الاستبدادُ أصلٌ لكلّ فسادٍ، والمدقّقُ في أحوالِ البشرِ وطبائعِ الاجتماعِ يدرك أنّ للاستبدادِ أثراً سيئاً في كلِّ وادٍ، فالمستبدّ يضغطُ على العقل فيفسدُه، ويتلاعبُ بالدّين فيفسدُه، ويحاربُ العلمَ فيفسدُه.
إنَّ الاستبدادَ والعلمَ ضدّان متغالبان، فكلُّ إدارةٍ مستبِدّةٍ تسعى جهدَها في إطفاءِ نورِ العلم ِوحصرِ الرّعيّةِ في حالكِ الجهل، والغالبُ أن رجالَ الاستبدادِ يطاردون رجالَ العلم، وينكّلون بهم، فالسّعيدُ منهم مَنْ يتمكن من مهاجرةِ دياره، ولا يخفى على كل ذي بصيرة كم من العقول المسلمة هاجرت إلى بلاد الغرب حيث الحريةُ فأبدعتْ وقدمت الكثيرَ للغرب.
إن الاستبدادَ يقضي على القُدُراتِ العقليةِ للأمة، ويفلُّ من إرادتها وعزمها، كما يؤدي إلى اهتزاز العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع.
وهاكم أهمَّ آثار الاستبداد حيث تدور الأمةُ في فلَك الأشخاص:
أولا: فيما يتصل بالدين والأخلاق:
1- تنحسر معاني الرسالة فيُحْذَف من "الأمر بالمعروف" كلُّ ما ينال من إطلاق يد المستبد، ويضيقُ "النهي عن المنكر" ليسقطَ منه كلُّ ما ينال من أخطاء الحاكم المستبد، ويتقلَّصُ معني "الإيمان بالله" ليقتصرَ على المظهر الدينيِّ للعبادةِ، ويتحوَّل الإسلامُ في حِسِّ الناس إلى ممارسةٍ فرديةٍ، ويتم التركيزُ التدريجىُّ على الشعائرِ التعبديةِ والفضائلِ الفرديةِ الخاويةِ من الروح على أنها هي الدينُ كله، ويزداد التعلُّقُ بالغيبيات ويتضخَّمُ الحديثُ عن النبوءات، وتنمو قراءةُ المستقبلِ من خلال النصوصِ التي تحدثت عما يكون من فتنٍ وأحداث؛ فراراً من الحديث عمَّا كان وعمَّا هو كائنٌ من فسادٍ وانحراف، ويصاحبُ ذلك إهمالُ المظهر الاجتماعي الذي يُسوِّي بين جميع أفراد الأمة، كما يصاحبه تَرْكُ الانشغال بالقضايا العامة التي تقرر مصيرَ الأمة.
وبذلك تسقطُ أسبابُ خيرية الأمة التي حدَّدها الحق سبحانه وتعالى في قوله ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].
ولم يخطئْ ولم يبالغْ بعضُ الدعاة عندما قال: "إنَّ الحكمَ الفرديَّ من قديمٍ أهلك الحرثَ والنسلَ، وفرض ألواناً من الجَدْب العقلي والشلل الأدبي، أَذْوَت (أي أضغفت) الآمالَ، وأَقْنَطت الرجال".
2- يتبدل سلّم القيم في الأمة؛ لتصبح القوةُ فوق الفكر، الأمر الذي يجعل "المستبد" وأعوانَه هم أولي الأمر، وأصحاب المشورة والرأي، بينما يُسْتَبعدُ أهلُ الفكر، وتصبح وظيفةُ المؤسساتِ القانونيةِ تنفيذَ إراداتِ السلطةِ المستبدة؛ بدلاً من تطبيق الحدودِ الشرعية، وتحقيق مصالح الأمة، وتصبح وظيفة المؤسسات الأمنية ملاحقةَ معارضي الاستبداد، والتنكيلَ بخصوم المستبد، بدلاً من ملاحقة المفسدين ومتابعة عصابات الإجرام، وتمتلئ المؤسسات العقابية (السجون) بالناصحين المخلصين والوطنيين الصادقين، فتُحْرَم الأمةُ من الكفاءات العلمية والفكرية والأكاديمية المهمة، ومن ثَمَّ تحصل المظالم في شتى مناحي الحياة، اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً، وتبطئ أو تتوقف أو تتراجع عملية التنمية، وقيم الوطنية والرجولة والأخلاق النبيلة.
وذلك مجال ارتفاع الرويبضة الأسافل الذين يفوَّضون في حل المشكلات وعقد الصفقات، وتدبير أمر الأمة المغلوبة، فيأخذونها للهاوية، وقد ورد ذكرهم في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: "الرَّجُلُ التَّافِهُ -وفي رواية: السَّفِيهُ، وفي رواية: الْفُوَيْسِقُ- يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ"[1].
وهكذا يقف أئمةُ الضلال ومحترفو الجدل قادةً لمرحلة الضياع الفكري، ويؤازرهم المنافقون المتشدقون الذين يستخدمون علمهم في تبرير الأوضاع والتماس الأعذار للسقوط والساقطين، وفي تحريم الحلال وإباحة الحرام، وخلط الحقائق، حتى لا تكاد جمهرة الأمة تعرف المعروف من المنكر، ويتصدر هؤلاء الساحاتِ المختلفةَ، وميادينَ العمل المتقدمة، فيحجبون الحقَّ، ويظهرون الباطلَ، وتُزْوَى النماذجُ الصالحة، وتتألَّقُ النماذجُ الهابطة جاها وسلطانا ومالا، وتُغْدَق عليها الأموالُ والألقابُ والمناصبُ، فلا يكاد ينفذ أصحاب الحق إلى الحق، ولا يكاد القابضون على الأمر يحسون بما يعانيه أهل الحق القابضون على الجمر، وتنقطع الجسور بين أولي العلم وأولي الأمر، فلا يبقى إلا الصراع الخافت والظاهر، وتتعرض السفينة الاجتماعية كلها للضلال والضياع.
3- تهتز مكانةُ العدل في الأمة، وتُبْذَر بذورُ الظلم، وتفقد قِيَمُ الرسالة فاعليتَها وتأثيرها، وتصبح مجردَ تراثٍ يأخذ منه الظالمون ما يبرر هيمنتَهم واستبدادَهم، ويأخذ منه الضعفاء ما يَسْتَجْدون به أشياءَهم وبعض حقوقهم، وبذلك تسود قِيَمُ النفاق التي تفترس المظلومين من أذكياء الأمة ومحروميها.
وفي ظل الاستبداد يبرز تيار سلطوي من أهل العلم ينتقي من النصوص والأدلة ما يلوي به عنقَ الشريعة؛ ليبرِّر تصرفاتِ الحكامِ المستبدِّين الضالَّةَ وأوضاعَهم المنحرفةَ، فيبررون جوْرَهم وقسوتَهم على الأمة برعاية المصالح الكبرى للأمة، ويبررون تفريطَهم وتخاذُلَهم أمام عدوِّهم بأنه من باب السياسة الشرعية، ويكون الصوتُ العالي للفتاوى التي تتناول حقوقَ الحاكم ووجوبَ السمع والطاعة، وتَحَمُّلَ الإمامِ الغشوم؛ خوفاً من فتنةٍ تدوم، وتُسْتَخْرَج النصوصُ التي تُكَرِّسُ الخنوعَ للذلِّ، وتبرِّرُ الخضوعَ للظلمة.
وتُغَيَّبُ -عن عمد- النصوصُ والوقائعُ التي تدعو إلى مواجهة الظلم، ونصح الظالم، وتُكَرِّس مواجهةَ السلطانِ الجائرِ بالحقِّ باعتبارهِ أعظمَ الجهاد، وتنهى عن الطاعة في غير المعروف أو الطاعة في معصية الله.
وفي ذات الوقت يصفون المعارضةَ السياسيةَ لهم بالخروج والبغي، وينعتون النصيحةَ الشرعيةَ الواجبةَ لهم بالتمرد والإهانة للسلطان الشرعي، ويستحق المعارضُ الناصحُ الأمينُ الموتَ والإخراجَ من الأرض، بل ومن الإسلام إذا اقتضى الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي الوقت الذي عدَّ فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مواجهةَ المستبد الجائر بكلمة الحق أعظمَ الجهاد، ويلقِّبُ من فعل ذلك فقتله الجائرُ بسيد الشهداء، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ"[2]، ويقول - صلى الله عليه وسلم -: "سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إلَى إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَقَتَلَهُ"[3]؛ في ذات الوقت فإن سَدَنَةَ الاستبداد من أهل العلم يُفْتُون بأنَّ مَنْ فَعَل ذلك خارجيٌّ يستحق القتل!.
وبذلك يتحول بعضُ الدعاةِ من حيثُ يَدْرُونَ أوْ لا يَدْرُون إلى أدواتٍ بيد المستبدِّ، ويقدمون دليلاً زائفاً للماركسيين الذين يَدَّعُون زوراً وبهتاناً أن (الدين أفيون الشعوب).
4- يتحول ولاءُ العامة من تأليه الله مصدر الرسالة إلى تأليه الأشخاص المستبدين، الذين يتحكَّمون بمقتضي السلطة في مصائر الناس وأرزاقهم، فتنتقل الأمةُ من صفاء التوحيد إلى شِرْك الأنداد، وتبتكر لهؤلاء الأنداد رموزاً تتلاءم مع روح العصر وثقافته واتجاهاته، بل ينتقل التأليه إلى أشخاص أرباب البدع ومشايخ الطرق الذين يستسلم لهم المريدون فكريا وعقليا وعمليا، بل يتجه التأليه إلى الأموات من الأولياء، فيُطْلَب منهم قضاءُ الحاجات وتفريجُ الكرُبات؛ بدلاً من التوجه بالدفع في نحر الظالم ومدافعة المستبد ليقلعَ عن ظلمه واستبداده.
وفي ظل الاستبداد يتحول التوكل على الله إلى تواكل سلبي دون الأخذ بالأسباب، وتتحول عقيدةُ القضاء والقدر إلى تخاذلٍ وتقاعسٍ، بعد أن كانت عقيدةَ إقدامٍ وجرأةٍ في مواجهة الأعداء والأحداث ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾ [التوبة: 51- 52].
وقد كان ابن خلدون يركز على أن الاستبدادَ والظلمَ يُحوِّل الناسَ إلى شخصياتٍ ضعيفةٍ فيها كذبٌ ومكرٌ وتملُّقٌ، وعندئذٍ فلا خيرَ فيهم، فلا هم يستطيعون المطالبةَ بشيءٍ قوي، ولا المدافعةَ إذا طالبهم أحد.
وبهذا تتحول الأمةُ إلى أمةٍ منافقة، ويتحول رجالُ الفكر فيها إلى التعلق بالرسوم والأشكال، وتصبح مهمةُ أهل العلم تبريرَ المستبد وتصديقَه، وترويجَ بضاعته الفاسدة الكاسدة على جمهور الأمة، وذلك ما حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه عدة من أصحابه - رضي الله عنهم - منهم كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ - رضي الله عنه - الذي قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يَا كَعْبُ بن عُجْرَةَ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ"، قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟، قَالَ: "أُمَرَاءُ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَنْ يَرِدَ عَلَى الْحَوْضِ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ، بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، وَسَيَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ"[4].
فويل للأمة ثم ويل لها من المستبد وممن يزينون له استبداده، ويروِّجون مظالمَه، فيورثون الأمةَ ضياعاً وفساداً، ومن حِكَم العرب: "الاستبدادُ والقسوةُ يورثان البلادةَ والجفوة".
قال ابن عبد البر في بهجة المجالس: "ولا أعلم أحداً رضي الاستبدادَ إلا رجلٌ مفتونٌ مخادِعٌ لمن يطلب عنده فائدةً، أو رجلٌ فاتكٌ يحاول حين الغفلة، وكلا الرجلين فاسق".
ثانياً: فيما يتصل بالأسرة والمجتمع:
5- ينقسم المجتمع من الناحية العملية إلى طوائف وفرق، تتفاوت في قوتها بحسب قربها أو بعدها من السلطة الاستبدادية.
وقد ذكر الشيخ الغزالي[5]أن "من مقابح الاستبداد: أسلوبَه الشائنَ في إهانة الكفايات، وترجيح الصغار وتكبيرهم، تبعاً لمبدئه العتيد: أهلُ الثقة أَوْلى من أهل الكفاية.
ومَنْ هم أهلُ الثقة؟ أصحابُ القدرة على المَلَق والكذب، اللاهثون تحت أقدام السادة؛ تلبيةً لإشارة، أو التقاطاً لغنيمة.
هذا الصنفُ الخسيسُ من الناس هو الذى يُؤْثَر بالمناصب، ويَظْفَر بالترقيات، وتُضْ في عليه النعوتُ، ويُمَكَّنُ له في الأرض.
أما أهلُ الرأى والخبرة والعزم والشرف فإنَّ فضائلَهم تُحْسَب عليهم لا لهم، وتُنْسَج لهم الأكفانُ بدل أن تُرْفَع لهم الرايات.
والويلُ لأمةٍ يقودها التافهون، ويَخْزَى فيها القادرون!
وقد كنتُ أقرأ في الصحف -دون دهشة- كيف أن المسؤول عن "الثقافة والفكر في الاتحاد الاشتراكي" رجلٌ أميٌّ يصيح كلما سأله المحقق: اعذرني فإني جاهل.
إن هذه طبيعةُ الأوضاع التى تعيش على الظلام وتكره النور.
ما أكثرَ العلماء في بلادنا لو أُريد توسيدُ الأمر أهلَه، ولكن العلماء ليسوا موضعَ ثقةٍ لصغار المتصدرين؛ لأن العالِم يستنكرُ المتناقضات ويكره الدَّنِيَّة، ويقول بغضب:
أَأَشْقَى به غرساً وأَجْنِيهِ ذِلَّةً
إِذَنْ فاتباعُ الجهل قد كان أَحْزَما
6- تتحدد مكانةُ الأفراد في الأمة ومسئولياتُهم طبقاً لمواقفهم من السلطة الاستبدادية، فينحسر الولاءُ لدي الأفراد من مجال الأفكار والمبادئ إلى مجال أشخاص السلطة، وها هنا تُلْغَي مقاييسُ الفكر والقدرات الفكرية والولاءات الإسلامية، إلا بمقدار ما تمليه الضرورة في تأمين الولاء لأشخاص السلطة الاستبدادية واستقرار نفوذهم.
قد لا يموتُ الإنسان في ظل الاستبداد، ولكنه يعيش بإنسانيةٍ مفقودةٍ، وشخصيةٍ مشوَّهةٍ، وأخلاقٍ مَرْذُولَةٍ، وبَلَادَةٍ ممقوتة.
وما أصدق قولَ الشيخ الغزالي رحمه الله: "يستحيل أن يتكوَّن في ظل الاستبداد جيلٌ محترمٌ، أو معدنٌ صُلبٌ، أو خُلُقٌ مكافح.
وتأمل كلمةَ عنترةَ لأبيه شدَّاد لما طلب منه الدفاعَ عن القبيلة، قال: إنَّ العبدَ لا يُحْسنُ الكرَّ والفرَّ، ولكنه يحسن الحلبَ والصَّرَّ! فأجاب الوالد: كُرَّ وأنت حرّ!
وقاتل "عنترة" وتحت لواء الحرية أدَّى واجبه، ولو بقي عبداً ما اهتم بهلاك أمةٍ من الناس فَقَدَ بينهم كرامتَه ومكانَتَه".
7- يؤدي الاستبدادُ السياسيُّ إلى انفجار الأسرة، التي هي ركيزة الوحدات الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، حيث ينصرف كلُّ فردٍ فيها لشؤونه الخاصة، وربما استغلت السلطةُ الاستبداديةُ بعضَ أفراد الأسرة ضد البعض الآخر.
وهكذا نرى أن الاستبدادَ السياسيَّ يفسدُ الفطرةَ البشريةَ، ويُهَدِّدُ الحياةَ المجتمعيَّةَ، ويقلِّص من فرص الإبداع والإنجاز، ويحطمُ فضائلَ النفس البشرية، ويُحَلِّل مقوماتِها، ويغرسُ فيها طباعَ العبيد، ويُشْعِرُ الفردَ بالضآلة والمهانة، فينشأُ نشأةً لا يَثِقُ فيها بنفسه، ولا يقدرُ على اتخاذ القرار الذي يناسبُه، فتنشأُ الأجيالُ في ظل الاستبداد الأعمى عديمةَ الكرامة، قليلةَ الغَنَاء، ضعيفةَ الأخذ والرد.