعده، وكانت تسمَّى الأُعْطِيَّات، ولكن دخول الوظائف وأجور العمال ونحوهما على الوجه المعروف في عصرنا الحاضر لم تكن معهودة للفقهاء في عصور الإسلام الأولى.
3- الاختلاف في قياسها على المال المستفاد.
4- الاختلاف بين الفقهاء في زكاة المال المستفاد، هل تكون عند استفادته أو بعد الحول.
هذا وسنبدأ بقول الموجبين ومستنَدهم في ذلك، ثم نعرض لقول المانعين ومستنَدهم كذلك.


المطلب الأول:
قول الموجبين وأدلتهم:
1- يقول الشيخ محمد الغزالي: "إن مَنْ دخله لا يقل عن دخل الفلاح الذي تجب عليه الزكاة يجب أن يخرج زكاة؛ فالطبيب، والمحامي، والمهندس، والصانع، وطوائف المحترفين والموظفين وأشباههم تجب عليهم الزكاة، ولابد أن تُخرج من دخلهم الكبير، ولنا على ذلك دليلان:
الأول: عموم النص في قول القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة:267]. ولاشك أن كسب الطبقات الآنفة الذكر كسب طيب يجب الإنفاق منه.
والدليل الثاني: أن الإسلام لا يُتصور في حقِّه أن يفرض الزكاة على فلاح يملك خمسة أفدنة، ويترك صاحب عمارة تدرُّ عليه مقدار محصول خمسين فداناً، أو يترك طبيباً يكسب من عيادته في اليوم الواحد ما يكسبه الفلاح في عام طويل من أرضه، إذا أغلَّت بضعة أرادب من القمح، ضُربت عليه الزكاة يوم حصاده!!.
لابد إذن من تقدير زكاة أولئك جميعاً، وما دامت العلة المشتركة التي يُناط بها الحكم موجودة في الطرفيْن؛ فلا ينبغي المراء في إمضاء القياس وقبول نتائجه [5، ص166 وما بعدها].


2- وعرض الأساتذة: عبد الرحمن حسن، ومحمد أبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف لهذا الموضوع في محاضرتهم عن الزكاة، في حلقة الدراسات الاجتماعية، عام (1372هـ/ 1952م) بدمشق، فأوجبوا فيه زكاة كسب العمل؛ حيث قالوا: "أما كسب العمل والمهن؛ فإنه يؤخذ منه زكاة إن مضى عليه حَوْلٌ، وبلغ نِصَاباً.
واستدلُّوا على ذلك بقولهم: "أما كسب العمل والمهن الحرة؛ فإنَّا لا نعرف له نظيراً، إلا في مسألة خاصة بالإجارة على مذهب أحمد - رضي الله عنه - فقد روي عنه أنه قال فيمن أجَّر داره، فقبض كِرَاها، وبلغ نِصَاباً: إنه يجب عليه الزكاة إذا استفاده من غير اشتراط؛ وإن هذه في الحقيقة تشبه كسب العمل، أو هو يشبهها، فتجب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً [6، ص248]. ونصُّ المسألة كما قال ابن قدامة: "روي عن أحمد فيمن باع داره - يعني: أجَّر داره - بعشرة آلاف إلى سنة، إذا قبض المال يزكٍّيه. إنما نرى أن أحمد قال ذلك لأنه مَلَكَ الدراهمَ في أول الحَوْل، وصارت دَيْنًا له على المشتري - أي: المستأجر - فإذا قبضه زكَّاه للحَوْل الذي مرَّ عليه في مِلْكه، كسائر الديون، وقد صرَّح بهذا المعنى في رواية بكر بن محمد عن أبيه، فقال: "إذا أكرى داراً أو عبداً في سنة بألف، فحصلت له الدراهم وقبضها، زكَّاها إذا حال عليها الحَوْل من حين قبضها، وإن كانت على المكتري؛ فمن يوم وجب [ 7، جـ1، ص490].


3- وأوجب يوسف القرضاوي في كتابه "فقه الزكاة" زكاةَ الرواتب والأجور، وإيرادات المهن الحرة، واستدلَّ على ذلك بأنه مال مُستفاد، فقال: "تؤخذ الزكاة من الرواتب ونحوها، والتكييف الفقهي الصحيح لهذا الكسب أنه مال مُستفاد" [8، جـ1، ص490].


4- ويقول حسين شحاته: "ويخضع إيراد كسب العمال بنوعَيْه للزكاة، واستدلَّ على ذلك بقوله: ودليل خضوع إيراد كسب العمل بنوعَيْه للزكاة ثابت ومؤكد بما ورد في القران الكريم من آيات، وبما بيَّنه الرسول العظيم من أحاديث، وما روي عن السلف الصالح من اجتهادات".
أ - فقد ورد في القرآن الكريم قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة:267]. ويعدُّ إيراد العمل هو ما كسبه الإنسان من بذل الجهود العضلية والذهنية، وهو كسب طيب، يجب أن تؤدَّى زكاته، مثله مثل الفلاح الذي يعمل ويكسب من الأرض، والتاجر الذي يعمل ويكسب من التجارة، والصانع الذي يعمل ويكدح من الصناعة.
ب - أما الأحاديث التي تؤكِّد وجوب الزكاة في إيراد كسب العمل بنوعَيْه - باعتباره مالاً مستفاداً - كثيرة، منها قوله - صلي الله عليه وسلم -: ((على كل مسلم صدقة)). الحديث. أخرجه البخاري كما في "فتح الباري"، كتاب الزكاة، باب: على كل مسلم صدقة، حديث رقم (1445) [9، جـ3، ص307] . كما قال الرسول -صلي الله عليه وسلم -: ((من استفاد مالاً؛ فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحَوْل)) [10، جـ3، ص26]. رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً، وقال: "الموقوف أصح؛ لأن فيه من طريق المرفوع عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ضعيف في الحديث، ضعَّفه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وغيرهما من أهل الحديث، وهو كثير الغلط". وحكم الألباني على المرفوع بالضعف، كما في كتابه "ضعيف الجامع الصغير وزياداته"، [11، ص780].
جـ - كما ورد عن الخلفاء الراشدين أخذهم زكاة المال من الأُعْطِيَّات ومن المال المستفاد، فيقول أبو عبيد: "روي عن عائشة ابنة قدامة بن مظعون، قالت: كان عثمان بن عفان - رضي الله عنه - إذا خرج للعطاء أرسل إلى أبي، فقال: إن كان عندك مال قد وجبت فيه الزكاة، حاسبناك فيه من عطائك" [1، ص ص254 - 225].


5- وممن قال بإخضاع الرواتب والأجور وإيرادات المهن الحرة ونحوها للزكاة، قياساً على زكاة المال المُستفاد، كلٌّ من: أبو بكر الجزائري [12، ص33]، ومحمد سعيد وهبه [13، ص233]، وعبد العزيز جمجوم [13، ص33]، ومحمد كمال عطية [14، ص ص 71 - 75، 123 – 126]، وسلطان بن محمد بن علي سلطان [15، ص119]، ومحمود أبو السعود [ 16، ص146 وما بعدها]، ومحمود عاطف البنا [17، ص176 وما بعدها]، ومنذر قحف [18، ص73)، ويحيى أحمد مصطفى قللي [19، ص73]، وجمعة محمد مكي [20، ص ص 199 - 204]، ومحمد العقلة [21، ص164].


6- ونصَّ مرسوم فريضة الزكاة بالمملكة العربية السعودية رقم (8634) لعام (1370هـ)، ولائحته التنفيذية الصادرة بالقرار الوزاري رقم (93)، وتاريخ (6/ 8/ 1370هـ، 13/ 5/ 1951م)، وما لحق ذلك من مراسيم وتعديلات، بإخضاع رؤوس الأموال وغلاَّتها، وكلِّ الواردات والأرباح والمكاسب التي تدخل على الأفراد والشركات من مزاولة تجارة، أو صناعة، أو أعمال شخصية، أو ممتلكات ومقتنيات نقديَّة [22، ص135].


7 – وقد جاء في ندوة الغرفة التجارية الصناعية بالرياض، المنعقدة في (15/6/1411هـ، 1/1/1991م) ما نصُّه: والمملكة العربية السعودية منذ تأسيسها تقوم بجباية الزكاة الظاهرة كالزروع والثمار والمواشي، أما الزكاة الباطنة -كالنقود وعروض التجارة - فكانت تُترك للرعايا السعوديين ليدفعوها بمعرفتهم، إلى أن صدر نظام جباية فريضة الزكاة بالمرسوم الملكي رقم [17/ 2/ 28/ 8634]، لعام (1370هـ/ 1951م)، باستيفاء الزكاة الشرعية كاملةً من جميع الأفراد والشركات الذين يحملون الرعويَّة السعودية، ويستند نظام فريضة الزكاة على مجموعة من الخصائص، أهمها: نظام جباية وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، فالنظام لم يقصر في جباية الزكاة على عروض التجارة فقط، بل شمل جميع الأموال، سواء كانت ثروة عقارية كالعمارات، أو صناعية كالمصانع، أو مالية كالأوراق المالية. وهذه الأموال يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات متميزة؛ بحيث تتضمن كل مجموعة منها الأموال ذات الخصائص المشتركة:
فالأولى: رؤوس الأموال المنقولة؛ كالأنعام، والنقود، وعروض التجارة، والأوراق المالية.
أما الثانية: فتشمل الأموال الثابتة؛ كالزروع والثمار، والمستغلاَّت كالعقار والمصانع.
أما الثالثة: فتشمل المال المستفاد؛ ككسب العمل، والرواتب والأجور والمكافآت، وما في حكمها، ودَخْل المهن الحرة؛ مثل الإيرادات التي يحصل عليها الأطباء، والمحامون، والمحاسبون، والمهندسون، وغيرهم من أصحاب المهن الحرة والحِرَف [23، ص ص 16 - 17].


8- أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، فتوى رقم (282)، وتاريخ (11/ 11/ 1392هـ) بوجوب الزكاة على مَنْ ملك نصاباً من النقود، كالذي يوفِّره الموظف شهرياً من مرتبه. فتوى رقم (282)، وتاريخ (11/ 11/ 1392هـ). [24، ص ص 158 - 159].


9- ونصَّت وقائع وتوصيات مؤتمر الزكاة الأول بالكويت، المنعقد في (29 رجب 1404هـ، الموافق 30/ 4/ 1984م) على وجوب زكاة الأجور والرواتب، وأرباح المهن الحرة وسائر المكاسب" [25، ص ص 442 - 443].
10- ونصَّت المادة (22) من قانون الزكاة بجمهورية السودان، والبند (11) و (12) لائحة الزكاة، لسنة 1413هـ/ 1993م على وجوب زكاة المرتبات والأجور، والمكافآت، والمعاشات، ودخول أصحاب المهن الحرة والحرف [26، ص ص 7 – 8].


المطلب الثاني:
قول المانعين وأدلتهم:
لم أطَّلع على قول يخالف في إخضاع الرواتب والأجور ودخول المهن الحرة للزكاة، سوى ما أورده كوثر الأبجي [ 27، ص 356]، ولم يسمِّ قائله، لكنه ذكر مستنَده بقوله: "ولكن يقابل هذا الرأي - أي: رأي من أخضعها للزكاة - الرأي الثاني، ويستند إلى ما يلي:
1- أن الثروات والدخول المستحدَثة التي لم توجد في عهد النبي - صلي الله عليه وسلم - ولا في عصر الخلفاء الراشدين، ووجدت فقط في عصرنا هذا هي فقط التي يمكن الاجتهاد فيها بالقياس على سائر أنواع الزكاة، بغرض إخضاعها للفريضة؛ حيث إن كافة أنواع الثروات التي كانت موجودة في زمن النبي - صلي الله عليه وسلم - قد أُخضعت للزكاة، وعلى ذلك تشمل الزكاة كافة ثروات العصر، أما الدخل الناتج عن كسب العمل فقد كان موجوداً زمن النبي - صلي الله عليه وسلم - وزمن الخلفاء الراشدين من بعده، ومع ذلك فلم يخضعها أحد للفريضة، ولو كان يمكن إخضاعها، لما أغفلتها الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.


2- إن وجوب تزكية إيراد كسب العمل تخريجاً على أنه مال مُستفاد تخريجٌ حديثٌ؛ رغبةً في إخضاع هذا الإيراد، ولو كان هو المال المُستفاد المقصود به في مراجع الفقه الإسلامي؛ لما استعصى تخريجه على علماء العصور السالفة.


3- إن هذا المال سيخضع حتماً للزكاة بعد استقطاع الأعباء العائلية، متمثلاً في زكاة النقدَيْن، فإذا كنَّا سنخضعه لزكاة كسب العمل، فهل سنعفيه حينئذٍ من زكاة النقدَيْن منعاً للثني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يجوز أن نُخضع المال لزكاة ثم تشريعها بالقياس، ونعفي المال من زكاة أصلية؟.


4- إن زكاة كسب العمل - تشبيهاً بضريبة كسب العمل - التي تُخضع المرتبات والأجور وإيراد المهن الحرة للضريبة، ولا يصح أن نضيف للزكاة من المفاهيم والمبادئ الوضعية، إلى جانب أن كسب العمل يخضع فعلاً في معظم المجتمعات الإسلامية لضرائب وضعية، والمطلوب هو تخفيف الأعباء المالية على كسب العمل بصفة خاصة؛ نظراً لأنه يعتمد على المقدرة الذهنية والعضلية للإنسان، وهو مَعِينٌ سريع النضوب، ويجب المحافظة عليه، فإذا كانت الضرائب واقعاً مفروضاً في المجتمعات الإسلامية؛ فالأحرى بنا أن نخفِّف الأعباء المالية، لا أن نضيف عبئاً جديداً.


5- إن الدولة المعاصرة تحتاج لإنفاق نفقات عامة كثيرة، في نواحٍ متعددة بخلاف مصارف الزكاة، وعلى ذلك إذا كانت هناك إيرادات لم تفرض عليها الشريعة أصلاً زكاةً، مثل كسب العمل - أي: الرواتب، والأجور، ودخل المهن الحرة - فالأوجب أن تُفرض عليها ضريبة تخصص حصيلتها للإنفاق في أوجه المصارف الأخرى التي تحتاجها الدولة، بدلاً من الاجتهاد الذي قد يصيب أو يخطئ في تشريع زكاة جديدة.


المطلب الثالث:
مناقشة الأدلة والترجيح:
1- الناظر في أدلة الموجبين يجدها تنحصر في الآتي:
أ - عموم النصوص من الكتاب والسنة [20 ، ص199]، كاستدلالهم بعموم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة:267]، واستدلالهم بحديث: ((على كل مسلم صدقة)). قالوا: يا نبي الله، فمَنْ لم يجد؟ قال: ((يعمل بيده؛ فينفع نفسه ويتصدَّق ...))، الحديث. أخرجه البخاري كما في "الفتح"، في كتاب الزكاة، باب: على كل مسلم صدقة، حديث رقم (1495)، [9، جـ3، ص307].
ب - القياس على المال المُستفاد [8، جـ1، ص490]، والمال المُستفاد: هو الكسب الذي يحصل عليه، ليس من مالٍ عنده، ولا بديلاً عنه؛ بل استفاده بسبب مستقل؛ كأجرٍ عن عمل، أو مكافأة، أو هبة، أو نحو ذلك، سواء كان من جنس مالٍ عنده، أم من جنس غيره [8، جـ1، ص491؛ 1، ص257].
جـ - القياس على زكاة كسب الفلاح والتاجر والصانع [1، ص254]:
فكما يجب على الفلاح الذي يعمل ويكسب من تجارته، والصانع الذي يعمل ويكدح من الصناعة، فكذا يجب على الموظف والعامل ونحوهما زكاة كسبهما؛ فالجميع كسب مقابل جهد عضلي أو ذهني.


قلت: أما استدلال الموجبين بعموم الآية ففي محله، ويشهد له قول الإمام البخاري في "صحيحه"، في كتاب الزكاة، باب صدقة الكسب والتجارة، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة:267]، إلى قوله تعالى {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة:267]، ونقل الحافظ ابن حجر عند شرحه هذا الباب أحاديث: منها ما أخرجه الطبري من طريق هيثم، عن شعبة، ولفظه: {مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}، قال: ((من التجارة))، وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ. قال: ((من الثمار)). وعن علي: قال في قوله: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} قال: "يعني الحبّ والثمر، كل شيء عليه زكاة". وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "يأمر الله عباده المؤمنين بالإنفاق والمراد به الصدقة ها هنا". قال ابن عباس: "من طيبات ما رزقهم الله، من الأموال التي اكتسبوها" [28، جـ1، ص303].
أما استدلالهم لإيجاب الزكاة في الرواتب ونحوها بعموم حديث: ((على كل مسلم صدقة))؛ رواه البخاري كما في "الفتح"، كتاب الزكاة [9، جـ 3، ص 307]. فلا وجه له فيما أرى؛ لأن المراد بالصدقة هنا: المعروف بعامة، ويدل على ذلك بعض ألفاظ الحديث، وما قاله شرَّاح الحديث، قد قال ابن حجر: "وهل تلتحق هذه الصدقة بصدقة التطوع التي تحسب يوم القيامة من الفرض الذي أخلَّ به؟ فيه نظر، والذي يظهر لي أنها غيرها، لما تبين من حديث عائشة المذكور: أنها شُرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث: ((فانه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار)) [9، جـ3، ص307].
وورد الحديث في صحيح مسلم بلفظ: ((على كل سُلامَى من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)) [29، جـ1، ص499].
وقد أشار ابن حجر إلى ما ورد في لفظ مسلم: ((ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)) بقوله: "وهذا يؤيد ما قدمناه: أن هذه الصدقة لا يكمل منها ما يختل من الفرض؛ لأن الزكاة لا تكمل الصلاة، ولا العكس، فدلَّ على افتراق الصدقتيْن. وإذا كانت الصدقة الواردة في هذا الحديث: ((على كل مسلم صدقة)) تفارق الصدقة التي تشمل الزكاة؛ فلا وجه إذن - ولو من جهة العموم - للاستدلال بهذا الحديث على إيجاب زكاة الرواتب والأجور ونحوها.
أما إيجاب زكاة الرواتب والأجور ونحوها بالقياس على زكاة كسب الفلاح والتاجر والصانع فواضح؛ لأن الجميع كسب مقابل جهد، أما وقد أوجب الشارع الزكاة في كسب الفلاح إذا بلغ مقداراً معيناً، وكذا التاجر؛ فيمكن أن يقاس على ذلك إيجاب الزكاة في الرواتب والأجور، وإيرادات المهن الحرة.


2- أما ما استدل به المانعون فنجمله في الآتي:
أ - أن الدخل الناتج عن كسب العمل – رواتب، وأجور، وإيرادات مهن - كان موجوداً زمن النبي - صلي الله عليه وسلم - وزمن الخلفاء من بعده؛ فلم يخضعها أحد للفريضة، ولو كان يمكن إخضاعها؛ لما أغفلتها الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.
ب - أن إيجاب الزكاة في إيرادات كسب العمل تخريجاً على المال المُستفاد تخريجٌ حديثٌ؛ رغبة في إخضاع هذا الإيراد، ولو كان هو المال المستفاد المقصود به في مراجع الفقه الإسلامي؛ لما استعصى تخريجه على علماء العصور السالفة.
جـ - أن هذا المال سيخضع لزكاة النقدَيْن بعد استقطاع الأعباء العائلية، فإذا أُخضع لزكاة كسب العمل، فترتب على ذلك إعفاءه من زكاة النقدَيْن، منعاً للثني، فهل يجوز إخضاع مال لزكاةٍ تم تشريعها بالقياس، ويعفى من زكاةٍ أصلية؟.
د - إن زكاة كسب العمل – رواتب، أو أجور، أو إيراد مهن حرة - تشبه ضريبة كسب العمل التي تخضع المرتبات والأجور وإيرادات المهن الحرة للضريبة، ولا يصحُّ أن نضيف للزكاة من المفاهيم والمبادئ الوضعية.


الرد على ما استدلَّ به المانعون:
1- قولهم: "إن كسب العمل كان موجوداً زمن النبي - صلي الله عليه وسلم - وزمن الخلفاء من بعده، ولم يخضعه أحدٌ للزكاة"! يُردُّ عليه بأن الدخول المكتسبة من عملٍ ومهنٍ لم تكن ذات شأن في عهد الرسول - صلي الله عليه وسلم - مقارنةً بما هو عليه حال كثير من الرواتب والدخول الآن، فقد رتَّب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - لعتَّاب بن أسيد لما ولاَّه مكة بعد الفتح درهمين كل يوم [30، جـ3، ص359]، وإذا كان الولاة من خيرة الناس لم تتجاوز رواتبهم هذا الحد، فما بالك برواتب من هم دونهم إن رُتِّبتْ لهم رواتب؟!.
أما بعد عهد النبوة؛ فقد ثبت أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يزكِّي الأُعْطِيَّات، فيأخذ من كل ألفٍ خمسة وعشرين.
وروى مالك في "الموطأ"، عن ابن شهاب قال: "أول من أخذ من الأُعْطِيَّة الزكاة معاوية بن أبي سفيان" [4، جـ1، ص246]. قال القرضاوي: "لعله يريد أول من أخذها من الخلفاء، فقد أخذها قبله ابن مسعود كما ذكرنا، أو لعله لم يبلغه فعل ابن مسعود؛ فقد كان بالكوفة - يعني ابن مسعود - وابن شهاب بالمدينة [8، جـ1، ص501].
ونقل أبو عبيد: أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أعطى الرجل عمالته أخذ منها الزكاة، وإذا ردَّ المظالم أخذ منها الزكاة، وكان يأخذ الزكاة من الأُعْطِيَّة إذا خرجت لأصحابها [31، ص437].


2- أما قولهم: "إن إيجاب الزكاة فيها تخريج على المال المُستفاد تخريجٌ حديثٌ"، فيجاب عليه بأنه لمَّا كان تعريف المال المستفاد يشمل هذه الدخول؛ فلا وجه للتعليل بأن علماء العصور السالفة لم يخرِّجوه، فعدم تخريجهم له مردُّه إلى أن الدخول في تلك العصور لم تبلغ بأصحابها الغنى المشاهَد اليوم، فمظاهر الغنى تبدو واضحة في عصرنا الحاضر على أصحاب الدخول العالية - من رواتب، وأجور، وإيرادات المهن الحرة - سواء في مأكلهم، أو ملبسهم، أو مسكنهم، أو مركبهم.


3 – قولهم: "إن هذا المال يخضع لزكاة النقدَيْن؛ فلا وجه لإخضاعه لزكاةٍ تمَّ تشريعها بالقياس، ويعفى من زكاة أصلية".
الردُّ: إن الرواتب، وأجور العمل، وإيرادات المهن، كلها أموال تدفع لمستحقيها نقداً - غالباً - فإما أن تزكَّى - إن استُحقَّت فيها الزكاة - عند القبض، أو بعد الحَوْل، على خلافٍ سيأتي بيانه في المبحث القادم، فما وجه القول بأن زكاة النقدَيْن أصلية، وزكاة كسب العمل شُرعت بالقياس؛ فهي ليست أصلية، مع أننا نقرأ في القرآن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة:267].
ونجد في السُّنَّة قوله - صلي الله عليه وسلم -: ((... فأعلِمْهُم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وتُردُّ على فقرائهم))؛ رواه البخاري كما في "الفتح" [9، جـ3، ص261].


4 - أما القول بأن: "زكاة كسب العمل – رواتب، وأجور، وإيرادات مهن حرة - تشبه ضريبة كسب العمل التي تُخضع المرتبات للضريبة، ولا يصح أن نضيف للزكاة من المفاهيم والمبادئ الوضعية".
الرد: إذا كانت الضريبة هي أقرب إلى الزكاة من حيث الوصف المالي المحاسبي في شكل كل منهما، فإن الزكاة ليست في حقيقتها ضريبة على الإطلاق، وذلك بالمعنى المتعارف عليه للضريبة، فالزكاة ركن عبادةٍ خاصةٍ بالمسلمين، تتمثل في صورة تصرف مالي، تتَّسم بالدوام، ولا تتبدل أحكام الله فيها بتبدل الظروف الزمانية والمكانية، وبالتالي لا تُستخدم لأهداف توجيهية موقوتة، وإنما تتحقق بها أهداف ثابتة مخصصة، روحية ومادية، في حين أن الضريبة نظام مالي تصيب فيه الدولة وتخطئ، فهو من فكر البشر، تتبدل أحكامه بتبدل الظروف الزمانية والمكانية، وتتحقق به في الأساس أهداف مادية بحتة ومختلفة [32، ص330]؛ فلا وجه إذن للقول بأن زكاة كسب العمل أُضيفت من مفهوم الضريبة؛ بل هذا كسبٌ توجَّب على صاحبه أداء فريضة الزكاة فيه - إن توافرت فيه شروطها - بأدلة شرعية.


الترجيح:
مما سبق من عرض وتعليق على آراء وأدلة الفريقين - الموجبين والمانعين - يتضح لنا ترجيح القول بوجوب زكاة الرواتب والأجور وإيرادات المهن الحرة، فمن كان له كسب عمل - موظفاً، أو عاملاً، أو صاحب مهنة حرة - يفضل عن حاجته بقدر النِّصاب، وجبت عليه الزكاة؛ لأنه يُعدُّ بذلك غنياً، قال - صلي الله عليه وسلم -: ((تؤخذ من أغنيائهم، وتُردُ على فقرائهم))؛ أخرجه البخاري كما في "الفتح" [9، جـ3، ص261]. فالأغنياء كلهم فُرضت عليهم الزكاة، سواء كان هذا الغنى معبَّراً عنه بثروة تملك من ذهب، أو فضة، أو إبل، أو غنم، أو عروض تجارة، أو زراعة، فلا وجه لاستثناء أغنياء كسب العمل.