كادت ممارسة مهنة مراجعة الحسابات في فلسطين أن تكون معدومة في ظل سلطة الاحتلال الإسرائيلي، ولكن هذه الممارسات تظهر تدريجيا مع عودة السلطة الوطنية الفلسطينية، والشروع في تكوين وحدات اقتصادية وطنية كالبنوك والمؤسسات المالية وغيرها، ولا شك أن مستوى المراجعة كمهنة والطلب عليها لا يزال في حده الأدنى، وكذلك لا يزال أما المهنة والمهنيين جهودا كبيرة يجب عليهم عمله للوصول إلى تحقيق الأهداف المرجوة، ويرجع ذلك حسب ما يراه الباحثانان إلى ما يلي:


1-غياب جهة فاعلة مشرفة على تنظيم مهنة المحاسبة و مراجعة الحسابات.


فقد مرت مهنة المحاسبة و مراجعة الحسابات في هذا المجال بمراحل عديدة و مختلفة باختلاف الوضع السياسي للأراضي الفلسطينية, و في كل مرحلة من هذه المراحل كان غياب الجهة المهنية الفاعلة المشرفة على تنظيم المهنة هي السمة الأساسية. و إن كان قانون تنظيم مهنة تدقيق الحسابات الجديد رقم 9 لعام 2004 قد نص صراحة على و جود مجلس لتنظيم المهنة, إلا أن تشكيلة المجلس والصلاحيات الممنوحة له تجعله عاجزا عن القيام بواجبه المهني بالشكل المطلوب. حيث أن أعضاء هذا المجلس تغلب عليهم الصفة الوظيفية و ليس الصفة المهنية و في معظم الوظائف التي يشغلونها ليس شرطا أن يكون من يشغل الوظيفة ذو علاقة بمهنة تدقيق الحسابات. بالإضافة إلى أن المجلس لا يتمتع بأية صلاحيات في مجال اعتماد إعداد أو معايير مراجعة يتم تطبيقها من قبل المهنيين في فلسطين.


2- قوانين تنظيم مهنة تدقيق الحاسبات المتبعة (سابقا و حاليا) ليست على قدر كافي من المهنية و لا تفي بالحاجات المهنية اللازمة لتنظيم سليم للمهنة.


فالقانون القديم رقم 12 لعام 1961 ( القانون الأردني الذي كان مطبقا في الضفة الغربية و تم اعتماده بقرار من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية للتطبيق في جميع الأراضي الفلسطينية) كان عليه الكثير من المآخذ المهنية و التي أدت إلى إلغائه في بلده الأصلي (الأردن) و استبداله بقوانين جديدة. و كذلك استبداله في فلسطين بقانون جديد آخر هو القانون رقم 9 لعام 2004. إلا أن القانون الجديد لم يكن بأحسن حالا من القانون القديم و لم يعالج المشاكل الموجودة فيه, بل أوجد العديد من التناقضات الجديدة التي لم تكن موجودة في القانون القديم. فعلى سبيل المثال لم يتطرق القانون الجديد لموضوع الصلاحيات في مجال إعداد أو اعتماد معايير المراجعة المتبعة في البلد (كما هو الحال في القانون القديم), كما ظهرت هناك تناقضات واضحة بين العديد من بنود القانون الجديد تجعل من تغييره بأكمله مطلبا قانونيا ملحا.


3- عدم وجود معايير مراجعة يلتزم بها المراجعون في أدائهم لعملهم.


حيث لا يوجد إلزام لمراجعي الحسابات الفلسطينيين باتباع معايير محددة يتبعونها في عملهم المهني المتخصص (ما عدا ما نصت عليه قوانين سلطة النقد المذكورة سابقا). و يستخدم كل مراجع ما يراه مناسبا من المعايير المهنية الموجودة في العالم و يعتبر المكان الذي تخرج منه المراجع و المعايير التي درسها أثناء حصوله على درجة البكالوريوس هي العوامل الأساسية في اختيار المعايير المنهية التي يستخدمها المراجع في عمله. ألا انه و في السنوات القليلة الماضية بدا الكثير من المراجعين باستخدام معايير المراجعة الدولية في عملهم بسبب اشتراط الكثير من المؤسسات و خاصة تلك التابعة للدول المانحة بان تتم عملية تدقيق حساباتها وفقا لمعايير التدقيق الدولية. كما أن قدوم العديد من شركات مراجعة الحسابات الدولية للعمل في فلسطين, و التي غالبا ما تستخدم معايير المراجعة الدولية في عملها, ساهم في زيادة الاهتمام بهذه المعايير و العمل بها.


4- ضعف الدور المهني للجمعيات المهنية وانخفاض إمكاناتها المادية:


توجد في قطاع غزة جمعيتان مهنيتان ذات علاقة بمهنة مراجعة الحسابات هي :جمعية مدققي الحسابات، وجميعه المحاسبين والمراجعين الفلسطينية. وتعتبر الأولى حديثة عهد في حين أن الثانية هي الأقدم حيث أنشئت قبل حوالي 25 سنة. أما في الضفة الغربية فهناك جمعية مدققي الحسابات و التي تعتبر منفصلة تماما عن جمعيات قطاع غزة. إلا أن هذه الجمعيات ليس لهما دور مهني فعال في تنظيم المهنة و يقتصر دورهما على الجانب النقابي وعلى تطوير قدرات الأعضاء عبر بعض الدورات التدريبية في موضوعات مهنية متنوعة. كما أن العضوية فيها لا تعطي لحاملها أي ميزة مهنية عمن لا يحمل مثل هذه العضوية. و إن كان القانون الجديد (9 /2004) أعطى لجمعية مدققي الحسابات دورا في عملية إصدار و تجديد التراخيص لمزاولي المهنة, إلا أن هذا الدور لا يتجاوز بعض الإجراءات الإدارية الخاصة فقط بعملية إصدار و تجديد التراخيص المهنية. من ناحية أخرى فان الجمعيتان, مثل باقي الجمعيات المهنية الأخرى, تفتقر إلى مصادر التمويل الكافية التي تمكنها من أداء دورها المطلوب.حيث يقتصر مصدر التمويل الأساسي على الرسوم الرمزية للأعضاء, إضافة إلى ما يمكن الحصول عليه من الهبات و التبرعات و التي بالكاد تكفي مجتمعة لسد الاحتياجات الإدارية للجمعيات, الأمر الذي يحول أيضا دون قيامها بواجبها على اكمل وجه.


5- انخفاض وعي مستخدمي القوائم المالية بأهمية مراجعة الحسابات.


يتميز مستخدمي المعلومات المالية في فلسطين بشكل عام بانخفاض الوعي بدور المعلومات المالية في الحياة الاقتصادية و العامة و خاصة في مجال اتخاذ القرارات. و ينطبق هذا الأمر على وعيهم بأهمية تدقيق و مراجعة الحسابات و بضرورة أن تكون المعلومات التي يستخدمونها مدققة بشكل سليم. و ربما كان هذا عائدا لانطباع الناس بان الهدف الأساسي من إعداد القوائم المالية هو العرض على مصلحة الضرائب, و قناعاتهم بان المحاسب يجب أن يعمل على إعداد قوائم مالية تؤدي إلى تخفيض قيمة الضرائب المدفوعة , و ليس تلك التي تعكس المركز المالي الحقيقي و نتائج الأعمال الحقيقية. و هذا القصور في الوعي المحاسبي يؤدي إلى فهم قاصر في طبيعة عمل مراجع الحسابات.