التطور التاريخي للبنوك:


أصل كلمة مصرف فياللغة العربية مأخوذة من الصرف "بمعنى بيع النقد بالنقد", و يقصد بها المكان الذييتم فيه الصرف و يقابلها كلمة "بنك" ذات الأصل الأوروبي و المشتقة من الكلمةالإيطاليةbancoالتي تعني المنضدة أو الطاولة. أماسبب ارتباط هذه الكلمة بالأعمال المصرفية فلأن الصرافين كانوا يستعملون مناضد خشبيةلممارسة أعمالهم في أسواق بيع و شراء العملات المختلفة و ذلك في أواخر القرونالوسطى، كما أن كلمةbankrupt وتعني المفلس جاءت منأصل إيطالي حيث تعني كسر المنضدة أي منضدة الصراف كإعلان عن إفلاسه وعدم السماح لهبالاستمرار في مزاولة الصرافة


.
و إن الأناجيل التي تتحدثعن حياة السيد المسيح - عليه السلام- تدل على انتشار هذه العادة في الشرق و على أرضفلسطين من القرن الأول للميلاد. فقد جاء في إنجيل " ودخل يسوع إلى هيكل الله وأخرججميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة....". [الإصحاح]
ومهما يكن من أمر فإن الباحثين يجمعون على أن تاريخ نشأة المصارف الحديثةيبدأ من منتصف القرن الثاني عشر للميلاد، حيث تأسس أول بنك وذلك في مدينة البندقيةعام 1157 تلاه بنك برشلونة عام 1401 ثم بنك ريالتوbanco della pizza di rialtoعام1587 بمدينة البندقية ثم بنك أمستردامعام 1609.
ويعتبر هذا البنك الأخير النموذج الذي أخذتهمعظم البنوك الأوروبية بعد ذلك مع مراعاة ما أملته اختلافات الظروف والأحوال بيندولة وأخرى. مثل بنك هامبورغ بألمانيا عام 1619 وبنك انجلترا عام 1694 وبنك فرنساالذي أسسه نابليون عام 1800، ثم انتشرت البنوك بعد ذلك في أمريكا وغيرها من بلدانالعالم.
إن من المسلم به أن العمل المصرفي من قبولللودائع في بداية الأمر ثم استثمار الجزء الفائض منها ( الائتمان) في مراحل متقدمة.
إنما برز وتطور تبعا لاستعمال النقود كوسيط في المبادلات, ولقد عرفت هذاالنشاط المدنيات الأولى مثل: السومريين والبابليين والإغريق والرومان وإن اختلفتالأشكال والمظاهر. كما عرفه العرب قبل الإسلام وفي مكة بالذات المشهورة بتجارتها معالشام واليمن. فكان النبي صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة - مشهورا بالأمين حيثبقيت عنده الودائع حتى قبيل هجرته من مكة إلى المدينة حيث وكل بها عليا -كرم اللهوجهه- ليتولى ردها إلى أصحابها هذا وقد عرف المكيون باستثمار أموالهم بطريقتين, الأولى: إعطاء المال مضاربة على حصة من الربح والثانية: الإقراض بالربا الذي كانشائعا في الجاهلية سواء بين العرب أنفسهم أو بينهم وبين اليهود المقيمين في الجزيرةالعربية آنذاك. وعندما جاء الإسلام حرم الربا واقتصر العمل المصرفي على الإيداعالأمين والمضاربة على حصة من الربح, ولكن أسباب التخلف التي حلت بالبلاد الإسلاميةأدت إلى قطع كل صلة بما كان قائما ومعروفا من أشكال التعامل المصرفي القديم وخضعالشرق للغرب المستيقظ من العصور الوسطى على فجره الجديد وبدت فنون العرب في كلالمجالات وكأنها تؤتى بلا سابق أو مثيل وتخيل أهل الشرق أن الدنيا كانت عقيما منقبل في هذا المجال, فنقلوا النظم المصرفية الأوربية إلى أن جاءت في النصف الثاني منالقرن العشرين نظم البنوك الإسلامية.
ومجمل القول أن الظهورالحقيقي بالمفهوم الحديث للبنوك كان على يد الصاغة والصيارفة الذين كانوا يقبلونعلى إيداع النقود مقابل إيصالات و أخذت تلقى قبولا في التداول و وفاء للالتزاماتالمطلوبة من حاملها والتي تطورت فيما بعد إلى ما يسمى بالشيكات. ثم أخذ هؤلاءالصاغة والصيارفة يتقاضون عمولة من المودعين لقاء الحفظ, كما أخذوا يتصرفون بجزء منالودائع لديهم بالإقراض مقابل فائدة يتقاضونها بعد أن لاحظوا أنه لا يتم سحبالودائع كليا وترتب على ذلك أن بدأت الصورة المبدئية لأعمال البنوك تتبلور وتتحدمعالمها إلى أن أصبحت إلى ما هي عليه الآن