العوامل غير الدخلية المؤثرة في الاستهلاك:


1- مستوى الأسعار:
يعتبر مستوى الأسعار من العوامل المهمة جداً في التأثير على حجم الاستهلاك، وإذا أخذنا الأمر ببساطة و بصفة مبدئية فإن زيادة الأسعار تؤدي إلى تخفيض الفرد لاستهلاكه. هذا من الناحية المنطقية، و لكن التحليل الاقتصادي يرى غير ذلك أيضاً، فلو ارتفعت الأسعار دون ارتفاع الدخول النقدية للأفراد ينخفض الدخل الحقيقي فينخفض الاستهلاك، أما لو ارتفعت الأسعار بنسبة معينة وارتفعت الدخول بنفس النسبة فإن الدخول الحقيقية لن تتغير و بالتالي يبقى الاستهلاك كما هو و لا يتغير. هذا ونشير هنا إلى ما يعرف بخداع النقود Money Illousion والذي يحدث عندما ينظر الأفراد إلى ارتفاع دخولهم النقدية دون النظر إلى ارتفاع الأسعار فيزيدون من استهلاكهم تحت تأثير وهم النقود رغم أن دخلهم الحقيقي لم يرتفع.
لقد قام كل من "برانسون"Branson و"كليفوريك"Klevorick بدراسة توصلا منها إلى أن خداع النقود يتعلق بدالة الاستهلاك. وقد استخدما بيانات احصائية للفترة (1955-1965) وكانت النتيجة التي توصلا إليها أن مستوى الأسعار يلعب دوراً هاماً في تحديد نصيب الفرد من الاستهلاك الحقيقي والذي يزيد كلما زاد الرقم القياسي لأسعار المستهلك مع بقاء الدخل الحقيقي والثروة ثابتين، أي أن الأسر تأخذ في عين الاعتبار بقيمة الزيادة النقدية فقطز وفي دراسة مشابهة لكل من "جوستر"Juster و"واشتل"Wachtel عن تأثيرات التضخم المتوقع وغير المتوقع على الاستهلاك، اتضح أن التضخم سواء كان متوقع أو غير متوقع له تأثير سلبي على الاستهلاك (حيث يزيد الاستهلاك الحالي لتوقع ارتفاع في الأسعار) وإن كان الأثر السلبي للتضخم الغير متوقع أكبر.


ا2- توقعات الأسعار:
كما نعلم، تعتبر التوقعات من العوامل المهمة في علم الاقتصاد وفي تأثيرها على الاستهلاك. فإذا توقع الأفراد ارتفاع الأسعار في المستقبل فإنهم سيزيدون مناستهلاكهم الحاضر على حساب الاستهلاك المستقبلي، والعكس إذا توقع الأفراد انخفاض الأسعار في المستقبل فإنهم سيؤجلون استهلاكهم الحالي للمستقبل فينخفض الاستهلاك. هذا بالنسبة لتوقعات الأسعار، أما بالنسبة لتوقعات تغير الدخل، فإن توقع الأفراد ارتفاع دخولهم يؤدي إلى زيادة الاستهلاك والعكس بالعكس.


3- التقليد والمحاكاة:
يعتبر عامل التقليد والمحاكاة من العوامل الهامة والتي تؤثر في أنماط الاستهلاك، حيث يتأثر أفراد المجتمع في سلوكهم الاستهلاكي بمن حولهم من أقارب وأصدقاء وجيران، ومحاولة تقليدهم في أنماطهم الاستهلاكية. وقد يلجأ البعض إلى شراء سلع لا يحتاج إليها أو لم يعتاد استخدامها ليس إلا رغبة في محاكاة أصدقاء أو جيران ولو اضطر إلى إنفاق معظم دخله في سبيل ذلك. كما يلاحظ أحياناً أن محاولة أفراد المجتمع محاكاة مستويات المعيشة السائدة في الدول الغربية والمتقدمة تؤثر كثيراً على نمط استهلاكهم، فتزيد من كمية السلع المطلوبة والتي لم يعتادوا شراءها من قبل. ويدخل ضمن هذا العامل كل ما من شأنه التأثير على ذوق المستهلك من دعاية وإعلان وغيرها.


4- النظرة إلى الادخار:
إن نظرة المجتمع للادخار ووعيهم لأهميته تؤثر وبشكل واضح في حجم الاستهلاك وبالتالي الادخار، وهذه النظرة تحكمها عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية . فلو كان المجتمع ينظر إلى الادخار على أنه أمر مهم فإنه سوف يدخر أكثر و يستهلك أقل كما في معظم المجتمعات المتحضرة. أما إذا كان أفراد المجتمع لا يولون اهتماماً يذكر للادخار أو أنهم محبون للاستهلاك بطبعهم فإن هذا المجتمع يزيد فيه الاستهلاك وينخفض فيه الادخار.


5- العوامل الاجتماعية:
هناك عوامل اجتماعية كالعمر والحالة الاجتماعية والمستوى التعليمي والثقافي والبيئة التي يعيش فيها الإنسان، كلها عوامل تؤثر على حجم الاستهلاك. فبالنسبة للعمر، نجد أن الدخل الفردي ودخل الأسرة يأخذان في النمو منذ الشباب وحتى منتصف العمر، ثم يبدأن بالتناقص في سن الشيخوخة ، وتأخذ نسبة الدخل المدخرة نفس النمط حيث يزيد الادخار في سن الشباب ويصل إلى قمته في منتصف العمر ثم تتناقص. وهذا يدل على أن الجزء الأكبر من الاستهلاك يكون في سن الشباب وسن الشيخوخة، والجزء الأقل منه يكون في منتصف العمر.


6- الأذواق: تختلف أذواق الأفراد اختلافا متبايناً، فمن الناحية الاقتصادية هناك من يستهلك أكثر وهناك من يستهلك أقل. ويعزى ذلك إلى اختلاف الميول الادخارية والتي ترجع بدورها إلى اختلافات السن والتركيب الأسري والأحوال الاجتماعية وخلافه. هذا إضافة إلى التغيرات المستمرة والتي تحدث في نوعية السلع وجاذبيتها والتغيرات التي تطرأ على طرق الدعاية والإعلان وكلها أمور من شأنها تغيير أذواق المستهلكين من فترة لأخرى. وعلى الرغم من اختلاف الميول والأذواق لدى المستهلكين فإنه من الأهمية أن نشتق دالة استهلاك كلية للاقتصاد. تعتمد هذه الدالة على مجموعة محددة من ميول المستهلك. فإذا تغيرت الميول فجأة نحو الادخار فإن دالة الاستهلاك الكلي سوف تتغير، ولكن لا يعني ذلك أن ميول الأفراد الاقتصادية تتغير سريعاً بمرور الزمن حيث أن أنماط الاستهلاك تتميز غالباص بشيء من الاستقرار النسبي.


7- نمط توزيع الدخل بين أفراد المجتمع:
تستهلك الطبقات الفقيرة الجزء الأكبر من دخلها، وادخارها غالباً ما يكون منخفض نسبياً بسبب انخفاض مستويات دخلها. أما الطبقات الغنية فارتفاع دخولها يسمح لها باستهلاك نسبة أقل من دخلها وادخار نسبة أكبر منه. فالميل الحدي للاستهلاك يرتفع لدى الفقراء عنه لدى الأغنياء. ولذلك فكلما كان توزيع الدخل في صالح الطبقات الفقيرة كلما زادت نسبة ما يوجه للاستهلاك وانخفضت نسبة ما يوجه للادخار من الدخل والعكس بالعكس.


8- الثروة:
إن حصول الفرد على ثروة مفاجئة كالأرث مثلاً من شأنه زيادة استهلاكه، محاولاً إشباع سلع كان يتطلع لاستهلاكها من قبل، ثم بعد فترة يعتاد على نمط استهلاكي معين فيثبت الاستهلاك نوعاً ما وقد يبدأ في زيادة مدخراته. وتنقسم الثروة إلى أصول سائلة و رصيد من السلع المعمرة، وعلى ذلك فإن زيادة ما يمتلكه المجتمع من مصادر الثروة المتمثلة في الأصول المالية السائلة أو عوائد الاستثمارات أو الأوراق المالية قصيرة الأجل(تتمتع بالسيولة) من شأنه زيادة شعوره بالأمان فيزيد الاستهلاك. أما عندما تتمثل مصادر الثروة في السلع المعمرة من أثاث وتحف وسيارات وغير ذلك فإن ذلك يعني خروج ملاكها من سوق هذه السلع كمشترين وبالتالي ينخفض الاستهلاك لهذه السلع لفترة من الزمن.




9- سعر الفائدة:
أكدت النظرية الكلاسيكية كما سبق وأوضحنا أن سعر الفائدة هو العامل الأساسي المحرك للادخار، في حين شكك الاقتصاديون بعدهم في ذلك من الناحيتين النظرية والتطبيقية. فزيادة سعر الفائدة قد تشجع على الادخار وتعوق الاستهلاك، ولكنها أيضاً قد تؤثر عكسياً. فقد يجد الفرد نفسه عند مستويات الفائدة المرتفعة محققاً لعائد أكبر من مدخراته فيتمكن من ادخار جزء أقل ومستمتعاً باستهلاك جزء أكبر من الدخل. لذا تشير بعض الدراسات التطبيقية إلى أن العلاقة بين الاستهلاك وسعر الفائدة هي علاقة غير واضحة، بينما يجد البعض الآخر أنها علاقة قوية نسبياً.


10- الضرائب:
تؤثر السياسة الضريبية للدولة على الاستهلاك ومن ثم على الادخار ، حيث تعتبر الضرائب استخدام غير إنفاقي للدخل فيشار إليها بالادخار الحكومي(أو الادخار العام)، حيث أن زيادة الضرائب تعمل على تخفيض الاستهلاك وزيادة الادخار والعكس يحدث عندما تنخفض الضرائب.