بدأ الاهتمام بالحوكمة في مصر عام 2001 بمبادرة من وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية آنذاك ( وزارة التجارة حاليا )، حيث وجدت الوزارة أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي بدأته مصر منذ أوائل التسعينات لا يكتمل إلا بوضع إطار تنظيمي ورقابي يحكم عمل القطاع الخاص في ظل السوق الحر. وبالفعل تم دراسة وتقييم مدى التزام مصر بالقواعد والمعايير الدولية لحوكمة الشركات.


[1]


وأعد البنك الدولي، بالتعاون مع وزارة التجارة الخارجية وهيئة سوق المال وبورصة الأوراق المالية، بالإضافة إلى عدد من المراكز البحثية وشركات المحاسبة والمراجعة والمهتمين من الاقتصاديين والقانونيين، أول تقرير لتقييم حوكمة الشركات في مصر. وكان من أهم نتائج التقييم:


1- أن القواعد المنظمة لإدارة الشركات، والمطبقة في مصر، تتمشى مع المبادئ الدولية في سياق 39 مبدأ من إجمالي 48 مبدأ. حيث تنص القوانين الحاكمة للشركات ولصناعة الأوراق المالية على ذات المبادئ، كما أن تطبيقاتها تتم بصورة كاملة مع المعايير الدالة على حسن الأداء. ومن أهم القوانين في هذا الصدد: قانون الشركات 159 لسنة 1981، وقانون قطاع الأعمال العام 2.3 لسنة 1991، وقانون سوق رأس المال 95 لسنة 1992، وقانون الاستثمار 8 لسنة 1997، وقانون التسوية والإيداع والحفظ المركزي 93 لسنة 2000.


2- لا يتم تطبيق بعض المبادئ الواردة في القوانين الحاكمة الحالية في السوق المصرية بشكل عملي، وقد يرجع هذا إلى ضعف وعى المساهمين أو إدارات الشركات بتلك المعايير، ومن ثم لا تتماشى هذه القواعد عمليا مع المبادئ الدولية في سياق 7 مبادئ من إجمالي الـ 48 مبدأ، وهناك اثنان من المبادئ لا تطبق نهائيا في السوق المصرية.


وتشير المعايير التي منحها التقرير لحوكمة الشركات في مصر إلى وجود العديد من الممارسات الإيجابية، ولكن من ناحية أخرى فهناك عدد من البنود التي تحتاج إلى تطوير لدرء بعض الممارسات السلبية. بالنسبة للممارسات الإيجابية في مصر، نجد أن القانون يكفل الحقوق الأساسية لحملة الأسهم، كالمشاركة في توزيع الأرباح، والتصويت في الجمعيات العمومية، والاطلاع على المعلومات الخاصة بالشركة. ويحمى القانون المصري حقوق أصحاب المصالح من حملة السندات والمقرضين والعمال، كما أن معايير المحاسبة والمراجعة المصرية تتسق مع المعايير الدولية. أما الممارسات السلبية فهي ترتبط بالإفصاح عما يتعلق بالملكية والإدارة، ومنها الإفصاح عن هياكل الملكية الصريحة والمستترة أو المتداخلة، ومكافآت مجلس الإدارة، والإفصاح عن المعلومات المالية وغير المالية ( مثل عوامل المخاطر المحتملة ). كذلك يجب تدعيم ممارسات المحاسبة والمراجعة السليمة. ومن الأمور الهامة تطوير ممارسات مجالس الإدارة بالشركات، وتدعيم وتشجيع ممارسة حملة الأسهم لحقوقهم المكفولة. وتعد مصر أول دولة في منطقة الشرق الأوسط التي تهتم بتطبيق مبادئ الحوكمة، ويؤدى تطبيق الحوكمة إلى تحقيق الشفافية، مما يساعد على جذب استثمارات جديدة سواء كانت محلية أو أجنبية، كما يؤدى إلى تراجع الفساد.


ونشير إلى أنه عندما بدأ الحديث عن الحوكمة في مصر، لم يكن على مستوى الشركات، وإنما بدأ في المجتمع المدني. وكان الحديث عن كيف يمكن للدولة أن تدير النشاط الاقتصادي إدارة رشيدة في ضوء المتغيرات والأحداث، إضافة إلى ضرورة استكمال الإطار القانوني الذي يضمن التطبيق السليم للحوكمة، ومنها إصدار قانون سوق المال المعدل، وقانون الشركات الموحد، وقانون مزاولة مهنة المحاسبة والمراجعة، وقانون الإفلاس.


وفى النهاية نشير إلى أن دور الحوكمة لا يقتصر على وضع القواعد ومراقبة تنفيذها أو تطبيقها، ولكن يمتد ليشمل أيضا توفير البيئة اللازمة لدعم مصداقيتها، وهذا لا يتحقق إلا بالتعاون بين كل من الحكومة والسلطة الرقابية والقطاع الخاص والفاعلين الآخرين بما فيهم الجمهور.








أولا: الحوكمة في الجهاز المصرفي





تعنى الحوكمة في الجهاز المصرفي: مراقبة الأداء من قبل مجلس الإدارة والإدارة العليا للبنك، وحماية حقوق حملة الأسهم والمودعين، بالإضافة إلى الاهتمام بعلاقة هؤلاء بالفاعلين الخارجيين، والتي تتحدد من خلال الإطار التنظيمي وسلطات الهيئة الرقابية. وتنطبق الحوكمة في الجهاز المصرفي على البنوك العامة والبنوك الخاصة والمشتركة.


وتتمثل أهم العناصر الأساسية في عملية الحوكمة في مجموعتين:


o تمثل المجموعة الأولى الفاعلين الداخليين، وهم حملة الأسهم ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والمراقبون والمراجعون الداخليون.


o أما المجموعة الثانية فتتمثل في الفاعلين الخارجيين، المتمثلين في المودعين، وصندوق تأمين الودائع، ووسائل الإعلام، وشركات التصنيف والتقييم الائتماني، بالإضافة إلى الإطار القانوني التنظيمي والرقابي.


وترتكز الحوكمة – كما سبق القول - على عناصر أساسية لابد من توافرها حتى يكتمل إحكام الرقابة الفعالة على أداء البنوك، تتلخص في الشفافية، وتوافر المعلومات، وتطبيق المعايير المحاسبية الدولية، والنهوض بمستوى الكفاءات البشرية من خلال التدريب.


ولا يرتبط نجاح الحوكمة في الجهاز المصرفي فقط بوضع القواعد الرقابية، ولكن أيضا بأهمية تطبيقها بشكل سليم، وهذا يعتمد على البنك المركزي ورقابته من جهة، وعلى البنك المعني وإدارته من الجهة الأخرى.


ويجب أن تكون إدارة البنك مقتنعة بأهمية مثل هذه القواعد والضوابط، مما يساعد على تنفيذها. وهذا ما يكشف عن دور كل من مجلس الإدارة بقسميه التنفيذي وغير التنفيذي، ولجان المتابعة التي توفر له البيانات اللازمة عن أداء البنك، وإدارات التفتيش داخل الجهاز المصرفي التي تعرض تقاريرها على مجلس الإدارة والمساهمين، الذين يجب أن يقوموا بدورهم في الرقابة على أداء البنك، إلى جانب المساهمة في توفير رؤوس الأموال في حالة حاجة البنك إليها.


والممارسة السليمة للحوكمة تؤدى عامة إلى دعم وسلامة الجهاز المصرفي، وذلك من خلال المعايير التي وضعتها " لجنة بازل " للرقابة على البنوك وتنظيم ومراقبة الصناعة المصرفية، والتي من أهمها:


· الإعلان عن الأهداف الإستراتيجية للجهاز المصرفي وللبنك وتحديد مسئوليات الإدارة.


· التأكد من كفاءة أعضاء مجلس الإدارة وإدراكهم الكامل لمفهوم الحوكمة، وعدم وجود أخطاء مقصودة من قبل الإدارة العليا.


· ضمان فاعلية دور المراقبين وإدراكهم لأهمية دورهم الرقابي.


· ضرورة توفر الشفافية والإفصاح في كافة أعمال وأنشطة البنك والإدارة.


ونشير إلى أن البنك المركزي المصري قد قام باتخاذ عدد من الإجراءات في ضوء القواعد الأساسية التي أقرتها لجنة بازل. ويتضمن الإطار القانوني والتنظيمي والرقابي لعمل البنك المركزي المصري وضع قواعد للرقابة الحذرة على عمل البنوك، تشمل: تحديد حجم ومجال نشاط كل بنك ونسبتي السيولة والاحتياطي، ومراقبة تطبيق معيار كفاية رأس المال، وقد قرر البنك المركزي المصري زيادة هذه النسبة من 8% إلى 10%، وطالب البنوك بالالتزام بها.


وفى هذا السياق اهتم البنك المركزي المصري بأسلوب تصنيف الأصول، وتحديد المخصصات المناسبة لكل فئة منها، حيث إن السلامة المصرفية تتحقق عندما يتم التصنيف بشكل سليم. كما اهتم بمعيار تركز القروض لعميل واحد أو بعملة واحدة، وذلك حماية للبنك من التقلبات التي يمكن أن تحدث في أي من هذه الفئات. كذلك اهتم بالإقراض للأطراف المرتبطة والأطراف ذات الصلة، والتي يمكن أن تسبب أزمات للجهاز المصرفي. وفى هذا المجال أصدر البنك المركزي المصري في نوفمبر 2..2 قرارا يقضى بضرورة التعامل مع هذا النوع من الإقراض بحذر شديد. ويتطلب نجاح الحوكمة في الجهاز المصرفي وجود نوع من العقاب في حالة الخطأ ووجود آلية لتصحيح الأخطاء.








ثانياً:حوكمةالشركات[2]





يشيرمفهومحوكمةالشركات، بشكلعام،إلىالقواعدوالمعاي يرالتيتحددالعلاقةبينإدارة الشركة منناحية، وحملةالأسهموأصحابالمصالح أو الأطرافالمرتبطةبالشركة ( حملةالسندات والعمال والموردين والدائنين والمستهلكين من ناحيةأخرى ).وبشكلأكثرتحديدا،يقدمهذاا لاصطلاحإجاباتلعدةتساؤلاتم ن أهمها: كيفيضمنالمالكونألاتسيءالإ دارةاستغلالأموالهم؟كيفيتأ كدهؤلاءأنالإدارةتسعىإلىتع ظيم ربحيةوقيمةأسهمالشركةفيالأ جلالطويل؟ما مدىاهتمامالإدارةبالمصالحا لأساسيةللمجتمعفيمجالات الصحةوالبيئة؟وأخيرا،كيفيت مكنحملةالأسهموأصحابالمصال حمنرقابةالإدارةبشكلفعال؟


ويثيرمصطلححوكمةالشركاتبعض الغموضلثلاثةأسبابرئيسيةمر تبطةبحداثةهذاالاصطلاح: السببالأولهوأنهعلىالرغممن أنمضمونحوكمةالشركاتوكثيرم نالأمورالمرتبطةبهترجع جذورهاإلىأوائلالقرنالتاسع عشر،حيثتناولتهانظريةالمشر وعوبعضنظرياتالتنظيموالإدا رة،إلاأن هذاالاصطلاحلميعرففياللغةا لإنجليزية،كماأنمفهومهلميب دأفيالتبلورإلامنذقرابةعقد ينأوثلاثة عقود.


بينمايتمثلالسببالثانيفيعد موجودتعريفقاطعوواحدلهذاال مفهوم. فبينما ينظر إليه البعضمنالناحية الاقتصاديةعلىأنهالآليةالت يتساعدالشركةفيالحصولعلىال تمويل،وتضمنتعظيمقيمةأسهما لشركة واستمرارهافيالأجلالطويل، فإن هناك آخرونيعرفونهمنالناحيةالقا نونيةعلىأنهيشيرإلىطبيعةال علاقةالتعاقدية منحيثكونهاكاملةأمغيركاملة ، والتيتحددحقوقوواجباتحملةا لأسهموأصحابالمصالحمنناحية ، والمديرينمنناحيةأخرى، كما أن هناك فريقثالثينظرإليهمنالناحية الاجتماعيةوالأخلاقية،مركز ينبذلكعلى المسؤوليةالاجتماعيةللشركة فيحمايةحقوقالأقليةأوصغارا لمستثمرين،وتحقيقالتنميةال اقتصاديةالعادلة، وحمايةالبيئة.


ويرجعالسببالثالثلغموضهذاا لمصطلحإلىأنهذاالمفهوممازا لفيطورالتكوين، ومازالتكثيرمنقواعدهومعايي رهفيمرحلةالمراجعةوالتطوير . ومعذلكهناكشبهاتفاقبينالبا حثينوالممارسينحولأهممحددا ته وكذلكمعاييرتقييمه.[3]





أهمية حوكمة الشركات


منذ عام 1997، ومع انفجار الأزمة المالية الآسيوية، أخذ العالم ينظر نظرة جديدة إلى حوكمة الشركات. والأزمة المالية المشار إليها، قد يمكن وصفها بأنها كانت أزمة ثقة في المؤسسات والتشريعات التي تنظم نشاط الأعمال والعلاقات فيما بين منشآت الأعمال والحكومة. وقد كانت المشاكل العديدة التي برزت إلى المقدمة أثناء الأزمة تتضمن عمليات ومعاملات الموظفين الداخليين والأقارب والأصدقاء بين منشآت الأعمال وبين الحكومة، وحصول الشركات على مبالغ هائلة من الديون قصيرة الأجل، في نفس الوقت الذي حرصت فيه على عدم معرفة المساهمين بهذه الأمور، وإخفاء هذه الديون من خلال طرق ونظم محاسبية "مبتكرة"، وما إلى ذلك. كما أن الأحداث الأخيرة ابتداء بفضيحة شركة إنرون Enronوما تلا ذلك من سلسلة اكتشافات تلاعب الشركات في قوائمها المالية، أظهر بوضوح أهمية حوكمة الشركات حتى في الدول التي كان من المعتاد اعتبارها أسواقا مالية "قريبة من الكمال".


وقد اكتسبت حوكمة الشركات أهمية أكبر بالنسبة للديمقراطيات الناشئة نظرا لضعف النظام القانوني الذي لا يمكن معه إجراء تنفيذ العقود وحل المنازعات بطريقة فعالة. كما أن ضعف نوعية المعلومات تؤدى إلى منع الإشراف والرقابة، وتعمل على انتشار الفساد وانعدام الثقة. ويؤدى إتباع المبادئ السليمة لحوكمة الشركات إلى خلق الاحتياطات اللازمة ضد الفساد وسوء الإدارة، مع تشجيع الشفافية في الحياة الاقتصادية، ومكافحة مقاومة المؤسسات للإصلاح.


وقد أدت الأزمة المالية بكثير منا إلى اتخاذ نظرة عملية جيدة عن كيفية استخدام حوكمة الشركات الجيدة لمنع الأزمات المالية القادمة. ويرجع هذا إلى أن حوكمة الشركات ليست مجرد شيء أخلاقي جيد نقوم بعملة فقط، بل إن حوكمة الشركات مفيدة لمنشآت الأعمال، ومن ثم فإن الشركات لا ينبغي أن تنتظر حتى تفرض عليها الحكومات معايير معينة لحوكمة الشركات، إلا بقدر ما يمكن لهذه الشركات أن تنتظر حتى تفرض عليها الحكومات أساليب الإدارة الجيدة التي ينبغي عليها إتباعها في عملها.


وعلى سبيل المثال، فإن حوكمة الشركات الجيدة، في شكل الإفصاح عن المعلومات المالية، يمكن أن يعمل على تخفيض تكلفة رأس مال المنشأة. كما أن حوكمة الشركات الجيدة تساعد على جذب الاستثمارات سواء الأجنبية أم المحلية، وتساعد في الحد من هروب رؤوس الأموال، ومكافحة الفساد الذي يدرك كل فرد الآن مدى ما يمثله من إعاقة للنمو. وما لم يتمكن المستثمرون من الحصول على ما يضمن لهم عائدا على استثماراتهم، فإن التمويل لن يتدفق إلى المنشآت. وبدون التدفقات المالية لن يمكن تحقيق الإمكانات الكاملة لنمو المنشأة. وإحدى الفوائد الكبرى التي تنشأ من تحسين حوكمة الشركات هي ازدياد إتاحة التمويل وإمكانية الحصول على مصادر أرخص للتمويل وهو ما يزيد من أهمية الحوكمة بشكل خاص بالنسبة للدول النامية.


إن حوكمة الشركات تعتمد في نهاية المطاف على التعاون بين القطاعين العام والخاص لخلق نظام لسوق تنافسية في مجتمع ديمقراطي يقوم على أساس القانون. وتتناول حوكمة الشركات موضوع تحديث العالم العربي عن طريق النظر في الهياكل الاقتصادية وهياكل الأعمال التي تعزز القدرة التنافسية للقطاع الخاص، وتجعل المنطقة أكثر جذبا للاستثمار الأجنبي المباشر، كما تحقق تكاملا للمنطقة في الأسواق العالمية.