المحتويات
- تمهيد.
- مفهوم ومشروعية الشركات في الفقه الإسلامي.
- أنواع الشركات في الفقه الإسلامي.
- خصائص الشركات في الإسلام.
- أدلة وجوب الزكاة على الشركات.
- الأحكام الفقهية لحساب زكاة الشركات.
- المعايير الشرعية لحساب زكاة الشركات.


* * *








الفصل الأول


الأحكام الفقهية لزكاة الشركات
- تمهيد:
لقد اهتم الإسلام في مجال المعاملات المالية والاقتصادية بنظم المشاركات لما فيها من الخير والنماء والبركة، فقد ورد في الحديث القدسي الذي رواه الرسول ﷺ عن رب العزة: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما» (رواه أبو داود عن أبي هريرة).
ولقد تضمنت الشريعة الإسلامية الأحكام الفقهية التي تضبط عقود ومعاملات الشركات منذ التأسيس وحتى التصفية، ومن بين هذه الأحكام ما يتعلق بحساب الزكاة لتكون المرجعية للشركاء وغيرهم عند التطبيق العملي لقياس الزكاة الواجبة عليهم.
ويختص هذا الفصل بتناول أصول الشركات في الإسلام وأنواعها وخصائصها وأشكالها المعاصرة، ووجوب وأحكام الزكاة على الأموال المستثمرة فيها ويعتبر هذا الفصل مدخلا فقهيا للفصول التالية.
- مفهوم ومشروعية الشركات في الفقه الإسلامي:
يقصد بالشركة في الفقه الإسلامي الاختلاط في رأس المال والعمل معا والمشاركة في الربح والخسارة وفقا لقاعدة: «الغنم بالغرم»، وقاعدة: «الشخصية المعنوية المستقلة».
والشركة في الإسلام مشروعة بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، من الكتاب قول الله تبارك وتعالى: ﴿ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﴾ [ص:24] ، كما أجمع الفقهاء على مشروعية الشركة في الجملة ولكن اختلفوا في مشروعية بعض أنواعها.
- أنواع الشركات في الفقه الإسلامي:
لقد ورد في كتب الفقه الإسلامي أنواع مختلفة من الشركات من أهمها:
* شركة المفاوضة: هي عقد اتفاق بين اثنين أو أكثر، على أن يشارك كل منهما بحصة من المال وأن يسهم بعمله على أن يقتسما الربح والخسارة بالتساوي ويشترط فيها التساوي في المال والتصرف والتكافل والدين.
* شركة العنان: هي عقد اتفاق بين اثنين أو أكثر، على أن يشارك كل منهما بحصة من المال وأن يسهم بعمله على أن يقتسما الربح والخسارة بحسب ما يتفقا عليه، ولا يشترط التساوي لا في المال ولا في التصرف ولا في الربح ولا في الدين.
* شركة الأعمال: هي عقد اتفاق بين اثنين على أن يتقبلا عملًا من الأعمال على أن تكون أجرة هذا العمل بينهما حسب الاتفاق، فقد يتفق اثنان في صنعة واحدة أو مختلفة على أن يكونا مشاركة في القيام ببعض الأعمال المهنية التي لا تحتاج إلى رأس مال كبير، ويقتسما ما يأتي لهما من دخل من هذه الأعمال حسب ما يتفقان عليه، ويطلق عليها أحيانًا اسم شركة الأبدان أو شركة الصنائع.
* شركة الوجوه: هي عقد اتفاق بين اثنين أو أكثر من رجال الأعمال ممن لهم سمعة طيبة وجاه ملحوظ، ويحسنون تصريف البضاعة، بأن يقوموا بشراء بضاعة بالنسيئة من بعض المنشآت والشركات ونحوها معتمدين في ذلك على سمعتهم وخبرتهم وبيعها بالنقد، ويكون لصاحب البضاعة ثمنها كاملًا دون زيادة أو نقصان بغض النظر عن نتيجة بيعها من مكسب أو خسارة، على أن يقتسموا الربح أو الخسارة فيما بينهم حسب الاتفاق، وهي بذلك لا تتطلب رأس مال حيث تقوم على الذمم (الائتمان)، ولذلك يطلق عليها أحيانًا شركة الذمم أو شركة المفاليس.
* شركة المضاربة: اختلف الفقهاء في التكييف الفقهي لشركة المضاربة فمنهم من يرى أنها من الشركات مثل الحنابلة، ومنهم من لم يعتبرها من الشركات بل هي من قبيل الإجارة.
وهي عقد اتفاق بين اثنين، يدفع الأول للثاني مالًا ليتجر به نظير جزء شائع من الربح، ويطلق على الثاني صاحب العمل أو المضارب (بكسر الراء).
ويقوم الثاني بتشغيل المال ويتصرف فيه تصرف الوكيل، ويقتسمان ما يسوقه الله إليهما من ربح حسب الاتفاق، والخسارة على صاحب المال وبذلك يكون صاحب العمل قد خسر جهده.
ويمكن القول بأن المضاربة شركة من نوع خاص حيث يتوافر فيها أركان عقد الشركة.
تعقيب:
ليس هناك مانع من استحداث نماذج جديدة من الشركات بخلاف ما ورد في التراث الإسلامي ما دامت لا تتعارض مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، ويتوافر في عقودها الأركان والشروط التي وضعها الفقهاء بمعنى أن الشريعة الإسلامية تجيز الشركات المساهمة والشركات القابضة والتابعة والشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، وكذلك شركات الأشخاص والمحاصة مادامت تعمل في الحلال الطيب، وتلتزم في معاملاتها بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.
- خصائص الشركات في الفقه الإسلامي:
تتسم الشركات في الفكر والنظام الإسلامي بمجموعة من الخصائص التي تميزها عن الشركات الوضعية التقليدية المعاصرة من أهمها ما يل:
1- الغاية الأساسية من إنشاء الشركات الحصول على الربح الحلال الطيب وتحقيق النمو والزيادة في رأس المال بهدف تعمير الأرض والإنفاق على الحاجات الأصلية وللإعانة على عبادة الله ـ ، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للأمة الإسلامية.
2- الالتزام بالقيم الأخلاقية الفاضلة وبالسلوك المستقيم في كافة المعاملات والتصرفات، ففي ذلك طاعة لله وعبادة، ومن موجبات تحقيق الأرباح والنمو والزيادة في رؤوس الأموال، فقد قيل: الأخلاق الحسنة تقود إلى نتائج حسنة، والسلوك السوي يقود إلى معاملة سوية.
3- أن يكون نشاط الشركات في مجال الحلال الطيب والذي يحقق النفع والخير للمساهمين والشركاء والعاملين والمجتمع، فلا يستوي الخبيث والطيب حتى ولو كان الخبيث كثيرًا.
4- اختيار الشركاء والمساهمين والمستثمرين والعاملين على أساس الدين والأخلاق والخبرات والمهارات، فهذا مناطق تحقيق الأرباح والزيادة في رؤوس الأموال واستقرار المعاملات، وزيادة البركات.
5- الالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية فيما أجازت وما نهت عنه، ففي ذلك الهدي والاستقامة وسهولة إنجاز الأعمال والمعاملات والعلاج الفعال لكافة المشكلات.
6- إعطاء حق الله في المال ومنه: الزكاة والصدقات وغير ذلك مما أوجبه الشرع، حتى يتحقق النمو والبركة والطهارة.
7- إعطاء حق المجتمع في الأرباح مثل الضرائب والرسوم العادلة التي لا وكس فيها ولا شطط، ولا ظلم ولا ابتزاز ولا يجوز أكل أموال الناس بالباطل أو الاعتداء على حقوق المجتمع.
8- تدوين وتوثيق كافة العقود والعهود والاتفاقيات والمعاملات، تجنبًا للشك والريبة والخلافات.
ونخلص من الخصائص السابقة بأنه يجب على الشركات أداء حق الله في المال المستثمر فيها بمعرفة الشركاء وهو الزكاة، وهذا ما سوف نتناوله في الصفحات التالية:
- أدلة وجوب الزكاة على الشركات:
تستثمر الأموال في الشركات وذلك بجانب الجهد البشري (العمل)، بهدف تحقيق الأرباح والنمو، ولذلك تجب الزكاة في هذه الأموال وفقًا للأدلة الآتية:
* - عموم خضوع الأموال النامية والقابلة للنماء للزكاة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ﴾ [التوبة] ، وقول الرسول ﷺ لسيدنا معاذ بن جبل حين بعثه واليا على اليمن، فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم (البخاري ومسلم)، وتعتبر الأموال المتداولة في الشركات من الأموال النامية فعلا وتقديرا ولذلك تجب فيها الزكاة.
* - لقد أمر رسول الله ﷺ الصحابة بأن يخرجوا الزكاة مما كانوا يعدونه للبيع، ودليل ذلك قوله ﷺ : «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البَزّ صدقته» (رواه البخاري ومسلم والحاكم)، والبَزّ هو ما كان يعده التجار للبيع مثل القماش والمتاع ونحو ذلك، وروى أبو داود عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ : «كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نُعِدّ للبيع» (رواه أبو داود).
* - لقد أجمع الفقهاء من السلف على وجوب الزكاة في الأموال المستثمرة في التجارة وما في حكمها، وأفردوا لها أبوابا في كتب الفقه، فعلى سبيل المثال قال أبو عبيد، حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: «إذا حلت عليك الزكاة فانظر ما كان عندك من نقد أو عرض (بضاعة) للبيع، فَقَوِّمهُ قيمة النقد، وما كان من دين في ملاءة، فاحسبه، ثم اطرح منه ما كان عليك من الدين، ثم زك ما بقى » ( ) .
ويقول الزيلعي: «وفي عروض تجارة بلغت نصاب ورق أو ذهب ربع العشر» ( ) .
ويقول ابن قدامة: «من ملك عَرْضًا للتجارة فحال عليه الحول وهو نصاب، قوّمه في آخر الحول، فما بلغ أخرجه زكاته وهو ربع عشر قيمته، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اعتبار الحول» ( ) .
وخلاصة أقوال الفقهاء من السلف على وجوب الزكاة في الأموال المرصدة للتجارة أما عُروض القُنْية (الأصول الثابتة) غير المعدة للبيع بل للاستعمال والاستخدام في الأنشطة لا تجب الزكاة في قيمتها، أما عروض القنية (الأصول الثابتة) المؤجرة للغير، فيخضع إيجارها للزكاة ويطبق عليها أحكام زكاة المستغلات على النحو الذي سوف نفصله في الفصول التالية.
*- أجمع الفقهاء من الخلف على وجوب الزكاة على الأموال المستثمرة في التجارة والصناعة، يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه فقه الزكاة أن الزكاة واجبة على التجار أفرادا وشركاء لأن: نفس التاجر وماله أحوج من أي ذي مال آخر إلى التزكية والتطهير، وفي هذا روى أبو داود بسنده عن قيس بن غَرَزَة قال: مر بنا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحف، فشوبوه بالصدقة» (رواه أبو داود)، ويؤكد الحديث على حاجة التاجر إلى التطهير الدائم من شوائب التجارة فإذا كان على التاجر من الصدقة المفروضة غير المحدودة، ما يكون كفارة لما يشوب البيع» ( ).
ويقول الدكتور شوقي شحاتة وهو من فقهاء الاقتصاد الإسلامي المتخصصين في الزكاة: فقد أجمع الفقهاء المسلمون أن الزكاة فرض واجب في أموال التجارة، وإنما وجبت الزكاة في العروض وغيرها إذا كانت للتجارة وسقطت عنها إذا كانت لغيرها، لأن العروض إنما عفي منها في السَّنة إذا كانت للاستمتاع والانتفاع بها، ولهذا أسقط المسلمون الزكاة من الإبل والبقر العوامل، وأما أموال التجارة فإنما هي للنماء وطلب الفضل، فهي في هذه الحال تشبه سائمة المواشي التي يطلب نسلها وزيادتها فوجبت فيه الزكاة لذلك إلا أن كل واحدة منهما تزكى على سنتها، فزكاة التجارات على المقيم وزكاة المواشي على الفرائض فاجتمعتا في الأصل على وجوب الزكاة ثم رجعت كل واحدة في الفرع إلى سنتها( ) .
* لقد صدر عن فقهاء الهيئة الشرعية العالمية للزكاة عدة فتاوى تتعلق بزكاة الشركات منها ما صدر عن الندوة السابقة 1997 ما يلي:
أولا- تُربط الزكاة على الشركات المساهمة لكونها شخصًا اعتباريًّا، وذلك في كل من الحالات التالية:
1- صدور نص قانوني مُلزم بتزكية أموالها.
2- أن يتضمن النظام الأساسي ذلك.
3-صدور قرار الجمعية العمومية للشركة بذلك.
4- رضا المساهمين شخصيًا بتوكيل من المساهمين لإدارة الشركة في إخراج زكاتها.
ومستند هذا الاتجاه الأخذ بمبدأ الخُلطة الوارد في السنة النبوية الشريفة بشأن زكاة الأنعام، والذي رأت تعميمه في غيرها بعض المذاهب الفقهية المعتبرة، وأخذ بذلك مؤتمر الزكاة .
والطريق الأفضل أن تَقُومُ الشركة بإخراج الزكاة ضمن الحالات الأربع المذكورة بعاليه، فإن لم تفعل فينبغي للشركة أن تحسب زكاة أموالها ثم تُلحق بميزانيتها السنوية بيانًا بما يجب في حصة السهم الواحد من الزكاة، تسهيلًا على من أراد من المساهمين معرفة مقدار زكاة أسهمه.
ثانيا- تحسب الشركة زكاة أموالها بنفس الطريقة التي يحسبها بها الشخص الطبيعي، فتخرج زكاتها بمقاديرها الشرعية بحسب طبيعة أموالها ونوعيتها سواء أكانت نقودًا، أو أنعامًا (مواشيًا) أو زروعًا، أو عروضًا تجارية، أو غير ذلك.
تعقيب:
تؤكد الأدلة السابقة على وجوب الزكاة على الشركات بصفة عامة مهما تعددت أنواعها وصيغها، وتطبق عليها الأحكام والطرق التي تطبق على الشخص الطبيعي على النحو الذي سوف نتناوله في الفصول التالية.
- الأحكام الفقهية لزكاة الشركات:
لقد أفتى الفقهاء أنه يطبق على زكاة الشركات نفس الأحكام والمبادئ التي تطبق على الشخص الطبيعي والتي تتلخص في الآتي:
أولاً: الزكاة فريضة شرعية: ودليل ذلك من الكتاب قول الله ـ : ﴿ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴾ [التوبة] . والدليل من السنة ما قاله الرسول لسيدنا معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن «.. فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (البخاري ومسلم).
ولقد أجمع فقهاء الإسلام على فرضيتها وقالوا من أنكرها فقد أنكر فريضة شرعية فقد كفر، ومن يُقرّ بها ويمنعها فهو مسلم عاصٍ يجبر على أدائها بواسطة الحكام ودليل ذلك قول الرسول ﷺ : «من أداها مؤتجرا فله أجره، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله..» (رواه أحمد والنسائي وأبو داود). وتأسيسا على ذلك فإن الزكاة فريضة على الشركاء والمساهمين المسلمين على أموالهم المستثمرة في الشركات.
ثانيا: الزكاة ركن من أركان الإسلام، ودليل ذلك من الكتاب قوله الله ﻷ : ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ﴾ [التوبة:11]، والدليل من السنة قول الرسول ﷺ : «بُني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا» (البخاري ومسلم)، وكان رسول الله ﷺ يبايع على من يدخل الإسلام على إيتاء الزكاة، وقال في هذا الخصوص: «إن تمام إسلامكم أن تؤدوا زكاة أموالكم» (رواه البزار). وتأسيسا على ذلك فإن من تمام إسلام الشركاء والمساهمين المسلمين في الشركاء أداء زكاة أموالهم.
ثالثا: الزكاة عبادة مالية: يتقرب بها المسلم المكلف إلى الله ـ طهرة للقلب وتزكية للنفس والمجتمع والمال ، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ﴾ [التوبة:103]. ومن صفات المؤمنين كما ذكرت في القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى: ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [المؤمنون] ، ويقول الرسول ﷺ : «والصدقة برهان» (مسلم) . أي دليل على صدق الإيمان وإقرار بشكر الله على نعمه العديدة، كما أن الزكاة مفروضة على مال المسلم حتى ولو كان غير مكلف بالعبادة ويتولى دفعها عنه الوصي أو الولي من مال غير المكلف، ودليل ذلك قول الرسول ﷺ : «ألا من وليَّ يتيما له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» (الترمذي).
رابعا: الزكاة تنمية للمال: وفي هذا الخصوص يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ [الروم] ، ويقول الرسول ﷺ : «ما نقص مال من صدقة» (رواه أحمد) ، وهذا يؤكد على أن من سبل نماء أموال الشركاء وتحقيق البركة فيها هو إيتاء الزكاة المشروعة.
خامسا: الزكاة حق لمستحقيها: ليست الزكاة مِنَّة أو هِبَةً من الغنى للفقير بل هي حق له، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﴾ [المعارج] ، ويقول الرسول ﷺ لسيدنا معاذ بن جبل حين بعثه واليا على اليمن «... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم » (رواه البخاري ومسلم).
ويرى فقهاء الاقتصاد الإسلامي أن مستحقي الزكاة شركاء في الأموال ونمائها بصفة عامة وهذا حق شرعه الله لهم، وليس هبة أو منّة من الأغنياء عليهم.
سادسا: الزكاة من مسئولية ولي الأمر: من مهام الحاكم في الدولة الإسلامية تحصيل الزكاة من المزكين وإنفاقها في مصارفها الشرعية وفق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، ودليل ذلك من الكتاب قول الله تبارك وتعالى: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾ [الحج:41] ، ويقول الرسول ﷺ : «من أعطاها مؤتجرا فله أجره، ومن منعها فإن آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لمحمد ولا آل محمد منها شيئا » (رواه أحمد والنسائي وغيرهما)، ولقد حارب أبو بكر الصديق ا مانعي الزكاة، وقال: «والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها» (رواه الجماعة إلّا ابن ماجه) .
وتأسيسا على ذلك يجب على الحكومات إصدار قوانين بإلزام الشركات بأداء زكاة الأموال المستثمرة وتقوم بإنفاقها في مصارفها الشرعية.
سابعا: الزكاة حق معلوم في مال معلوم، لقد وضع فقهاء الزكاة مجموعة من الشروط الواجب توافرها في المال الخاضع للزكاة من أهمها ما يلي:
- أن يكون المال مملوكا ملكية تامة للمكلف بأداء الزكاة.
- أن يكون المال ناميا فعلا، أو قابلا للنماء حكما وتقديرا.
- أن يكون المال فائضا عن الحاجات الأصلية للمعيشة دون إسراف.
- أن يكون المال خاليا من الدين الحالّ المستحق.
- أن يمر على ملكية المال حولا كاملا ما عدا زكاة الزروع والثمار والركاز.
- أن يبلغ المال في ميعاد الحول نصابا معينا.
- أن يكون المال حلالا طيبا ، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأن المال الحرام الخبيث يفقد صفة التملك شرعا.
ثامنا: للزكاة مصارف محددة: لم يترك الله ـ أمر توزيع حصيلة الزكاة لا لنبي أو لرسول ولا لحاكم بل تولى ـ أمر توزيعها كما ورد في القرآن الكريم: ﴿ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴾ [التوبة:60] ، ويجب على المسلم أن يتيقن بأن زكاة ماله قد وقعت في يد مستحقيها بالحق.
وهذا يوجب على الشركاء أو من يفوضونه بوضع الزكاة في مصارفها المحددة ، ويجوز إعطائها لمؤسسات أو لصناديق الزكاة المعنية بذلك أو أن يؤسسوا صندوقا خاصا بها.
تاسعا: الزكاة حق الله في المال لا يسقط: ويجب التعجيل في أدائها، وإن مات المسلم وعليه زكاة مستحقة، فلابد أن تسدد قبل توزيع الميراث ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴾ [النساء:11] ، ويقول الرسول ﷺ : «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن).
وتأسيسا على ذلك لا تتقادم الزكاة مهما طال الأمد ويجب على المسلم التعجيل بأدائها، ولضمان ذلك يجب توثيقها وتسجيلها في الدفاتر والسجلات لضمان الالتزام بأدائها.
عاشرًا: للزكاة نية عند إخراجها، لأنها عبادة، وتتحقق النية بإخراجها إلى مستحقها حسب المصارف الثمانية، أو عند إعطائها لمؤسسات وهيئات ولجان وصناديق الزكاة التي تتولى توزيعها في مصارفها الشرعية، وفي مجال الشركات قد تؤيد هذه النية بالقرارات التي يصدرها الشركاء بإخراج الزكاة.
- المعايير الشرعية لحساب زكاة الشركات:
بالإضافة إلى الأحكام الفقهية العامة السابقة هناك بعض المعايير الشرعية والتي لها علاقة مباشرة بالجوانب المحاسبية للزكاة من أهمها ما يلي:
* خَلْطُ أموال الشركاء: ويقصد بها أن يعامل المال المملوك لاثنين أو أكثر من الشركاء معاملة المال الواحد بسبب الاتحاد في الأوصاف والظروف، وتأسيسا على ذلك ينظر إلى أموال الشركاء كأنها مال واحد وذلك من حيث: الحول والوعاء والنصاب والنسبة والمقدار، ودليل ذلك من قول الفقهاء أنه لا يجوز التفرقة بين مجتمع ولا الجمع بين متفرق في المخالطة لأغراض حساب الزكاة، بمعنى أن الخليطين يجمع مالهما في الصدقة.
وعندما يحسب القدر الواجب على الشركة كشخصية معنوية مستقلة، يُحسب نصيب كل شريك منه حسب مقدار حصته في رأس المال ويقوم هو بنفسه بأدائه أو يفوض إدارة الشركة بذلك حسب الأحوال.
* ضم الأموال الزكوية: ويقصد به أن تضم الأموال الزكوية إلى بعضها البعض، مثل ضم البضاعة إلى الديون على الغير وإلى النقد وما في حكم ذلك، ويمثل الجميع الأموال الزكوية ولا ينظر إلى تغيرها خلال الحول، فالعبرة بقيمتها في نهايته.
* تبعية النماء للأصل: ويقصد بذلك أن ما يتولد من أنشطة الشركة المختلفة من زيادة أو تكاثر أو توالد أو ما في حكم ذلك من أنواع النماء يضاف إلى المال الأصلي المرصد للتجارة والاستثمار، وينظر إلى الجميع على أنه من الأموال الزكوية والذي يمثل وحدة واحدة.
* الشخصية الاعتبارية للشركة: ويقصد بذلك أن للشركة كوحدة اقتصادية شخصية اعتبارية مستقلة عن مالكيها، فتحسب الزكاة على الشركة باعتبارها وحدة مالية، ثم بعد ذلك توزع على الشركاء حسب حصة كل منهم في رأس المال بصفتهم الطبيعية الشخصية باعتبار أن الزكاة عبادة تخص الشركاء.
* تحميل عبء الزكاة على الشركاء المسلمين: ويقصد بذلك أن الذي يتحمل الزكاة هو الشريك أو المساهم في الشركة في ضوء ما يتملك في رأس المال، وأن مسئولية الشركة تنحصر في حسابها له وإخباره بها، وقد يفوضها في أدائها عنه، وتعالج على أنها من مسحوباته التي تسجل في حسابه الجاري.
أما غير المسلمين من الشركاء والمساهمين فليس عليهم زكاة، وقد يخضعون للضرائب حسب نظام كل دولة على حدة، وفي هذه الحالة يجب على إدارة الشركة أن تخبر الجهات الحكومية المعنية بالضرائب بإقرار عن مقدار الضرائب الواجبة عليهم.


* * *