بعد انهيار "إنرون" المدوي ظهرت وبحدة مشكلة قياس القيمة العادلة، فقد تعددت التعريفات العلمية لها وتبعثرت في المعايير المحاسبية، ما أفقدها ميزة الثبات وأصبحت ثغرة نفذت منها مجالس الإدارات للتلاعب بالأرباح وتضخيم الأصول، لذلك وبعد جدل طويل تم اعتماد المعيار رقم 157 بعنوان قياس القيمة العادلة Fair Value Measurement. لقد بنيه هذا المعيار على أساس أن الأسواق قادرة على تقديم أفضل قياس للأصول وأكثرها استقلالا وعدالة. ولحل قضية التلاعب بالقيمة العادلة من خلال استخدام طريقة Mark to Model قدم المعيار تفصيلا هيكليا للقيمة العادلة على أساس وجود أسعار سوقية من مصادر مستقلة على النحو الآتي :


1. القيمة العادلة التي يتم استخلاصها بناء على تعاملات الأسواق ويتم الحصول عليها من مصادر مستقلة عن الإدارة.
2. القيمة العادلة بتقدير الإدارة، ولكن أيضا وفقا لمبدأ أسعار السوق، ووفقا لأفضل المعلومات المتاحة لها، مع الأخذ في الحسبان أسعار الفائدة والمخاطر المحيطة بعملية البيع وذلك عندما لا تكون هناك أسواق نشطة ومصادر مستقلة يمكن الاعتماد عليها.


كان هذا يبدو مثاليا وتطورا هائلا في الفكر المحاسبي،اقتضى سنوات طويلة من النقاش والجدل، لكنه ولد في غير أوانه، فقد افترض هذا المعيار أن الأسواق قادرة على التقييم السليم للأصول ولا يمكن أن تتعثر في تحديد القيم الحقيقية أو تتحول إلى مصدر للكارثة، فقد رصدت التحولات الخطيرة عندما بدأت أسعار الأصول في الارتفاع في بدايات فقاعة الأصول في الولايات المتحدة.في ذلك الوقت ونظرا لأن البنوك تحدد القيمة العادلة لأصولها المملوكة وفقا لسعر السوق، فإن رأسمالها كان يتضخم باستمرار كلما تضخمت أسعار الأصول في السوق ولتحافظ على العلاقة بين قيمة رأس المال والقروض كان الارتفاع في قيمة رأس المال يشجع البنوك على الاقتراض أكثر، وبالتالي ضخامة المركز المالي للبنك ككل وهذا كنتيجة شجعها على الإقدام بشراهة في عمليات القروض حتى أقرضت العملاء الأكثر خطورة كلما نما رأسمالها وتعاظمت قيم أصولها.


لكن عمل القيمة العادلة والأسواق متفائلة جدا كان هو عملها أيضا عندما بدأت السحب تتلبد في سماء الإقراض. ولأن القيمة العادلة وفقا للمعيار الأخير تقرر أن يتم تقييم الأصول التي ليس لها سوق رائجة وفقا لأفضل المعلومات المتاحة فإن الانخفاض المستمر والتوقعات السلبية لقيم الرهونات العقارية لم يمس فقط تلك الرهونات السيئة (التي امتنع أصحابها عن السداد)، بل يمس كل الرهونات العقارية الأخرى وهكذا بدأت الكرة في التدحرج نحو الاتجاه العكسي وانعكست على قيم الأصول التي بحوزة البنوك والمقيمة وفقا للقيمة العادلة بالتالي قيمة البنك وبدأت سلسلة الانهيارات تتوالى.لم يكن هناك شك أن البنوك قادت إلى هذه الكارثة الاقتصادية، وهذه الانهيارات دفعت الهيئات التنفيذية والتشريعية والعديد من الاقتصاديين الذين طالما نادوا بتطوير الطرق المحاسبية لقياس وعرض الأصول لتقترب كثيرا من القيمة الحقيقية يناشدون اليوم بإيقاف العمل بأفضل هذه الطرق وأكثرها حداثة، لأن تطبيقها الآن لا يعكس القيم الحقيقية لهذه الأصول المالية ، بالإضافة لزيادة فزع الأسواق والمستثمرين كلما حصل شطب جديد لأصول جديدة ، مما يؤدي إلى انهيارات أخرى متتالية.ما جعل خطة الإنقاذ الأمريكية تدرج بندا خاصا بمشروع إعادة النظر في المعيار وتطلب دراسة وافية عنه وتطلب من SEC أن تعلق العمل بطريقةMark to Market ،محاسبيا يبدو هذا تدهورا حقيقيا ويعيد المهنة عقدا كاملا من الزمن إلى الوراء، فهل كان المعيار جلادا أم ضحية؟(SASF No. 157)


إن المعيار الأمريكي رقم ( 157 ) والمعيار الدولي رقم ( 39 ) يعالجان قياس الأصول والالتزامات المالية ،ويعالجان تطبيق القيمة العادلة في الأوضاع الاقتصادية الطبيعية والمتأزمة ، حيث تم الإشارة بشكل واضح إلى معالجة انهيار وتدني قيم السندات بأن يكون إثبات التدني بالإفصاح عن الخسائر في قائمة الدخل الشامل، على أن تلغى هذه الخسائر في حال ارتفاع قيم هذه السندات مرة أخرى أي بانتهاء أسباب التدني. أما في حالة أسواق الأسهم فاذا تعذر الاعتماد على مؤشر الأسهم في قياس الأسعار ، يتم اتخاذ الإجراء البديل وهو الاعتماد على نماذج خصم التدفقات النقدية وهذه النماذج الكمية يمكن تطبيقها لقياس قيم السندات أيضاً. لقد وصلت المعايير من النضج لتعالج عمليات القياس في جميع الأوضاع الاقتصادية ، ولكن تدخل الهيئات المهنية وإن كان لها الصلاحية لوقف هذا التطبيق ، فإنه يحمل خداع للمستثمرين ومستخدمي البيانات المالية ، حيث تقوم الفكرة على استخدام آخر تقييم لهذه السندات قبل الانهيار والتوقف عنده على أن يعاد تشغيل مفتاح التقييم مرة أخرى عندما تنتعش قيم هذه السندات بافتراض نجاح خطة الإنقاذ المالي على المدى القصير جداً، إن أسباب المشكلة المالية الحالية ليس تطبيق القيمة العادلة في البيانات المالية ، وإنما يكمن في الإفراط المخيف في الائتمان دون مسؤولية أو رقابة كافيه ، تضخم الأصول المالية وغير المالية من خلال المضاربات الجشعة ، واستخدام أدوات الهندسة المالية الحديثة أو ما يعرف بالمشتقات المالية ، كالخيارات والمستقبليات والعقود الآجلة بشكل مفرط و غير مسؤول لأغراض المضاربة أكثر منها لأغراض التحوط.


كل هذه العوامل بالإضافة لعوامل أخرى أدت لهذه الانهيارات المتتالية ، الانكشاف المالي التي انفجرت فقاعتها في سبتمبر 2008 رغم أن نواقيس هذا الخطر قد بدأت تدق عندما انهارت بورصة ناسداك قبل ثمانية أعوام وتبعها انهيارات أخرى منها شركة انرون والتي تبعها سَن مجلس الشيوخ الامريكي لقانون Sarbanes Oxley وقواعد حوكمة الشركات التي اتُبًعت عالمياً ، اللواتي أثبتت وللأسف أنها لم تكن فاعلة كفاية ، لقصورها في تغطية جوانب رقابية وتطبيقية عديدة ، مروراً بخسارة بنك Societe Generale العالمي لحوالي ( 7 ) مليارات دولار أمريكي في مضاربات أسواق المشتقات المالية وبكبسة زر، إن شطب قيمة هذه السندات مضمونة الرهن من ميزانيات الصناديق الإستثمارية والبنوك لا يعني أنها لا تعكس واقعها الحقيقي بل على العكس يجب قياس قيمتها الآن وتسجيل الخسائر كاملة وعند نجاح خطة الإنقاذ وما سيتبعها من خطط انقاذ وانعاش أخرى ، عندها تصبح لها قيمة فإن المعايير تسمح بإلغاء الخسائر السابقة وإظهارها في قائمة الدخل مرة أخرى،وهذا ولد ما يعرف بمفهوم المحاسبه الابداعيه التي ساهمت الازمه الماليه على زياده ظهورها واتباعها من قبل الشركات لإظهار حساباتها بغير صورتها الحقيقية .