يعتقد كثير من المحاسبين المعاصرين ممن يعملون فى البنوك التقليدية أو ممن يعملون فى المجال الأكاديمى فى المعاهد والجامعات أنه لا فرق بين المحاسبة فى المصارف الإسلامية والمحاسبة فى البنوك التقليدية وفقاً للفكر الوضعى ، ونحن نلتمس لهم العذر فى ذلك لأن علماءنا عجزوا عن تفهيمنا الإسلام على نحو صحيح ، لقد تعلمنا الإسلام فى المدارس على أنه عبادات فقط .. ولذلك أصبح غريباً على أسماعنا الآن ما يدرس ويبحث فى مجال المحاسبة فى الإسلام وتطبيقاتها فى الواقع العملى ، بل إن بعضنا ليدهش ويصير الأمر بالنسبة له وكأنه اكتشاف فى مجال الفكر المحاسبى ، عندما يسمع عن المحاسبة والمراجعة والرقابة فى الإسلام ، ونستطيع أن نوضح كيف تختلف ذاتية المحاسبة فى المصارف الإسلامية عن محاسبة البنوك التقليدية وذلك على النحو التالى:


أولاً : تستمد محاسبة المصارف الإسلامية أسسها الأصولية الرئيسية من القرآن والسنة النبوية الشريفة ومن القواعد الفقهية وليس من الفكر الوضعى كما هو الحال فى محاسبة البنوك التقليدية ، ولذلك تتسم هذه القواعد بالثبات والموضوعية وعدم قابليتها للتغير ، ولذلك فهى صالحة لكل زمان ومكان : " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " ( الملك : 14 ) ، وتأسيساً على ذلك لا يجوز لأى محاسب أو أن لفريق من المحاسبين أن يعدلوا أو أن يهملوا أى أساس محاسبى مستنبط من القرآن والسنة ، وينحصر مجال الاجتهاد فى الطرق والأساليب والإجراءات المحاسبية والتى ربما تتشابه مع المطبق فى البنوك التقليدية .


ثانياً : ترتكن محاسبة المصارف الإسلامية على العقيدة القوية والإيمان الراسخ بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً ، وعلى المحاسب الذى يقوم بعمليات المحاسبة المختلفة أن يدرك تماماً بأن المال الذى يحاسب عليه مال الله ، وقد أمره الله أن يسجل حركته من دخل وصرف فى ضوء شرع الله عز وجل ، كما يؤمن بأن الله سوف يحاسبه يوم القيامة عن مدى قيامه بهذا على الوجه الأكمل .. كما يعتقد بأن الله يراقبه فى عمله وعن المعلومات التى يقدمها لمن يهمه الأمر .


ومن ناحية أخرى يجب أن يكون المحاسب ملماً بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية مؤمناً بها حتى يكون قادراً على نشر القيم الإيمانية وأن يكون ملتزماً بذلك قولاً وعملاً لا يخشى فى الحق لومة لائم ، وهذا الأمر لا يكون أساسياً فى محاسبة البنوك التقليدية .


ثالثاً : ترتكن محاسبة المصارف الإسلامية على القيم الأخلاقية ، فيجب أن يتصف المحاسب الذى يتولى القيام بالعمليات المحاسبية فى المصرف الإسلامى بالأمانة والصدق والحيدة والعدل والكفاءة وغير ذلك من الأخلاق ، حتى يطمئن كل من المستخلف على المال ومن يتعاملون معه إلى سلامة ودقة المعلومات التى يقدمها لهم .
ومن ناحية أخرى يجب عند اختيار المحاسب فى المصرف الإسلامى أن يؤخذ فى الاعتبار هذه الأخلاقيات وهذه الخاصية قد تكون موجودة فى محاسبة البنوك التقليدية ولكن من واقع الالتزام المهنى وليس التعبدى .


رابعاً : تأسيساً على الخصائص السابقة تتعلق محاسبة المصارف الإسلامية بالعمليات المالية المشروعة ، فأى عملية غير مشروعة ليس لها مجال فى المصرف الإسلامى ، ويجب على المحاسب أن يعد بها تقريراً يقدم إلى المسئولين حتى يسأل المسئول عن هذه العملية حتى يمكن تفاديها فى المستقبل ، وهذه الخاصية منطلقة من قاعدة أن مجالات المعاملات فى الإسلام تتعلق بالحلال و بالطيبات وتتجنب الحرام والخبائث ، أما المحاسبة فى البنوك التقليدية فهى تتعلق بالحلال والحرام وبالطيب والخبيث .


خامساً : يعتبر المحاسب مسئولاً مع أجهزة الرقابة الأخرى أمام المجتمع والأمة الإسلامية عن مدى التزام المصرف الإسلامى بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بجانب المعاملات ، وعليه يجب أن يتضمن تقريره ـ سواء فى ذلك المقدم للمستويات الإدارية أو الجهات الخارجية المعنية ـ معلومات عن المخالفات الشرعية وأسبابها والتناقضات بين الشريعة والتطبيق العملى إن وجدت ، وهذا الأمر غير وارد على الإطلاق فى البنوك التقليدية حيث تطبق القوانين الوضعية .


سادساً : يعتبر المحاسب فى المصارف الإسلامية أيضاً مسئولاً أمام المجتمع والأمة الإسلامية عن مدى تحقيق المصرف الإسلامى للأهداف الاجتماعية وهذا ما يطلق عليه إصطلاح المسئولية الاجتماعية ، وعليه أن يعد تقارير محاسبية تتضمن معلومات عن تقويم المصرف الإسلامى فى ذلك وأسبابه وأسس علاج القصور وتنمية الإيجابيات وهذا الاتجاه ظهر حديثاً فى علم المحاسبة فى البنوك التقليدية .


سابعاً : يهتم المحاسب فى المصرف الإسلامى بالنواحى السلوكية للعنصر البشرى العامل فيه ويعنى ذلك أن يؤخذ فى الاعتبار عند تصميم النظم المحاسبية ووضع مؤشرات تقويم الأداء تحفيز العنصر البشرى مادياً ومعنوياً ، وإن كان ذلك ليس من اختصاص المحاسب وحده إذ أنه مشارك فيه بدور ما ، وما يجب أن نركز عليه فى هذا المقام هو دور المعلومات المحاسبية فى تنمية الحوافز ورفع الروح المعنوية للعاملين فى المصرف الإسلامى ودفعهم نحو الابتكار والإبداع وزيادة الإنتاجية وإبعادهم عن السلبية والاتكالية والانعزالية ، وهذا الأمر يعتبر جديداً فى مجال المحاسبة فى البنوك التقليدية .


هذه هى الملامح التى تتميز بها محاسبة المصارف الإسلامية عن المحاسبة فى البنوك التقليدية فهى محاسبة ترتكن إلى القيم الإيمانية والأخلاق الفاضلة والمسئولية الاجتماعية والاقتصادية ، كما أنها ذات مفهوم شامل ، وتتسم أسسها الرئيسية الأصولية بالثبات والاستقرار ، ويحكم طرقها وأساليبها وإجراءاتها مبدأ المرونة والمعاصرة حسب مقتضيات المكان والزمان .


وعلى النقيض مما سبق نجد أن محاسبة البنوك التقليدية تبدأ من منطلقات وضعية مادية وتهدف إلى تحقيقها بصرف النظر عن توافقها أو تعارضها مع القيم والمثل والأخلاق ومبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية .


منقول للإفادة