تعتبر مهنة مراجعة الحسابات وظيفة اجتماعية ترتكز على تأدية خدمة مراجعة الحسابات، وتعتبر هذه الخدمة سلعة اقتصادية ، وتستند على الثقة المتبادلة بين عضو المهنة والأطراف ذات العلاقة، ولقد أدى تزايد اعتماد مستخدمي القوائم المالية على البيانات المالية المدققة كمصدر للمعلومات الملائمة لاتخاذ القرارات المختلفة وما صاحب ذلك من ازدياد مسؤولية مراجع الحسابات أمام الغير إلى بروز الحاجة إلى إجراءات لضمان جودة


أعمال المراجعة وذلك لتوفير القناعة المعقولة لمراجع الحسابات وللأطراف المعنية بأنَّ أعمال المراجعة قد نفذت بدرجة عالية من الكفاءة والسرعة والاقتصاد مما يخدم الأهداف العامة للمجتمع ويضفي مزيداً من الثقة والمصداقية والاعتماد على عمل المراجع.
إنَّ مراجعة جودة الأداء المهني أو ما يسمى بالرقابة على أعمال المراجعة من أهم الأمور الواجب إتباعها للتأكد من فاعلية ودقة العمل الذي تقوم به أي جهة مهنية تتولى أعمال المراجعة.
كما أنَّ مفهوم جودة المراجعة من المفاهيم الحديثة نسبياً، لذلك لابد من التركيز على مفهوم الجودة كأحد المفاهيم أو الاتجاهات المعاصرة في المراجعة، والتي يجب أن تحظى باهتمام الهيئات والجمعيات العلمية والمهنية التي تهتم بمجال المراجعة والمراجعين في بلادنا العربية.
كما أنَّ عدم تطبيق مفهوم الجودة الشاملة على أعمال المراجعة يترتب عليه نتائج خطيرة ومضللة للمطلعين على تقارير المراجعة وبالأخص متخذي القرارات وراسمي السياسات وكذلك المستثمرين، لأنَّ ما يميز أي مهنة هو تحملها لمسؤولياتها أمام المجتمع في كل ما تقدمه من خدمات، وفي مهنة المراجعة يعد تحقيق أفضل نوعية من المراجعة والمحافظة على جودة الأداء المهني الهدف المشترك لممارسي المهنة وكذلك تحسين أداء المراجع وحمايته بشكل يؤدي إلى زيادة الثقة في نتيجة أعماله.
وكما قلنا في بداية هذه المقدمة أنَّ المراجعة خدمة، ولكن هذه الخدمة متعددة الخصائص، لذلك لا يمكن تحديد أو قياس جودتها مقدماً مثل جودة المنتجات الملموسة، وعليه لابد من التركيز أكثر في دراسة موضوع جودة المراجعة وخاصة في دولنا العربية ، حيث لا يزال أغلبها بعيدة عن تناول هذا الموضوع بالدراسة والتطبيق باستثناء دولتين وهما السعودية ومصر، حيث اهتمتا بالنهوض بمهنة المحاسبة والمراجعة فصدر عن الهيئة السعودية للمحاسبة والمراجعة معايير الرقابة النوعية عام 1994م، وكذلك في مصر فقد قامت جمعية المحاسبة والمراجعة بإصدار إرشادات المراجعة في عام 1992م متضمنة الإرشاد رقم (7) العناصر الأساسية التي تشتمل على معايير الرقابة على جودة الأداء بمكاتب المراجعة.




المبحث الأول
"مفـهوم جـودة المراجـعة "


لقد شهد عصرنا الحاضر الكثير من التحولات السريعة التي دفعت ولا زالت تدفع العديد من مؤسسات وهيئات القطاع الحكومي والقطاع الخاص لتقديم منتجات وخدمات عالية الجودة وبتكاليف اقل. ومع دخول الألفية الثالثة وحدة المنافسة وانخفاض الموارد الاقتصادية وارتفاع مستوى تطلعات العملاء أو المستفيدين تجاه المنتج أو الخدمة المقدمة الأمر الذي تطلب من تلك المؤسسات والهيئات التخلي عن العديد من المفاهيم والأنماط الإدارية التقليدية التي لم تعد قادرة على مواجهة تلك التحديات.
وفي السنوات الأخيرة برز مفهوم إدارة الجودة الشاملة Total Quality Management (TQM)للتعامل مع هذه التحديات والذي يهدف في مجمله إلى تسليط الضوء على جوانب القصور وتحديد سبل إزالة أسبابها.
وسيتناول الدارس في هذا المبحث بدايةً توضيح مفهوم الجودة الشاملة بشكل عام وأصل كلمة جودة في اللغة ، ومن ثم يتناول الدارس توضيحفوائد وأهمية وأهداف جودة المراجعة، وبعد ذلك يبين الدارس المخاطر الناجمة عن عدم تحقيق جودة المراجعة والعوامل التي تؤدي إلى تحسينها والمتطلبات الواجب توفرها في نظام الرقابة على جودة المراجعة.
أولاً- تعريف الجودة الشاملة:
قبل أن نعرف الجودة لابد من بيان أصل كلمة جودة في اللغة العربية وكذلك التذكير بما ورد في القرآن الكريم وسنة رسولنا الكريم صلوات اللَه عليه وسلامه من آيات وأحاديث تحث على حُسن العمل والإتقان.
-1الجودة في اللغة: إنَّ أصل كلمة جودة الاشتقاقي هو (ج و د) وهو أصل يدل على التسمح بالشيء وكثرة العطاء.(1)
والجواد: السخي، ومن اشتقاقه: الجيد وهو ضد الرديء. وجاد الشيء يجود جودةً، وجودةً أي صار جيداً. وقد جاد جود، وأجاد: أتى بالجيد من القول أو الفعل. وبين الجودة: أي رائع(2). ويقال هذا شيء جيَّدٌ: بين الجُودة والجَودة.
وجاد الفرس: أي صار رائعاً يجود جُودةً((3.
وهكذا نرى أنَّ المعنى اللغوي يتضمن ما يلي: العطاء الواسع والأداء الجيد الذي يبلغ حداً فائقاً.
وفي اللغة العربية هناك عدة مرادفات لكلمة جود مثل الإتقان والكفاءة.


2- مفهوم الجودة في القرآن والسنة:
الحمد لله القائل في محكم آياته "تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور".(1) وكذلك في قوله تعالى "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون"(2).
وفي السنة النبوية الشريفة هناك أحاديث كثيرة تدعو إلى حب العمل وإتقانه والتعاون الجماعي كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"(أخرجه أبو يعلى والعسكري والبيهقي والطبراني)(3).
مما سبق يتضح للدارس أن الجذور التاريخية لإدارة الجودة الشاملة تعود لديننا الإسلامي الحنيف في قيمه الروحية العليا ومبادئه السامية الرفيعة، وفكرنا الإسلامي غني بالمعرفة والقيم التي تدعو وتحض على الالتزام بمبادئ العدل والأداء الجيد وهذا هو روح ومنهجية إدارة الجودة الشاملة.


3- مفهوم الجودة في الصناعة:
لقد بدأت الجودة تاريخياً في مجال التصنيع والعمليات الصناعية وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية التي أفقرت الاقتصاد الياباني وجعلت منه اقتصاداً هزيلاً وضعيفاً تعجز منتجاته عن الخروج خارج حدود جزره المتناثرة في المياه الزرقاء بسبب رداءة المواصفات وعدم قدرتها على المنافسة وعدم اقتناع المستهلكين بشراء وتملك تلك السلع، لكن هذا الضعف ما لبث أن تحول على نقطة قوة وانطلق الاقتصاد الياباني قوياً نحو العالمية بأفق جديد من خلال طرق مجالات هامة وحيوية وأهم تلك المجالات هي التفكير بجدية لرفع مستوى منتجاته الصناعية وشكلت الجودة وسيلة التحسين وأداة رفع مستوى الاقتصاد الياباني عموماً.(4)
ويمكن تعريف الجودة الشاملة بأنها" إرضاء العملاء أو المستفيدين الداخليين أو الخارجيين باستمرار من خلال أداء العمل بشكل صحيح ومن أول مرة بشكل يفي ويتخطى باستمرار متطلباتهم وتوقعاتهم بأقل تكلفة ممكنة واستخدام أمثل للموارد". لذا وطبقاً لهذا التعريف فالجودة لا تعني منتج أو خدمة أفضل بسعر أو تكلفة أعلى، بل على العكس تماماً: منتج أو خدمة أفضل بسعر أو تكلفة أقل. كما أن الإيفاء بمتطلبات العملاء أو المستفيدين يعني فهم حاجاتهم وتوقعاتهم وتحويلها إلى منتجات وخدمات مع ضمان الأداء بشكل صحيح من أول مرة وفي كل مرة. أما توقعات العملاء أو المستفيدين فيعني ذلك التحسين المستمر.


4- مفهوم جودة المراجعة:
تباينت أراء الكتاب والباحثين والجمعيات المهنية حول إيجاد مفهوم متفق عليه لعملية التقييم أو التحقق من جودة المراجعة، وقد كان للفكر الصناعي والإنتاجي السبق في تناول موضوع الجودة والذي يشير إلى مجموعة الخصائص التي تشبع احتياجات العملاء سواء كان المنتج سلعاً مادية أو خدمات.(1)
أما في مجال مراجعة الحسابات فهناك العديد من المصطلحات التي يتم تداولها على المستويين الأكاديمي والمهني وكلها تعني نفس المفهوم الذي نحن بصدد توضيحه في هذه الصفحات وقد اشتق هذا المفهوم من مفهومة في الصناعة، ومن هذه المصطلحات؛ جودة المراجعة Audit Quality ، ومراجعة النظير/القرين أو مراجعة الند أو مراجعة الزميل أو الفحص المتعمق Peer Review، رقابة الجودة Quality Control، ضمان الجودة Quality Assurance. ولابد من توضيح المقصود بكل من هذه المصطلحات للتعرف على ما إذا كانت تعني نفس المفهوم أم أن لكل منها مفهوم مختلف.(2)
يشير مصطلح جودة المراجعة في رأي أحد الباحثين إلى "خصائص الرأي الفني للمراجع التي تشبع احتياجات مستخدمي القوائم المالية في حدود المعايير المهنية للمراجعة"(3).
ويتضح للدارس أن هذا التعريف يركز على إشباع احتياجات مستخدمي القوائم المالية باعتباره هدفاً للجودة ومرشداً أساسياً لتطوير وتحسين الرأي الفني للمراجع كلما سمحت بذلك المعايير، ويضيف نفس الباحث أن اعتبار مستوى إشباع احتياجات مستخدمي القوائم المالية مقياساً لدرجة جودة المراجعة يجعل المهنة تتلمس احتياجاتهم، وتعمل على تطوير المعايير المهنية باستمرار لتلبية هذه الاحتياجات بما يسهم في سد الفجوة بين ما تقدمه المهنة وما يتوقعه مستخدمو القوائم المالية وبالتالي زيادة رضا المجتمع عن المهنة.
أما مصطلح مراجعة النظير أو الزميل أو الند ويتمثل في مراجعة سياسات وإجراءات شركة التدقيق المتعلقة بنظام جودة المراجعة من قبل شركة زميلة أخرى على درجة مماثلة من السمعة والحجم، أو من قبل لجنة مراجعة النظير/القرين/الند/الزميل المعتمدة من معهد المحاسبين القانونيين الأمريكيين، أو المعتمدة من هيئة الولاية الخاصة بشركات مراجعة الحسابات، وذلك للتأكد من انسجام هذه السياسات والإجراءات مع معايير مراجعة جودة الأداء المطلوبة من قبل المهنة، وكذلك تقييم مدى التزام شــركة المراجعة بمتطلبات العضـوية في قــسم ممارســــة الـــــشركات Private Companies Practice Section (PCPS) ، أو في قسم الممارسة لمجلس الأوراق المالية.(4)


هذا وقد أصدر معهد المحاسبين القانونيين الأمريكيينAICPA- فيما يختص بفحص أعمال شركات المراجعة- في عام 1989 برنامج أطلق عليه برنامج الفحص المتعمق/ فحص النظير وعدل هذا البرنامج في عام 2001، ويشمل البرنامج ثلاثة أنواع من الفحص للتحقق من جودة عمليات المراجعة؛ هي مراجعة النظامSystem Review ومراجعة الارتباطEngagement Review ومراجعة التقريرReport Review. وتهدف مراجعة النظام إلى التأكد من أنَّ نظام رقابة الجودة على عمليات المحاسبة والمراجعة في مكتب المراجعة قد صمم طبقاً لمعايير رقابة الجودة الصادرة من المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين، وأنَّ هذه السياسات والإجراءات للرقابة على الجودة طبقت كما هو مخططاً لها وذلك أثناء الممارسات المهنية للمكتب. أما مراجعة الارتباط فالهدف منها توفير أساس للقائم بعملية الفحص للوصول إلى تأكيد محدود عن مراعاة المراجع عند ارتباطه مع العميل للمعايير المهنية الصادرة في هذا الشأن وأنَّ التوثيق في مكتب المراجعة يراعي المتطلبات الواردة في قائمة معايير خدمات المحاسبة والاستشارات. أما مراجعة التقرير فتهدف إلى مساعدة المراجع الذي يقوم بالارتباط مع العميل لتقديم خدماته الاستشارية أن يؤدي العمل الموكل إليه بأعلى مستوى من الخدمة([1]).
أما مصطلح رقابة الجودة فهو يعني "الوسيلة التي يمكن بواسطتها للمكتب التأكد إلى حد معقول بأن الآراء التي يبديها في عمليات المراجعة التي يقوم بها تعكس دائماً مراعاته لمعايير المراجعة المتعارف عليها أو المقبولة عموماً، أو أية شروط قانونية أو تعاقدية، أو أية معايير مهنية يضعها المكتب بنفسه"([2]).
مما سبق يتضح للدارس أنَّ مفهوم جودة المراجعة مفهوم متعدد الجوانب وذلك لأن جودة المراجعة تهم عدة أطراف، فهي تهم معدي ومستخدمي القوائم المالية وكذلك مكاتب المراجعة ذاتها، بالإضافة إلى المنظمات المهنية التي تسعى إلى إلزام مكاتب المراجعة بتحقيق مستوى عالي من الجودة من أجل تطوير المهنة وتدعيم الثقة فيها وتجنب التدخل الحكومي، كذلك تسعى الأجهزة الحكومية إلى أن تتم أعمال مراجعة الحسابات وفقاً لمستوى عالي من الجودة من أجل حماية النشاط الاقتصادي وجميع الأطراف ذات الصلة.
هذا وسيقوم الدارس بتوضيح المفاهيم المختلفة لجودة المراجعة كما وردت في بعض الدراسات والأبحاث السابقة:
أ- مفهوم جودة المراجعة من خلال مفهوم جودة المنتج:
يرى البعض([3]) أنَّ مفهوم جودة المراجعة يمكن التعبير عنه في شكل البنود التقليدية لمفاهيم تكاليف جودة المنتج وهي تكاليف التقييم، وتكاليف الفشل، وتكاليف الوقاية. وذلك طبقاً لنموذج التكاليف التقليدي، وقد أوضحت هذه الدراسة مفهوم جودة المراجعة من حيث علاقته بالأعباء والتكاليف التي يتحملها مراجع الحسابات ووضع لذلك نموذجاً يتكون من ثلاثة أنشطة هي:
1- أنشطة الوقاية.prevention Activities: وهي الإجراءات التي يتحملها مكتب المراجعة لتطوير الكفاءات الفنية للعاملين به.
وتتمثل هذه التكاليف في تكاليف برامج التدريب وتكاليف الالتزام ببرامج المراجعة النموذجية والتكاليف المرتبطة بتناوب الشركاء في عمليات المراجعة وتكاليف أجر الوقت الإضافي للعاملين بالمكتب وتكاليف الاختبارات التي تجرى للتحقق من أنَّ مكتب المراجعة يلتزم بتقويم سمعة العملاء قبل قبولهم.
2- أنشطة التقييم.Appraisal Activities:وتتمثل في متابعة أعمال المساعدين والمتدربين عند إنجاز ما يكلفون به من أعمال مراجعة، بما في ذلك تكاليف مراجعة الشريك الثاني قبل إصدار التقرير.
وتتمثل تكاليف التقييم في التكاليف المترتبة على المراجعة التي يقوم بها الشريك المسؤول أو المدير أو رئيس المكتب أو التكاليف المرتبطة بمراجعة الشريك الثاني بالمكتب، وتكاليف مراجعة الخبرة التي تقوم بها الهيئات المهنية أو شركات أخرى.
3 – أنشطة الفشل.Failure Activities:ويتمثل الفشل في إحدى الصورتين الآتيتين:
· إصدار المراجع تقريراً نظيفاً عن قوائم مالية تحتوي أخطاء وتجاوزات، وبذلك لا تعبر عن حقيقة الأوضاع التي أعدت من أجلها.
· إصدار المراجع تقريراً نظيفاً عن قوائم مالية لا يتوافر فيها الإفصاح الكافي الذي تقتضيه مبادئ المهنة وأخلاقياتها.
وفي كلا الحالتين فإنَّ تكلفة الفشل التي يتحملها المراجع تتمثل في تكلفة المساءلات القضائية والتعويضات للأطراف المتضررة، وفقدان علاقته بالعملاء وضياع السمعة الأدبية للمكتب وتكاليف إعادة بناء هذه الثقة، والتكاليف المترتبة على العقوبات التأديبية التي تفرضها الهيئات المهنية.
وقد تمت هذه الدراسة على سبعة عشر مراجع وسبعة عشر عميل وذلك من خلال توجيه السؤال التالي: كيف يمكن تطوير جودة المراجعة؟.
وكانت إجابات كل من المراجعين والعملاء قد أجمعت على أنَّ أنشطة الوقاية وأنشطة التقييم هي السبيل لتطوير جودة المراجعة.
وقد تضمنت هذه الأنشطة أي أنشطة الوقاية وأنشطة التقييم الأنشطة التالية:
* أنشطة الوقاية تشمل:
التدريب والإشراف، الرقابة الداخلية، لجان المراجعة، الوقت اللازم لإنجاز عملية المراجعة.
* أنشطة التقييم تشمل:
الشك المهني للمراجعين، خطاب أو أوراق الارتباط مع الإدارة، التخطيط والتقييم، مراجعة القرين أو النظير.
ومن خلال هذه الدراسة يرى الدارس أن مفهوم جودة المنتج التقليدية لا يمكن أن يوضح مفهوم جودة المراجعة بصورة ملائمة ولا يمكن الاعتماد عليه بشكل كلي وذلك لصعوبة قياس جودة أي خدمة وخدمة المراجعة بصورة أساسية.


ب- مفهوم جودة المراجعة من حيث علاقتها باكتشاف المخالفات:
من أوائل من قدموا مفهوماً لجودة المراجعة من حيث أنها مقدرة المراجع على اكتشاف الأخطاء والمخالفات الجوهرية هي DeAngleo، حيث ذكرت أنَّ مفهوم الجودة هي:"مقدرة المراجع على اكتشاف المخالفات المالية في النظام المحاسبي للعميل والتقرير عن ذلك".([4])
ويتفق مع هذا المفهوم العديد من الباحثين فقد أوضح Watts & Zmmerman([5]) "أنَّ المراجعة الجيدة هي تلك التي من خلالها ترتفع نسبة احتمال اكتشاف الأخطاء والمخالفات ذات الأهمية النسبية، وكلما زاد الاحتمال زادت جودة المراجعة والعكس صحيح". أيضاً ذكر Plamrose([6]) أنَّ جودة المراجعة هي" مدى احتمال وجود أخطاء ذات أهمية نسبية في القوائم المالية فكلما قل هذا الاحتمال زادت معه جودة المراجعة والعكس صحيح".
ويتفق مفهوم Mark([7]) عن جودة المراجعة مع المفاهيم السابقة، ويرى باحثون آخرون ([8])Julia & Robert & Rimma أنَّ جودة المراجعة هي "مفهوم واسع ولكن يمكن تعريفه بأنه احتمال أن الأخطاء الجوهرية في القوائم المالية يتم اكتشافها والتقرير عنها من خلال منشأة المراجعة".
ويرى الدارس أن جميع هذه الدراسات التي تناولها الباحثون لتحديد مفهوم جودة المراجعة بالاعتماد على علاقتها باكتشاف الأخطاء في القوائم المالية ارتكزت جميعها على مفهومDeAngleo والذي يشير إلى أنَّ احتمال كشف الأخطاء والمخالفات الجوهرية يتوقف على القدرات الفنية للمراجع وعلى إجراءات المراجعة وعلى حجم وخصائص فريق المراجعة، في حين يعتمد احتمال التقرير عن الأخطاء والمخالفات الجوهرية على استقلال المراجع ومقدرته على تحمل الضغوط التي يمارسها العميل أو الإدارة والتي تتوقف بدورها على عوامل اقتصادية خاصة بالعقد والعميل مثل حجم المنشأة وحالتها المالية....الخ.([9])
هذا ويرى أحد الباحثين "أبو العزم"([10]) أنَّ مفهوم DeAngleo مفهوماً نظرياً لجودة المراجعة يصعب وضعة موضع التنفيذ العملي، لأنَّ تقدير درجة كشف الأخطاء والمخالفات الجوهرية الموجودة بالقوائم المالية ومن ثم التقرير عنها يتوقف على أمرين؛ أولهما أن يكون في الإمكان تقدير حجم الأخطاء والمخالفات الجوهرية الموجودة بالقوائم المالية مقدماً قبل القيام بعملية المراجعة، والأمر الثاني اكتشاف الأخطاء والمخالفات الجوهرية أثناء القيام بعملية المراجعة، ثم يتم استخراج نسبة الأخطاء المكتشفة إلى الأخطاء المقدرة، ومن المؤكد أنَّ هناك صعوبة في تقدير حجم الأخطاء والمخالفات الجوهرية الموجودة بالقوائم المالية قبل القيام بعملية المراجعة، وبالتالي يصعب تقدير درجة الجودة وفقاً لهذا المفهوم.
ويرى الدارس أنَّ هذا المفهوم للجودة يشير إلى مدخل الجودة التشغيلية في المراجعة، كما أن هذا المفهوم يعتبر أن جودة المراجعة تتمثل في مدى مقدرة المراجع على اكتشاف الأخطاء والمخالفات الجوهرية في القوائم المالية للعميل، وهذا المفهوم يعتبر مفهوماً غير شامل لأنَّ ليس الهدف الأساسي من المراجعة هو اكتشاف المخالفات والأخطاء الجوهرية في حسابات العميل.
ج- مفهوم جودة المراجعة من حيث علاقته باهتمام المشاركين في بيئة المراجعة:
إنَّ مفهوم جودة المراجعة هو مفهوم ذو أوجه متعددة، وهو محل اهتمام كل المشاركين في بيئة المراجعة، ويرى كل من Sutton & Lampe([11]) أنَّ هناك خمس مجموعات أساسية تهتم بمفهوم جودة المراجعة وهي:-1 معدو القوائم المالية. -2المستخدمون الخارجيون. -3المنظمون مثل المحاكم الدستورية والتشريعية. -4أعضاء مهنة المحاسبة والمراجعة. -5 أعضاء مكاتب المحاسبة.
ويضيف الباحثان أنَّ كل طرف من هذه الأطراف الخمسة السابق ذكرها لديه مفهوم لجودة المراجعة يختلف عن مفهوم الطرف الآخر، وكذلك يرى Wilox([12]) أن مفهوم جودة المراجعة "أنها عبارة عن الأداء الجيد الذي يجب أن يتبع في عملية المراجعة للوصول إلى الكفاءة المناسبة للوفاء بمتطلبات العميل والمجتمع". كالإفصاح وصدور التقارير في الوقت المناسب.
ويتفق مفهوم Wilox مع مفهومSutton & Lampe في أن كل منهما ركز على مفهوم الجودة من حيث متطلبات العميل والدائنون والمستثمرون، أي النظر إلى مفهوم جودة المراجعة من حيث محور اهتمام كافة الفئات المشاركة في بيئة المراجعة، وكذلك فإن كل من Carcello, Harmanson and Neal([13])قد أكدوا على هذا المفهوم من خلال دراستهم التي اعتمدت في تحديد خواص جودة المراجعة على كافة المشاركين في بيئة المراجعة من المراجعين ومعدي القوائم وكذلك المستخدمين للقوائم المالية.
كذلك يوضح William &James([14]) أنَّ جودة المراجعة مفهوم متعدد الجوانب يهتم بكل منها الأطراف المختلفة التي تعنى بعملية المراجعة، إذ أن لكل من هذه الأطراف المختلفة منظوراً مختلفاً وربما كان متناقضاً فيما يتعلق بمعنى "عملية مراجعة" ذات درجة عالية الجودة، فالمساهمون لهم تقويم لهذه الجودة يختلف عن تقييم الدائنين لها بينما الأطراف الأخرى التي تستفيد من عملية المراجعة لهم منظور ثالث يختلف عن منظور الإدارة المسؤولة عن إعداد القوائم المالية.
ويرى الدارس أن هذا المفهوم لا يمكن أن يفي بالغرض في تحديد مفهوم جودة المراجعة لأنه يمثل متطلبات الجودة من وجهات نظر مختلفة، أو بصورة أخرى يمثل نظرت كل من معدو القوائم المالية والمستثمرين، والمراجعين وأعضاء المهنة وأصحاب مكاتب المراجعة لجودة المراجعة.
د- مفهوم جودة المراجعة من حيث علاقتها بمفهوم الوكالة:
في ظل نظرية الوكالة لابد من الأخذ في الاعتبار وجود صراعات بين أطراف علاقة الوكالة داخل المنشأة، لذلك لابد من وجود المراجعة الخارجية التي تساعد في تخفيض حدة هذه التعارضات بين المصالح المختلفة في الوكالة، ولقد أجريت العديد من الدراسات التي تركز على مفهوم الجودة المرتفعة أو كيفية التحول من مكاتب المراجعة الأقل جودة إلى مكاتب المراجعة الأكثر جودة وعلاقة ذلك بتخفيض تعارضات الوكالة، ويرى أحد الباحثينMark L. De Found([15]) أنَّ هناك علاقة بين مفهوم جودة المراجعة وتعارضات الوكالة، وقد أوضح الباحث في دراسته كيفية تحول المنشأة إلى مكاتب المراجعة ذات الجودة الأعلى، أي ما هي دوافع الطلب على جودة المراجعة وعلاقتها بتعارضات الوكالة، وقد توصل DeFound إلى أنَّ التغيرات في هيكل التمويل ترتبط إيجابياً بجودة المراجعة، وهذا يعني أنَّ الملاك والدائنون يمثلون أجهزة مراقبة فعالة للمنشأة التي يمولونها، وكلما زاد عدد الملاك وزاد حجم الدائنية زاد الدافع لمراقبة سلوك المنشأة ومن ثم تطالب هذه الأطراف بجودة مراجعة أعلى، وكذلك تطلب إدارة المنشأة جودة مراجعة بدرجة عالية لرغبتها في زيادة مصداقية المعلومات المالية.
هـ- مفهوم جودة المراجعة من حيث البعد الزمني:
في ظل هذا المفهوم قسم Simunic & Stein([16]) جودة المراجعة من حيث البعد الزمني إلى جودة قبلية وجودة بعدية، وبين الباحثان أنَّ الجودة القبلية تتحد عند التعاقد مع العميل وتعرف بأنها احتمال أن يكشف تقرير المراجع عن الأخطاء والمخالفات الجوهرية الموجودة بالقوائم المالية، في حين تتحدد الجودة البعدية للمراجعة بعد إصدار المراجع لتقريره وتعرف بأنها احتمال خلو القوائم المالية من الأخطاء والمخالفات الجوهرية غير التي تم التقرير عنها([17]).
و- مفهوم جودة المراجعة من حيث علاقتها بمخاطر المراجعة:
لقد أشار العديد من الباحثين إلى أن هناك علاقة عكسية بين جودة المراجعة وبين مخاطر المراجعة، ولتحقيق الجودة في عملية المراجعة يسعى المراجع إلى تخفيض المخاطر لحدها الأدنى وذلك بتخفيض المخاطر المسؤول عنها (مخاطر عدم الاكتشاف)، ويتحقق ذلك من خلال تحسين الأداء وتطويره وإتباع المعايير والإجراءات الإرشادية المنصوص عليها دولياً ومحلياً.
ولقد اقترح ([18])Willingham & Jackobson بأنَّ أفضل وسيلة لتعريف جودة المراجعة هي ربطها بمخاطر المراجعة كما ورد بالبيان رقم47 الصادر عن المعهد الأمريكي للمحاسبين القانونيين، وقد ذكر أن الجودة تتواجد عندما يقل خطر الحماية إلى الدرجة التي يكون عندها مستوى خطر المراجعة المقبول منخفضاً إلى أقصى درجة ممكنة.
كذلك يرى باحث آخر([19]) أنه يجب على المراجع أن يأخذ في الاعتبار عند التخطيط والتنفيذ لعملية المراجعة بأن يقوم بتدنية المخاطرة في المراجعة.
وعليه يمكن القول أنه إذا أمكن قياس وضبط وتدنية مخاطر المراجعة فإن ذلك يؤدي إلى مستوى جودة مراجعة مرتفعة، ومن هنا يمكن القول بوجود ارتباط بين مفهوم جودة المراجعة ومفهوم مخاطر المراجعة، لذا يتوجب على المراجع ضبط وتدنية هذه المخاطر.
ز- مفهوم جودة المراجعة من حيث علاقتها بالمعايير الدولية والمهنية:
إنَّ هذا المفهوم من مفاهيم جودة المراجعة يقوم على أساس أنَّ الالتزام بالمعايير المهنية التي تصدرها المنظمات الدولية والمهنية يحقق جودة المراجعة.وعادة ما تتركز برامج مراجعة الجودة لهذه المنظمات حول مدى التزام مكاتب المراجعة بالمعايير المهنية المتعارف عليها GAASالخاصة بالمراجعة والتي وضعت لضمان الحد الأدنى من جودة المراجعة عند إنجاز أعمال المراجعة.([20])
وهذا المفهوم للجودة يعني أنه إذا ما التزم المراجع بالمعايير المهنية الخاصة بالمراجعة فإنَّه سوف يحقق مستوى جيد من جودة الأداء المهني.([21])
وهذا المفهوم يتبناه العديد من الباحثين والمنظمات المهنية، فقد ذكر Carcello([22]) وآخرين أن مدى معرفة والتزام فريق المراجعة بهذه المعايير يعد من أكثر خصائص جودة المراجعة، وأنَّ معايير الأداء المهني وقواعد وآداب وسلوك المهنة والالتزام بها يساهم في تعزيز جودة المراجعة، وهي تمثل الحد الأدنى لجودة المراجعة وهي تعتبر خط الدفاع الأول ضد مسؤوليات وإهمال وتقصير المراجع أثناء أداء عملية المراجعة.
ويرى أحد الباحثين([23]) أنَّ معايير المراجعة المتعارف عليهاGAAS جاءت عامة ونادراً ما تتناول بالتحديد المشاكل التي تظهر في كل مستويات أداء عملية المراجعة، ولذلك يلعب الحكم الشخصي للمراجع دوراً جوهرياً في تطبيق المعايير على مستويات الأداء.
كذلك يعتبر تحديد الالتزام بالمعايير أمراً حكمياً لمراجعي الجودة، حيث جرى العرف على استخدام قاعدة المراجع المهني الرشيد للحكم على درجة الالتزام بمعايير المراجعة ومن ثم مستوى الجودة، وهذه القاعدة ربما كانت السبب وراء تدخل القضاء والجهات التشريعية في تقدير جودة المراجعة باستخدام معايير وتفسيرات خاصة بهم.
وقد اهتمت الهيئات المهنية الخاصة بالمراجعة بجودة المراجعة وصدرت معايير تحدد الاعتبارات المتعلقة بجودة المراجعة وهي الاعتبارات التي ينبغي على مكاتب المراجعة أن تأخذها في الحسبان عند وضع سياساتها وإجراءاتها.
وفي إطار الجهود التي تقوم بها الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين للنهوض بمهنة المحاسبة والمراجعة والرفع من مستواها أعدت لجنة مراقبة جودة الأداء المهني([24]) – وهي لجنة فنية منبثقة عن مجلس إدارة الهيئة- برنامجاً لمراقبة جودة أداء مكاتب المحاسبة والمراجعة وقد حددت هذه اللجنة مفهوم رقابة جودة مكتب المراجعة بأنه التنظيم الإداري للمكتب وجميع السياسات والإجراءات المتبعة من أجل التحقق بدرجة معقولة من التزام العاملين بالمكتب بالمعايير المهنية والأنظمة ذات العلاقة التي تحكم أدائهم المهني عند تقديم الخدمات المهنية لعملاء المكتب بما في ذلك قواعد وآداب السلوك المهني.
كما أوضح معيار المراجعة المصري السابع([25]) الهدف من الرقابة على الجودة وكذلك الرقابة العامة على مستوى الأداء حيث أوضح:
§ من حيث الهدف من الرقابة على الجودة والمتمثل في توضيح الإجراءات
والسياسات الواجب إتباعها لعملية مراجعة معينة والتي تؤكد بصورة معقولة أنَّ مستوى الأداء المطبق في مكتب المراجعة يتماشى مع الأهداف والمبادئ التي تحكم عملية المراجعة.
§ ينظر إلى سياسات الرقابة على مستوى الأداء على أنها أهداف في حين ينظر إلى إجراءات هذه الرقابة على أنها الخطوات التي تتخذ لتحقيق هذه الأهداف.