إن إصدار البنك المركزي المصري مؤخرًا لمسودة دليل حوكمة الشركات للبنوك يعد خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وعلى البنوك ومجالس إداراتها أن تولي اهتمامًا أكبر بالخطوط الإرشادية لحوكمة الشركات.
كان إصدار البنك المركزي المصري مؤخرًا لمسودة دليل حوكمة الشركات للبنوك، خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وعلى البنوك ومجالس إداراتها أن تولي اهتمامًا أكبر بالخطوط الإرشادية لحوكمة الشركات.
من أجل رعاية العنصر المستقل داخل مجلس الإدارة، ينبغي على البنوك أن تفكر في جعل نسبة المديرين المستقلين في المجلس نسبة يعتد بها، بحيث لا تقل عن ثلاثة مديرين غير تنفيذيين مستقلين.
إذا لم يستطع البنك أن يؤثر بشكل مباشر في ممارسات الحوكمة لدى المقترضين منه، فقد يكون له تأثير مهم عن طريق "ضرب المثل بنفسه".
بعد الأزمة التي شهدتها البنوك في 2008، أصبح السؤال: كيف تستطيع البنوك حماية نفسها من حالات فشل مشابهة في المستقبل؟ مثار اهتمام واضعي الضوابط المصرفية، وخبراء البنوك، والإعلام الاقتصادي. وقد برزت الحاجة إلى شفافية أفضل كأحد الحلول المهمة لتقليص فرص تكرار أزمة الائتمان، خاصةً فيما يتعلق بالمكافآت في قطاع البنوك، والكيفية التي تتمكن عن طريقها مجالس إدارات البنوك من تحسين ممارسات حوكمة الشركات التي تتبعها.
وقد كان إصدار البنك المركزي المصري مؤخرًا لمسودة دليل حوكمة الشركات للبنوك، خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وعلى البنوك ومجالس إداراتها أن تولي اهتمامًا أكبر بالخطوط الإرشادية لحوكمة الشركات.
وبرغم أن هناك العديد من النصائح والتوصيات المتعلقة بالحوكمة الرشيدة، المتاحة أمام مجالس إدارات البنوك، فإنني أعتبر "الوصايا العشر" التالية محوريةً على طريق إرساء نظام حوكمة رصين.


1. ضبط الأمور في القمة
ينبغي أن تشتمل الاهتمامات الرئيسية لمجلس الإدارة على توجيه الأهداف الإستراتيجية للبنك وقيمه وسياساته، فضلاً عن إقرارها ومراقبة تنفيذها. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق وضع ميثاق شرف للعاملين في البنك، والإدارة، وأعضاء مجلس الإدارة. وبالمثل، يتعين على مجلس الإدارة أن يحدد بوضوح مجالات المسؤولية، ومستويات السلطة، ومسارات رفع التقارير داخل البنك.


2. التأكد من تمتع أعضاء مجلس الإدارة بالمؤهلات المناسبة
ينبغي أن يضم المجلس المعارف والخبرات المناسبة لكل نشاط من الأنشطة المالية التي ينتوي البنك العمل فيها، من أجل توفير حوكمة فعالة ومتابعة لأنشطة البنك.
لضمان تمتع المديرين غير التنفيذيين بالدراية والفهم اللازمين للأعمال، يتعين على مجلس الإدارة أن يوفر لهم دورات توعية حول موضوعات محددة، وبشكل منتظم، كما ينبغي أن يُصمم لكل مدير على حدة دورات التدريب والتطوير المناسبة له، على أن تتم مراجعتها سنويًّا مع رئيس مجلس الإدارة. كما ينبغي كذلك وضع الترتيبات المناسبة للأعضاء التنفيذيين بالمجلس لرفع وعيهم بالمجالات التي لا تدخل تحت مسؤولياتهم المباشرة.
كما نشجع المديرين غير التنفيذيين على قضاء أوقات أطول في مجال الأعمال، وذلك لضمان فاعلية مشاركتهم في وضع الاستراتيجيات والقرارات التي يتخذها المجلس.


3. تعيين مديرين غير تنفيذيين مستقلين
من أجل رعاية العنصر المستقل داخل المجلس، ينبغي على البنوك أن تفكر في جعل نسبة المديرين المستقلين في المجلس نسبة يعتد بها، بحيث لا تقل عن ثلاثة مديرين غير تنفيذيين مستقلين. ويمكن للبنوك الأكبر أن توجد بها نسبة أكبر من المديرين غير التنفيذيين.
ينبغي أن يكون لدى المديرين غير التنفيذيين إمكانية تخصيص وقتٍ كافٍ لهذا العمل؛ من أجل تقييم المخاطر وطرح الأسئلة الصعبة حول الإستراتيجية.
في المملكة المتحدة، هناك توصيات بأن تعيِّن البنوك كبير مديرين مستقل، يتمثل دوره في تواصل مجلس الإدارة برئيس المجلس، ولعب دور الوسيط الموثوق به للمديرين غير التنفيذيين، عند الضرورة.


4. إرساء نظام حوكمة مخاطر بالمجلس
يجب أن يشكل البنك لجنة مخاطر داخل مجلس إدارته، لتعمل جنبًا إلى جنب مع لجنة المراجعة القائمة. وينبغي أن تركز لجنة المخاطر على استراتيجيات وإدارة المخاطر، متحللةً من أي تضارب مع المتطلبات التي تضطلع بها لجنة المراجعة. وتقوم لجنة المخاطر برفع تقارير منتظمة (ضمن التقرير السنوي) حول إستراتيجية وإدارة المخاطر. وللجنة المخاطر الحق في طلب المشورة الخارجية لاختبار افتراضات إدارتها للمخاطر، خاصةً فيما يتعلق بالمخاطر المرتبطة بالمعاملات البنكية الكبيرة.
ونظرًا لأهمية وجود إدارة مخاطر مستقلة، يجب أن يعين البنك مسؤولَ مخاطر رئيسيًّا، يتمتع بما يلزم من سلطات ومكانة واستقلالية وموارد ونفاذ إلى المجلس. وينبغي أن يرفع هذا المسؤول التنفيذي تقاريره إلى لجنة المخاطر، وكذلك إلى رئيس البنك. وينبغي أن يخضع الاستغناء عن مسؤول المخاطر الرئيسي لقرار المجلس وللإفصاح عنه علانية.


5. توسيع نطاق اختصاصات لجنة المكافآت
ينبغي أن يتسع نطاق اختصاصات لجنة المكافآت ليغطي كل جوانب سياسة المكافآت على مستوى البنك بأسره، مع التركيز -بوجه خاص- على بعد المخاطر. ويقع ضمن مسئولية لجنة المكافآت مراجعة فلسفة المكافآت وبرامج المكافآت الكبرى.
ومن أجل تقليص ما يُلاحظ من مجازفة زائدة داخل البنوك، يُنتظر من هذه اللجنة أيضًا أن تعتمد الربط بين أهداف الأداء وخطط الأجور أو المكافآت. كذلك ينبغي أن يتم دفع ما لا يقل عن نصف المكافآت على شكل برامج حوافز طويلة الأجل.


6. تطوير حوكمة تكنولوجيا المعلومات
توفر حوكمة تكنولوجيا المعلومات البنية التي تربط بين عمليات تكنولوجيا المعلومات، والموارد، والمعلومات من جانب، واستراتيجيات البنك وأهدافه من جانب آخر، فضلاً عن تحسين عملية اتخاذ القرار على مستوى مجلس الإدارة، وإيجاد نطاق أوسع من الشفافية والمساءلة. كذلك تكفل حوكمة تكنولوجيا المعلومات إمكانية تحديد المخاطر المرتبطة بشكل صحيح وإدارتها. ويتعين على مجلس الإدارة اعتماد نفقات تكنولوجيا المعلومات وتوفير المراقبة المناسبة لكل جوانب حوكمة تكنولوجيا المعلومات، بما في ذلك المشتريات، والاستعانة بمصادر خارجية، وكفاءة النظم والإجراءات، وأمن تكنولوجيا المعلومات، وحماية بيانات العملاء، وملاءمة أنظمة مكافحة الغش وغسيل الأموال.


7. تحسين الفاعلية من خلال تقييم مجلس الإدارة
يجب أن يخضع المجلس ولجانه إلى عملية تقييم أداء رسمية وصارمة، مع الاستعانة بعنصر خارجي لتيسير لتلك العملية، كل ثلاث سنوات. وينبغي أن يتم إدراج بيان التقييم في قسم مستقل ضمن بيان رئيس المجلس، أو ضمن التقرير السنوي الذي يوقع عليه رئيس المجلس. إذا ما تمت الاستعانة بعنصر خارجي، يجب ذكر اسمه في البيان، وكذلك أي معلومات عنه قد تكون مهمة بالنسبة للمساهمين.


8. إدارة تضارب المصالح على نحو فعال
يجب أن ينشئ البنك حواجز معلوماتية (جدران صينية) بين مختلف الإدارات، حتى يتخذ العاملون في كل إدارة القرارات دون دراية بالمعلومات السرية المتاحة للعاملين في الإدارات الأخرى، والتي قد تؤثر على قراراتهم. كما ينبغي الإفصاح لمسئول الالتزام بالمعايير في البنك عن أي تضارب مصالح لأعضاء المجلس أو كبار التنفيذيين. ومن الممارسات الرشيدة في حوكمة الشركات أن يضع البنك سياسة لتضارب المصالح مع الإفصاح عنها.


9. رصد حوكمة عملاء البنك
من المهم للبنك أن يطبق عملاؤه مبادئ الحوكمة الرشيدة. وقد يكون من مصلحة البنك أن يتفقد إطار الحوكمة وممارساتها لدى الشركات التي تقترض منه. وحتى في الظروف التي لا يستطيع فيها البنك أن يؤثر بشكل مباشر في ممارسات الحوكمة لدى المقترضين منه، فقد يكون له تأثير مهم عن طريق "ضرب المثل بنفسه".


10. تتبع مواطن الفشل المحتملة في الحوكمة
ينبغي أن تكون لدى البنك سياسة تُفَصِّل الإجراءات المناسبة التي يستطيع الموظف اتباعها إذا ما ساوره قلق من استقامة عمليات البنك أو موظفيه (ما يسمى بسياسة الإبلاغ عن المخالفات). فينبغي أن تتوفر للموظف إمكانية الإبلاغ عن شكوكه مع توفير حماية له من أي رد فعل انتقامي من الإدارة. ويجب أن توفر تلك السياسة تدفقًا سلسًا للاتصال السري المباشر أو غير المباشر مع المجلس (أو لجنة المراجعة) خارج نطاق "التسلسل القيادي" الداخلي. فمن شأن إيجاد قنوات تواصل مناسبة أن يتيح للعاملين بالبنك إمكانية مناقشة ما يتشككون فيه، في إطار من السرية، ودون خشية رد الفعل الانتقامي.


الخلاصة
لقد أصبحت الحوكمة الرشيدة للشركات –في الآونة الأخيرة- تمثل أهمية حاسمة للبنوك في ظل تعقد البيئة المصرفية وديناميكيتها، من أجل ضمان الاستدامة على المدى الطويل، والحفاظ على ثقة الأطراف المعنية وأصحاب المصلحة، بمن فيهم واضعو الضوابط، والمستثمرون، والعملاء، والموظفون. لذلك ينبغي تشجيع الحوكمة الرشيدة وممارستها بشكل منتظم داخل البنوك على مستويي مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية على حد سواء. ويجب ألا ننسى أن الحوكمة الرشيدة مثل العضلة في جسم الإنسان، إن لم تُستخدم ستضمر.
هاني أبو الفتوح: رئيس العاملين وسكرتير مجلس إدارة المجموعة، سي آي كابيتال القابضة –ذراع الاستثمار المصرفي للبنك التجاري الدولي، أكبر بنوك القطاع الخاص في مصر. ويقدم أبو الفتوح النصائح والتوجيهات للمجلس وللإدارة فيما يتعلق بممارسات حوكمة الشركات، ويتولى صياغة سياسات المؤسسة.
يعد هاني أبو الفتوح من كبار الخبراء في غسيل الأموال والسيطرة على تمويل الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ وهو مؤسس منتدى مسئولي الالتزام بالمعايير بالشرق الأوسط، وقد لقي الكثير من التقدير على نشاطه في الترويج لثقافة الالتزام بالمعايير والوعي بها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويقوم بكتابة المقالات في صحف مختلفة حول طائفة متنوعة من الموضوعات؛ فضلاً عن كونه خطيباً، ومدرباً محترفاً. وكان قد تقلد في السابق عدة مناصب قيادية في بنوك رائدة في مصر وفي دول مجلس التعاون الخليجي، من بينها إتش إس بي سي، وبنك عُمان الدولي، والبنك السعودي الفرنسي. وهو، علاوة على ذلك، عضو معتمد في جمعية متخصصي مكافحة غسيل الأموال المعتمدين، ومدير معتمد من مركز المديرين المصري.