الفصل التمهيدي :

المراقبة و المراجعة



تـــــمهيـــد:

إن مسئولـي المؤسسة ينشغلون دوما في التـحكم أكثر في العمليات التي هم بصدد إدارتها و تسييرها. و عليه، وُضعت أنظمة المراقبة الداخلية لاستبيـان و اكتشاف، في الوقت الـمناسب، كل الأخطـاء و الانحرافات، مقارنة بالأهداف المسطرة للمؤسسة، و التخفيض بذلك من المخاطر.
إن هذه الأنظمة تسمح للمسؤولين بالتحكم في التطورات المستمرة للمحيط الاقتصـادي؛ الـمنافسة؛ احتياجات و أولويات الزبائن، كما تسمح باتخاذ القرار اللازم لتحسين و تطوير النشاط فتساهم بذلك في رفع من الفعالية ؛ حماية الأصول؛ ضمان صحة ودقة الحالة الـمالية ؛ الالتزام بالقوانين المعمـول بها في المؤسسة.
وككل الأنظمة فإن نظـام المراقبة الداخلية يـحتاج إلى تقييم وضمان السير الحسن للإجراءات ومتابعة العمليات و التدقيق فيها. ويقتضي ذلك، وجود مصلحة، خاصة و مستقلة، تدعـى بالمراجعة والتدقيق، تتكفل بالتقييـم و إعادة النظر و الفحص و التحقيق في كل أنظمة التسيير و المعلومات داخل المؤسسة.

و من هذا المنطلق، فـلابد من إعطاء أكثر تفـاصيل حول مفهوم كل من المراقبة الداخلية و المراجعـة و العلاقة بينهما .


.I نــظــــام الــــمـــراقــبـــة الــــداخلــيــة في الــــمـــؤسســة :

1.Iتـــعــــريـــف الــــمراقبة الــــداخلية :

إن المقصود بالمراقبة الداخلية في المؤسسة هو تـحديد السلوك العام للتسيير الذي يسعى إلى احـترام صارم للإجراءات و القوانين، كما أنها تعتبر مصدر كل من الثقة و الآمـان في المؤسسة.
فبصفة عامة تـهدف المراقبة الـداخلية :"إلى إدراك و كشف بطـريقة عملية وسـريعة الأخطـاء و الانـحرافات، كما أنها تتأكد من أن الجرد و التسجيل مطابقان للحقيقة و للـقواعد الخـاصة بالمؤسسة ".¹

هذا و يمكن إدراج ضمن مفاهيم المراقبة الداخلية ، التعاريف المقترحة التالية :


1.1.I الـــتعــــريف الأمـــريـــكي : American Institute of Certified Public Accountants

" الـمراقبة الداخلية تشمل مخططات التنظيم و الأساليب و الإجراءات الـمطبقة داخل الـــمؤسسة لحماية أصولـها، وضمان دقة وصحة المعلومات الـمالية والمحاسبية، و ذلك لـرفع من مردودية العمليات وكذا تطبيق السياسات المحددة من الإدارة ".

2.1.I تـــعـــريف الجـــمـعــية الــبريــطانــية (1978 )Consultative Committee of Accountancy

" المراقبة الداخلية تشمل كل من نظم المراقبة والمالية وغيرها، التي تـضعها إدارة المؤسسة، بهدف تسيير مختلف العمليات بصفة مــنظمة وفعّـالة ؛ ضمان احترام سياسات التسيير وحـفـظ الأصول ؛ وضمان أكـبر مقدار مـمكن من الدقة و الصحة للمعلومات المسجلة. "

فعموما، المراقبة الداخلية هو إجـراء تضعه الإدارة العـامة، بالمشاركة مع المسؤولين و عمال المؤسسة، بهـدف ضمان تأمين كافٍ ومعقول -Une Assurance Raisonnable - فيما يخص تحقيق الأهداف المسطرة و التي يمكن تصنيفها كالتـالي:

§ تحقيق أمثـل للعمليات ( الكفاءات؛ المردودية؛ حماية الأصول؛ الخ … ).
§ صحة و دقة المعلومات الـمالية ( الجداول و الحالة الـمالية؛ الجرد؛ النتائج الوسطية؛ الخ... ).
§ التزام و تطبيق القوانين و القواعد المعتمدة بالمؤسسة ( القوانين العامة و الخاصة؛ الاحتياجات؛ القرارات؛ السياسات؛ الخ…).

2.I عنــاصـر الـــمــراقـبــة الـــداخلــيـــة :


يتكون نظام الـمراقبة الداخلية من خمسة عنـاصر مترابطة و متبادلـة فيما بينها، تختلف مكوناتـها حسب نوعية النشاط و العمليات، و تندرج ضمن التسيير الفعلي للمـؤسسة: ¹



1.2.I مـحيط الـمراقبة ـ Environnement du Contrôle

يُعتبر محيط المراقبة عنصر ضروري في ثـقافة المؤسسة، إذ أنه يحدد درجة وعي و إدراك الأفراد بـمدى أهمية نظـام المراقبة الداخلية داخل المؤسسة. فالمحيط يسـاعد على تأسيس العنـاصر الأخرى للمراقبة الداخلية عن طريق فرض سلوك و تنظيم ملائمين.
و يمكن حصر العوامل التي تُؤثر على محيط المراقبة في كل من : سلوك و كفاءة الموظفين؛ فلسفة المسؤولين و طريقة التسيير؛ سياسة تفويض المسؤوليات؛ التنظيم و التكوين؛ الاهتمام الذي تبـادره الإدارة العامة و كذا قدرتـها في تحديد أهداف واضحة.

2.2.I تـقييـم الأخطار ـ Evaluation des Risques

فغالبا ما تواجه المؤسسات مـجموعة من الأخطار والتي ينبغي تقييمها، لكن قبل ذلك لابد من وجود أهداف منسجمة وملائمة للقواعد الأساسية للمؤسسة، إذ أن تقييـم الأخطار يستلزم تعيين و تـحليل العوامل التي يمكن أن تُؤثر سلبًا على تحقيق هذه الأهداف. بمعنى آخر، يسمح التقييم بتحديد كيفية تسيير المخاطر و التحكم فيها.
فنظرا للتطورات المستمرة للمحيط الاقتصادي (الجزئي و الكلي ) ومحتوى القوانين و شروط الاستغلال، فمن الضروري الاستعانة بتقنيات تسمح بالتحكم في المخاطر المرتبطة بالتغيرات.

3.2.I أنشطة الـمراقبة ـ Activités de Contrôle

يمكن تحديد أنشطة المراقبة في تطبيق المعايير و الإجراءات التي تسـاهم في ضمان توجيه سليم لعمليات التسيير، فهي تسمح بالتـأكد من أن كل التـدابير و الوسائل الضرورية قد اِتُـخِذَتْ قصد التحكم في الأخطار التي تعرقل تحقيق أهداف المؤسسة.
وتُنفذ المراقبات في جميع المستويات الإدارية و العملية للمؤسسة،كما أنها تتنوع و تتعدد حسب الظروف
و التغيرات، لكن معظمها تتمثل في : المصادقة؛ التأكد من المطابقة؛ تقييم الكفاءات؛ توزيع الـمهام؛ تقدير نتائج العمليات وحماية الأصول، وغيرها من المراقبات التي تضمن التحكم و السير الحسن.






4.2.I الإعلام و الاتصال ـ Information et Communication

إن المطلوب من المعلومات هو أن تُحدد و تُجمع و تُعرض في الشكل و الـوقت الـمناسبان لها،حيث تسمح لكـل الجهـات المختصة أن تتحمل مسؤوليـاتها. من جهة أخـرى، فإن نظـام المعلومـات في المؤسسة يُـنتج هو الآخر معطيات تسمح بتسيير و مراقبة الأنشطة كالـمعطيات الـمالية والعملية و تلك الخاصة باحترام القوانين والقواعد المعتمدة.
فنظام المعلومات يعالج كل: المعطيات المنتجة داخل المؤسسة و خارج المؤسسة (السوق؛ الاقتصاد العام؛ الخ… )، فهي تعتبر كلها معطيات ضرورية في اتـخاذ القرار الملائم و المناسب لكل الأوضاع.

فعلى المسير أن يُـبلِّغ رسالة واضحة، لكل الموظفين و أفراد المؤسسة، في مدى أهمية و مسؤولـية كل واحد منهم في المراقبة الداخلية. فالـمُنتظر من الأفراد هو إدراك و فهم الدور الذي يلعبـه كل واحد منهم في المراقبة الداخلية و كذا علاقة نشاطه بأنشطة باقي الأفراد في المؤسسة.
فبهذه الطريقة، يمكن المساهمة في تحديد و استبيـان المعلومـات الأكثر أهمية . فضلا عن ذلك، ضرورة وجود اتصال فعّـال مع الغير كالزبائن؛ الموردين؛ المساهمين؛ الخ….

5.2.I الـقيـادة ـ Pilotage

إن أنظمة المراقبة الداخلية تحتاج هي الأخرى إلى مراقبة، بهدف تقييم في الوقت المناسب فعالية النظام، لذلك لابد أن تضع المؤسسة نظاما للقيادة و إجراء تدخلات دورية للفحص و التقييم (المراجعة).

غير أنه في الحقيقة، يأخذ تقييـم المراقبة الداخلية شكلا ذاتيا ( Auto-Contrôle ).فكل فرد مسؤول عن عملية معينة داخل المؤسسة، فهو يُدرك مخاطرها وأهدافها، فيمكنه بذلك تحديد درجة الفعالية و الإبلاغ عن المعلومات المهمة للإدارة العامة، التي ستجمع بدورها من كل المصالح و الوظائف المعلومات اللازمة لاتـخاذ القرار السليم.

لكن رغم نـجاعة هذا التقييم فإنه من الصعب تحقيقه، لذلك أُنشِئت مصلحة خاصة بـمراجعة نظام المراقبة الداخلية و تقييمه. كما قد تـخضع المؤسسة إلى مراجعة خـارجية للتدقيق في صحة و صدق المعلومات المالية فيها. وتبقى، في الأخير، مجهودات كلا الطرفين ( المراجعة الداخلية و الخارجية ) يمكنها أن تشارك في تقييم صحيح و مُجدي يفيد المسير في اتـخاذ القرار.

وفي الأخير وعلى سبيل التوضيح، يمكن استبيان عناصر المراقبة الداخلية في الشكل الهرمي كالتـالي :
















p المخطط رقم -1- : عنــاصر الـمراقبة الــداخلية i ¹

I.3. أهــداف الـــمــراقــبــة الــداخـليـة :

لكل مؤسسة أهداف و استراتيجيات خاصة تصبوا لتحقيقها، رغم ذلك ، هناك أهداف مشتركة وغالبا ما نجدها في جميع المؤسسات ، ويمكن حصر و تصنيف هذه الأهداف إلى ثلاث فـئات أساسية : ²

*أ) العملية - Opérationnels : ونعني بـها الاستغلال الأمثل للموارد و الطاقـات.
*ب) المعلومات الماليةInformations Financières - : ونعني بها صحة الحالة والقوائم المالية المنشورة.
*ج) الـمطابقة – Conformité : بمعنى مطابقة و احترام جميع العمليات للقوانين المعتمدة.

و من خلال هذا التصنيف، يمكن للمراقبة الداخلية أن تُأمن، بدرجة معقولة، تحقيق الأهداف الـمتعلقة بصحة الحالة الـمالية و المعلومات بصفة عامة. كما يمكنها أن تتـأكد من تطابق والتزام كل العمليات بالـقوانين و الإجراءات المعمول بها في المؤسسة.
أما عن الأهداف المتعلقة بالعمليات ،كتحديد مردوديـة الاستثمارات أو حصة السوق أو بعث منتوج جديد الخ…، فالـمراقبة الداخلية ليست مسؤولة عن عدم اتـخاذ القرار السليم أو إخفاق السياسات
المسطرة. لكنها تضمن إلى حد كاف وجود المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب،لتسهيل عمل المسير و الإدارة العامة في تـحقيق الأهداف. و بهذا الصدد يقـول SAWYER : " إن تـحديد وضعية غير مرضية هي من مهام المراقبة أما تصحيحها فهي من مسؤولية الإدارة و المسيرين." ¹
و بناءا على ذلك، فالمراقبة الداخلية تساعد المؤسسة على تـحقيق الفعالية عن طريق التحكم و التنبـؤ بالأخطار المحيطة بها. كما أنـها تساهم في ضمان صحة المعلومات الـمالية، حمـاية الأصول و احترام القانون، أي بمعنى آخر، رفع من مصداقية و ثقة المؤسسة في نفسها وأمام الغير.

لكن من جهة أخرى، ليس المطلوب من نظـام المراقبة الداخلية البحث عن الحلول المثلى أو التدخل في اختيارات المسير ؛ التخطيط للسياسات و الإستراتيجيات؛ مواجهة المنافسة، فكلها تستـدل بالمعلومات التي يضمن صحـتها – إلى حد معين- نظـام المراقبة الداخلية .

إلاّ أنه، قد تـحتوي المراقبة الداخلية على أخطاء و انحرافات، سواء نتيجة تواطـؤ الأفراد فيما بينهم Collusion - - أو وجود خطأ معين في التنفيذ أو قد يكون ناتج عن نقص في إدراك و فهم جيد للنظام، مما يؤدي إلى عدم القدرة على التكيف معه.
فالـهيئة الحقيقية و التطبيقية للمراقبة الداخلية داخل المؤسسة، لابد أن تسمح لكل فـرد منها أن يجيب على الأسئلة التقليدية الـمستعملة في التحليل وهي : من؟ يقوم بـماذا ؟ متى ؟ وكيف؟ فأي عجز عن الإجابة لأسئلة التحليل في المراقبة الداخلية يعتبر بـحد ذاته نقطة ضعف للمراقبة الداخلية.²

ومن خلال هذه الاعتبارات، لابـد من إعادة النظر و تقييم مدقـق في نظام المراقبة الداخلية. فعلى هذا الأساس تضع الإدارة العامة هيئة خاصة، مكلفة بالإعلام عن الأخطاء أو الخسـائر التي قد تحدث نتيجة عدم التحكم و السيطرة ( عجز المراقبة الداخلية ) ، وتتمثل هذه الهيئة فيما يسمى "بالمراجعة الداخلية ".

و كخلاصة القول، فان المراقبة هي الحصول على كل المعطيات التي تسمح بالمحافظة على التحكـم في كل الأوضاع، مهما كانت الميادين، أما المراجعة فهي تقييم درجة هذا التحكم.
فالمؤسسة بـمجملها : الأنظمة؛ التنظيمات؛ الوظائف و العمليات؛ الأصول و الخصوم، كلها لابد أن تكون تحت مراقبة داخلية ومن ثـم تخضع بالضرورة إلى المراجعة.
II . الــــمراجــعــة في الــــمـــؤسســــة :

II . .1 أصـــل الـــمـــراجــعـــة:

II .1.1 الـمراجعة في الولايـــات الـمتحدة الأمــريــكية :

خلال الفترة ما بين 1920 - 1880 ، كان تطور المؤسسات يستلزم مشاركة أجنبية معتبرة ( شركاء ) و أدى ذلك إلى خلق منظمة للخبراء في المحاسبة. وفي سنة 1900، أصبحت البنوك تطالب المؤسسات بالتحقيق و التصديق في حساباتـها.
أما الفترة ما بين 1940 - 1930 ، أي بعد الأزمة الاقتصادية العالمية 1929 ، تضاعفت وسائل المراقبة. فقد أقامت بورصة نيورك-New York- لجنة خاصة بالسوق الـمالية تدعى بـ:
- Securities And Exchange Commission : Act 1934 - والتي ألزمت كل مؤسسة، عضـو في البورصة، أن تتأكد وتتحقق من حساباتها عند خبراء خارجيين، وذلك، بهدف حماية مصالح المساهمين و الأطراف الأخرى.¹
في عام 1939، ظهرت فضيحة Mc Kesson and Robbins، نتيجة توزيع مزور و خاطئ للميزانيـة المالية، مما أدى إلى نشر وثيقة خاصة تعرض بالتفصيل إجراءات المراجعة .Les Procedures d΄audit-²

وهكذا فقد ساهمت الأزمات و الفضائح المالية في ترسيخ مفهوم و ضرورة المراجعة في المؤسسـات الاقتصادية. و على إثر ذلك، توسع مفهوم المراجعة كما تحددت تدريـجيا المبادئ و التقنيات، التي ساهمت و بقسط كبير في تـحسين ورفع درجة التحقق و التأكد من نوعية المعلومات في المؤسسات و المنظمات.
أما عن ظهور المراجعة الداخلية فكان في سنة 1941، من خلال إنشاء في الولايات المتحدة الأمريكية مجمع المراجعين الداخليين - ( I.I.A) Institute of Internal Auditors.³ ولقد ارتبط ظـهور المراجعة الداخلية بـما يلي:

§ حجم المؤسسات و توسعها الجغرافي : فالإدارة أصبحت توظف الملايين من الأفراد و تـملك وكالات و مراكز متباعدة فيما بينها . وأمام هذه الوضعية، وجدت المؤسسة نفسها غير قادرة على
المراقبة و ضمان تطبيق تعليماتها ، و هي بذلك أصبحت معرضة للاحتيال و التزويـر في المعلومات.
§ ونظرا للوضعية السابقة، لجأت الإدارة إلى مضاعفة تدخلات المراجعين الخارجيين، مـما أدى إلى زيادة تكاليف تحقيقات المراجعة.

وعليه، و بهدف رفع من الفعالية و تـحسين وضعية المؤسسة وكذا التخفيض من تكاليف تدخلات الخبراء، قررت إدارة الـمؤسسة تشكيل مجموعة من المراجعين داخـل المؤسسة، تعمل بصفة دائمة و مستمرة، كما أنها تقوم بجزء معتبر من مهام المراجعة الخارجية، فتساعد أكثر المؤسسة في الكشف عن اختلال أنظمتها الداخليـة.

II . 2.1 الـمراجـعـة في الـجـزائـر :

إن المكانة و الأهمية المعطاة للمراقبة في الجزائر حديثة ، إذ أنه مؤخرا ، توجه إصلاح الاقتصاد الوطني إلى التحقق من المعلومات المستعملة و المقدمة من المؤسسات، و ذلك عن طريق الالتزام بـخدمات المراجع و محافظ الحسابات الذي يصادق على صحة هذه المعلومات.
هذا وقد ظهرت موجة استقلالية المؤسسات، بهدف دخولها إلى اقتصاد السوق أين تكثر فيه الـمنافسة، فتصبح المعلومة الصحيحة ثـمينة وضرورية للاستمرار و البقاء.

فمن الملاحظ،أن هناك شعور أكبر باليقظة نحو تحسين نظام المعلومات المستخدم في المؤسسات الجزائرية. و التي بدأت وضعيتها تتحسن تدريـجيا ،لكن تبقى نسبية فهي لازالت في بداية المشوار، نحو المصداقية التامة للمعلومة.¹
و المراقبة الملائمة تستند على تقنيات خاصة، يتم تطبيقها في ظروف أو على أرضية مهيأة مسبقا بشكل يسهل عمل المراجع ( و سيتضح ذلك عند شرح منهجية المراجعة ).

II ..2 تــعــريــف الـــمــراجـعــــة :

المراجعة هي البحث و التحقيق بهدف تقييم الإجراءات الـمحاسبية و الإدارية و غيرها، السارية داخل
المؤسسة، وذلك لتقديـم ضمانات لكل من المسيرين؛ الشركاء؛ النقابة؛ البنوك؛ الهيئات العمومية؛الخ...، حول صحة و مصداقية المعلومات الموضوعة تـحت تصرفهم والتي تـمثل واقع المؤسسة.

وقد تـم نشر تعريف للمراجعة سنة 1977، من طرف الاتـحاد الأوروبي لخبراء الاقتصاد و المحاسبة - Union Européennes des Experts Economiques et Comptables -U.E.C - و المتمثل في : " أن هدف المراجعة للحالة الــمــالية هو التعبير عن رأي إذا ما كانـت هذه الحـالــة و النتــائــج الـمـاليــة لآخر السنة تعطي صورة صادقة و حقيقية عن أعمال المؤسسة. مع التـــأكــد من تطبيق الإجراءات و الــقوانين المعتمدة في الـمؤسسة. "

و من الملاحظ، أن هذا التعريف يـخص أكثر المراجعة الـمالية و المحاسبية. و بدون شك، فمعظـم التعـاريف تسلط الضوء على الجانب المحاسبي للمراجعة، وقد يرجع ذلك لخبراء المحاسبة الذين كانوا من الأوائل في وضع الملاحظات الخاصة بالمراجعة.
رغم أن الأهداف الأخرى، و خاصة الـفعالية في كل عمليات المؤسسة، أصبحت حاليـا تعتبر كجزء لا يتجزأ من المراقبة و المراجعة.
وفي الوقت الراهن، يتوجه الاهتمام إلى تخطيط عمليات المؤسسة و تأثيرها على المحيط، ذلك من خـلال نظـام معلومات كمي و غير كمي. فقد تـحتم على المراجع إدخال و دمج، في تـحليله للأوضاع، أنظمة جديدة للمعلومات والتسيير بعيدة عن الجانب المحاسبي الـمحض.¹

هذا و قد جاء تعريف آخر عن الـمراجعة على لسان جمعية الـمحاسبة الأمريكية :
" المراجعة هي عملية منظمة و منهجية لجمع و تقييم الأدلة و القرائن، بشكل موضوعي، التي تــتـعلق بـنــتــائـج الأنشطة و الأحداث الاقتصاديــة، وذلك لـتحديد مدى الــتوافـق و التطـــابـــق بين هذه النتائج و الـمعايير الـمقررة و تبلـيـــغ الأطـراف الـمعنيـة بنــتـــائـج الـمراجعة " ²

¨ كخلاصة القـول، يمكن شمل مفهـوم المراجعة و عمل المراجع في ما يلي: ³
§ المنهجية في مراجعة أوضاع المؤسسة.
§ تنفيذ المراجعة يكون من قبل شخص مؤهل و مستقل.
§ التأكد من صحة الموجودات و مطابقتها بالـمعالجة المحاسبية.
§ التحقق من خضوع العمليات للقانون و إجراءات المراقبة الداخلية.
§ تقديـم اقتراحات للحلول الممكنة وكذا التوصيات لمشاكل التي تواجهها المؤسسة.

فخلال مهمة التدقيق على المراجع اكتشاف الخلل و الانـحراف الذي يصيب النظـام و الإدلاء به، قبل أن يتطور و يؤدي إلى نتائج سلبية و خطيرة على المؤسسة.
هذا ومن جهة أخرى، ليس من مسؤولية المراجع دراسة و إيـجاد الحلول الـمثلى، فذلك يعتبر من مهام المسيرين، لكن من المستحب أن يعطي المراجع توصياته في الحلول الـممكنة.

II ..3 مــــعــــايــيـــر الـــمــراجــعـــة :

إن المراجعة، كوظيفة في المؤسسة، تتحدد بـمعايير خاصة بـها. لابد من احترامها لتسهيـل تنفيذ المهمة و تحقيق الأهداف المسطرة، لاسيما الدقة و الصحة في نظام المعلومات المستعمل لدى المؤسسة.
هذا و تشمل معـايير المراجعة : كل من طريقة عمل المراجع و كيفية تـحرير التقرير النهائي؛ كما هناك معايير عامة تـخص الشخصية و التأهيل العلمي و العملي للمراجع. فهذه المعايير تـؤثر على نـجاح تنفيذ المراجعة مهما كان ميدان تطبيقها.

II .1.3 معــاييـــر عــامـة :

فبصفة عامة، لتنفيذ مهام الـمراجعة على أحسن وجه، وذلك مهما كان مـجالها (وظائف؛ عمليات؛ تنظيم و برامج؛ الخ … )، لابد أن تشمل كل من:

*أ) التـدقيق في العمليات الـمالية ؛ الحسابـات؛ التقارير و الجداول الـمالية، مع التـأكد من احترامها للقوانين و الإجراءات .
*ب) تقدير الفعالية و الإنتاجية عند استغلال الـموارد
*ج) تقييـم درجة تـحقيق الأهـداف.

أما عن مؤهلات الـمراجع، فهي عموما ما تساعد هذا الأخير في فهم صحيح للأوضاع وربح الوقت. و من بين هذه الـمؤهلات نذكـر :¹
§ الاستـــــمـــاع و الإصـــغــــاء : فالاستماع هو احترام الغير، فهو بذلك أفضـل وسيلة و مفتـاح لدخول المؤسسة. أما عن الإصغاء فهو البحث ومحاولة ضبط مفهوم وضعية ما في المؤسسة ( بمعنى أن يكون المراجع منفتح للغير - Extravertie - ).
و عليه، فعملية الاتصال مهمة جدا في مهنة المراجع. هذا و يمكن التمييز بين نوعيـن من الاتصال:

3 الاتصال المتعلق بالمؤسسة: كالتعرف على الدفاتر و اليوميات والوثائق الخاصة بالمؤسسة.
3 الاتصال الـمتعلق بـمهمة المراجعة : وهو مقابلة الأشخاص كالزبائن و الأفراد و الموظفين.

§ الــقدرة على التـحليل و الشمولية : فالميـزتان ضروريتان تعكس الصرامة و الـدقة، لابد أن يتميز بـهما المراجع عند دراسة الأوضاع، فإمكانية شمل كل جوانب القوة و الضعف تؤثر حتما على التحليل و على النتائج التي يصل إليها المراجع.
§ الفــضــوليــة، الـفـطنـة و الــتصور : و هذه الخواص تسمح باستيعـاب أفضل للظواهر والوصـول بسرعة إلى الأهم، و من ثـم التقدم في التحليل. كما تساعد على مـحاولة صيـاغة التوصيات بشكل يتجاوز مجرد تذكير للقوانين و الإجراءات.
§ الـتـــكـــــويــــن : فهو يعتبر مفتاح ضروري لنجاح تطور وظيفة المراجعة. فحاليا تنفذ المراجعة من طرف مجموعة ذات كفاءات متكاملة و ذوي ثقافة عامة و اقتصادية معتبرة و متنوعة، تواكب تطور الأفكار و التكنولوجيات الـحديثة. فكما يُقال بالفرنسية : من الأفضل التفكير في التغيير و التجديد بدلاً من مواجهة المشاكل و محاولة حلها.
« Il vaut mieux penser les changements que changer les pansements » -Francis Blanche


هذا و في الأخير، يمكن إضافة بعض النصائح التي يتخذها المراجع الحريص على نـجاح مهمته :

فعلى المراجع أن يتعلم الاتصال مع الآخرين، بهدف التقرب إليهم أكثر، لمحاولة التعرف من خلالهم على كل الحقائق و المعلومات التي يـحتاجها المراجع في دراسته للنظام. كما عليه أن يُقنـع العميل و الأعوان بقبول التوصيات المقترحة.
و انطلاقـا من هذا، سيحاول المراجع خلق محيط ملائم لتبادل المعلومات في المؤسسة. ولتحقيق هذا المحيط، يجب أن يتصف المراجع بأخلاق و سلوك مناسبان للتقرب من العميل، بـمعنى آخر، عـدم إعطـاء أوامر؛ التهديد؛ التوبيخ ؛ الوعـظ ؛ التأنيب؛ التخمين؛ المجـاملة ؛ الإهانة ؛ القيام بتحليل نفسي ، المواسـاة ؛ الـمزاح؛ التهرب ؛ الخ ... .¹ و مع كل هذا ، على المراجع أن يحتفظ بـحرية التعبير و الإدلاء بـما قد يُغني تقريره من معلومات عن الواقع المدروس.

II .2.3 مــعــايــيــــر الـــعــمـــل :

و تـخص هذه المعاييـر كيفية تنفيذ مهمة المراجعة، والتي سنتطرق إلى تفـاصيلها أكثر في الفصـول اللاحقة، لكن عموما تتمثل منهجية المراجع فيما يلي:
§ دراسة و تقييم نظام المراقبة الداخلية لتحديد طبيعة و امتداد الـمهمة.
§ تخطيط لعملية المراجعة، بهدف تنظيم الفحوص و المراقبات، مـما يضمن الفعالية أكثر.
§ اختيار التقنيات و الوسائل المناسبة لجمع الأدلة و القرائن.
§ مسك المراجع لدفتر أو أوراق العمل ، فهذا يسهل تبرير و تدعيم نتائج المراجعة.

II .3.3 مـــعـــايــيـــر الــتــقـريــــر:

في نهاية كل مهمة مراجعة لابد من تقرير مفصل لكل مرحلة من مراحل الفحص و التـدقيق، مع ذكر كل الملاحظات ؛ المراقبات ؛ الاستجوابات التي قد يـرى المراجع من خلالها ضرورة لـمحاولة كشف عن الحقائق و أسباب الاختلال.
فاستنادا على مبادئ المحاسبة المتعارف عليها، يدلي المراجع بصحة أو عدم صحة الـمعلومات الـمالية و غيرها المقدمة من المؤسسة.

أما عن طريقة العرض و مكونات تقرير المراجعة ، فهناك معايير و نـماذج غالبـا ما نـجدها في كل التقارير، مهما كانت درجة امتداد المهمة. فبصفة عامة، فهي تـحتوي سرد لكل المخالفات و الأخطاء و العمليات غير العادية وكذا وصف مدقق و منطقي لأسباب وجود هذه الـحالات.
هذا و في الأخير، يعطي المراجع توصيات و اقتراحات للحلول الممكنة بعد أن تكونت له صورة واضحة للحالة المدروسة.
تعرض نسخ، للتقارير المحررة، لكل من الإدارة العامة و مديرية التنظيم و كل الـهيئات التي قد تأخذ في الحسبـان نتائج المراجعة قبل اتـخاذها لأي قرار يؤثر على المؤسسة.

هذا و يمكن تلخيص مـحتوى أو خصائص تقرير المراجعة فيما يلي: ²

§ الاختصار، الوضوح و الاستقلالية عند التعبير و التحليل.
§ تقديـم صحيح و دقيـق للـوقـائع و الإثبـاتـات.
§ محاولة إعطاء توصيات مبسطة لتحسين الأوضاع الحالية للمؤسسة، دون التدخل في التسيير.
§ تشجيع التحسن و التطور المستقبلي بـدلا من نـقد أعمال الـماضي.
§ إبراز المشاكل و الحالات التي تستوجب إعادة النظر فيها ( نقاط الضعف).
§ التلميح إلى الإنـجازات و الابتكـارات الجـديدة ( نقـاط الـقوى).
§ الكشف عن ردود فعل المسؤولين و المعنيين عن التوصيات المقترحة من المراجع.
§ الإشـارة عند حذف أو إخـفاء للمعلومات ذات الطـابع المميز أو السـري.

أما التقاريـر التي تـخص الحالة الـمالية للمؤسسة، فهي تشمل ما يلي:

§ إدلاء المراجع بالرأي عن مدى صحة و صدق القوائم الـمالية، كما عليه إعطاء توضيحـات و أسباب في حالة عدم تمكنه من إبداء هذا الرأي.
§ استبيان المراجع فيما إذا كانت الـجداول و الحالة المالية تـخضع لمبادئ المحاسبة الـمتعارف عليها، مع احترام المؤسسة الطرق المحاسبية المستعملة في السنوات السابقة.
§ إدراج كل المعلومات الـمُكمّلة و الضرورية، لإعطاء نظرة شاملة و كاملة، لسيـر العمليـات داخل الـمؤسسة.

فمن الملاحظ أن هذه المعايير تـحدد الخطوات العريضة التي يسترشد بـها المراجع عند إعداده للتقرير، حيث يتضمن هذا الأخير رأيه الفني فيما يتعلق بتقييم النظام وكذا مصداقية وصحة المعلومات فيه. ويبقى تطبيق هذه الـمعايير يعتمد بدرجة كبيرة على التقدير أو الحـكم الشخصي، الذي يعتمد - بدوره - على الخبرة المهنية للمراجع.

II ..4 أنــــــــوا ع الــــمـــراجــعــة :

ويـمكن النظر في أنواع المراجعة بـمنظورين، الأول من حيث القائـم بعملية المراجعة، فنميز فيه بين المراجعة الداخلية و المراجعة الخارجية . أما المنظور الثاني فهو من حيث طرق و كيفية التدخل للمراجعة داخل المؤسسة.


¹ Hamini Allel : Le Contrôle Interne et l'élaboration du bilan comptable, OPU,1993, page 22

¹ IFACI : La Nouvelle Pratique du Contrôle Interne, Organisation, 1996, page 28

¹ IFACI : La Nouvelle Pratique du Contrôle Interne, Organisation, 1996, page 29

² Ibid, page 27

¹ L.Sawyer : La pratique de l'audit interne, IFACI, Public-Union, 1976, page 223.

² B.Dervaux & A.Coulaud : Dictionnaire de management et de gestion, Dunod, 1990, page 48.

¹ CD- Encyclopédia Universalis : Audit ,1997.

² K.Belamiri : La mission du commissariat aux comptes, Revue SNC N° 14, 1997, page 04

³ L. Collins & G.Vallin : Audit et Contrôle Interne, Dolloz, 1986, page 188

¹ K.Belamiri : La mission du commissariat aux comptes, Revue SNC N° 14, 1997, page 04

¹ J.Raffegeau & F.Dubois : Audit Opérationnel , Que sait-je ? 1992 .

² و.توماس و ا.هنكي - تعريب أحمد حامد حجاج وكمال الدين سعيد -: المراجعة بين النظرية والتطبيق، دار المريخ،1986، ص.26

³ L. Collins & G.Vallin : Audit et Contrôle Interne, Dalloz, 1986, page 24.

¹ Etienne Barbier : l’Audit interne, Organisation, 1996, page 77-86

¹ Etienne Barbier : l’Audit interne, Organisation, 1996, page 124

² L. Collins & G.Vallin : Audit et Contrôle Interne, Dalloz, 1986, page 167.