كان من مظاهر انبثاق اقتصاد المعرفة الذي رافق ظهور ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتقنيات الشبكات هو تحول المعرفة على عنصر اساسي من عناصر انتاج السلع والخدمات، بل اصبحت المعرفة العامل الحيوي للإنتاج الأمر الذي حدا Peter Drucker ان يقول عن المعرفة بأنها المورد الاستراتيجي في منظمات اليوم والمستقبل وليست مجرد مورد من موارد اخرى (Takeuchi, 1998). ان صعود المعرفة وتعاظم اهميتها في عالم الاعمال ارتبط ايضاً بعوامل مهمة اخرى نذكر منها على سبيل المثال هجرة القيمة من المادة الى المعرفة و تزايد اهمية انتاجية المعرفة، وظهور المنظمات المستندة على المعرفة وصناعات المعرفة. ولهذا نجد ان التطبيقات الرائدة في ادارة المعرفة قد بدأت في القطاعات المصرفية والمالية بسبب ارتباط هذه القطاعات بالمعرفة المتخصصة في كل ابعادها وعناصرها ولطبيعة الصناعة المصرفية التي تركز على انتاج وتقديم الخدمات المصرفية والمالية الشاملة الى الزبائن في كل مكان. وفي المصارف تأخذ المعرفة التنظيمية (المتخصصة والفنية والتنظيمية) الممزوجة مع الخبرات الميدانية المتراكمة بعد الشكل والاطار او السياق Context وبعد المحتوى او المضمون Content . وبالتالي يصبح دور ادارة المعرفة هو تطوير المحتوى والاطار وتشكيلهما في توليفة واحدة لتمكين ادارة المصرف والعاملين من انجاز الانشطة المصرفية المتخصصة من ادارة الاصول والخصوم، تخطيط وتصميم الخدمة المصرفية بجودة عالية وتقديمها للمستفيد النهائي او دارة محفظة الاستثمار وتعزيز القدرة التنافسية للمصرف.


ويقع في قلب هذه المهام المعقدة ادارة المخاطر من خلال اعداد محددات او معاملات للأنشطة التي يقوم المصرف بتنفيذها ، وينطبق هذا الامر على كل اشكال المعاملات المصرفية وكل انواع القرارات التي تتخذها الادارات في المصرف وبصورة خاصة قرارات الائتمان. على مستوى قرارات الائتمان تساهم ادارة المعرفة في تقليل مخاطر الائتمان من خلال عدة محاور نذكر منها ما يلي :


- المساعدة في فهم اعمال الزبائن.
- تقليص فجوة عدم التناظر بالمعلومات بين المصرف والمقترض.
- المعرفة الافضل بالمقترض.
- تحليل المخاطر ودعم قرارات الائتمان .


كما تساعد ادارة المعرفة على وضع معايير متعددة المستويات تفيد في ادراك المخاطر بطريقة موضوعية بالاضافة الى توظيف المعرفة التنظيمية والخبرات العملية والمهنية المتراكمة لدم قرارات الائتمان في المصارف .


أن اهم قضية تتصدى لها ادارة المعرفة في المصارف هي معالجة عدم تناظر المعلومات بين المصرف من جهة والمقترض من جهة اخرى، أي بين ما يعرفه المصرف عن المقترض وما يجب ان يقدم للمتقترض من معلومات جوهرية عن حقائق وقواعد وشروط الاقتراض ومضامين هذه العملية التعاقدية والمالية التي تجمع العميل بالمصرف.
ان معرفة المصرف بالاعمال والمنافسين ومعرفة المصرف بالعميل يجب ان يقابله معرفة جيدة بالمصرف وبطبيعة ونوع الخدمات المصرفية المقدمة. ولهذا يقع على عاتق ادارة المعرفة وضع خطط عملية طموحة لسد الفجوة المعرفية في داخل المصرف والتي تظهر عندما يكون هناك حاجة لقرارات استراتيجية او تغييرات تنظيمية كبيرة او عندما لا تستطيع بعض الوحدات التنظيمية المتخصصة من المشاركة بالمعرفة او عندما لا يستطيع المصرف من التعامل بمرونة مع التغيرات التنظيمية او الاستجابة لتغيرات في البيئة التنافسية .


وفي كل هذه الحالات وغيرها يحتاج المصرف الى المعرفة و ابتكار المعرفة الجديدة لتعزيز الجدارة الجوهرية للمديرين والعاملين من صناع المعرفة.


هنا لا بد ان نشير ان معظم برامج ومشروعات ادارة المعرفة تتوجه نحو تكثيف الاستثمار في نظم وادوات تكنولوجيا المعلومات اكثر من تركيزها على الابعاد والمضامين الاخرى للمعرفة ذات الصلة بالجانب الثقافي والسلوكي وبرامج التدريب والتعلم مدى الحياة.


أي التركيز على المعرفة النصية الصريحة لسهولة التعامل مع هذا النوع من المعرفة على حساب التعامل مع المعارف والخبرات الثمينة المستقرة في عقول الافراد العاملين والتي تدعى عادةً بالمعرفة الضمنية (غير الصريحة).


لذلك نرى من المهم ان تتجه برامج ومشروعات ادارة المعرفة في البيئة العربية بصفة عامة وفي القطاعات المصرفية والمالية العربية نحو الاهتمام المتوازن بالمعرفة المكتوبة والمعرفة الصامتة من خلال مدخل منهجي منظم لإدارة رأس المال الفكري والانساني ورسم خرائط معرفة لكل مصرف لكي يمكن بعد ذلك تقييم الاصول المعرفية الموجودة في كل مجال وظيفي وقياس الاداء والعائد المتحقق في ضوء المعايير المحددة في عملية التقييم. فضلاً عن ذلك يمكن دراسة تأثير ادارة المعرفة بصورة مباشرة على مستوى الاداء الكلي او على جودة القرارات المتخذة من قبل المديرين وبغض النظر عن المستوى التنظيمي.



منقول للإفادة